عندما لا يكون للإنسان مكان يذهب إليه

الجريمة والعقاب - دوستويفسكي

تولستوي يقول إن جميع الأسر السعيدة متشابهة، أما الأسر التعسة فإن كلاً منها متفرد في تعاسته، أشعر أني أتفق مع ذلك جزئياً؛ لأن تعميم قانون ما على البشرية مخاطرة  ليس من السهل اتخاذها، و إن كنا لا نستطيع الخلاص منها كلياً؛ ذاك لأن عقولنا تحب وضع القواعد و اختزال العالم في تفسيرات  واضحة، و هذا انطباع شخصي و ليس حقيقة، و ما يدعمه من شواهد هو تقدم البشرية في العلوم الطبيعية مقارنة بفهم الإنسان الذي يصعب اختزاله في قواعد بسيطة.

  و أنا أحس بالفعل أن البؤس أكثر تنوعاً من السعادة، و قد يكون مرد ذلك إلى أن السعادة  نادرة و لا تتحقق في الحياة كالبؤس، إن البؤس بطغيانه على الوجود الإنساني قد واتته الفرص ليتخذ أشكالاً و ألواناً بدرجات متفاوتة، و يبتكر لنفسه شتى الحكايات، فهو السيد الذي لا يضارع، و حين يقوم فنان مثل ديستويفسكي برسم بعض اللوحات لهذا الكيان السائد المتشكل، فإنه يسمي ألبومه " الجريمة و العقاب "، و هي في رأيي محاولة فريدة من نوعها لتصوير البؤس الإنساني . 

   إن أسرة مارميلادوف لوحدها في هذه الرواية تمثل لوحة أليمة، رب هذه الأسرة رجل سكير ضعيف الإرادة، يبدد ماله على الخمر و يترك زوجه و أطفاله الجياع دون أن ينفق عليهم، فتندفع ابنته الشابة لممارسة الرذيلة كي تغطي احتياجات أسرتها، و يعيش هذا الرجل في عذاب دائم بسبب احتقاره لذاته، و حين يسأل راسكولنيكوف: هل تعلم شعور الإنسان الذي ليس لديه مكان يذهب إليه؟ فإنه يعبر عن حال اغترابه العميق عن ذاته، فنفس الإنسان هي مقره الوحيد، إن لم يجد السلام معها فلن يجده في أي مكان آخر. و زوجه كاترينا إيفانوفنا تستقبله كل يوم بالضرب و الشتائم، و تشده من شعره أحياناً أمام أعين الجيران الفضوليين، و تنتهي حياته ميتاً تحت عجلات عربة. و تلك المرأة كاترينا إيفانوفنا مكسورة و مهشمة، ترتدي قناع كبرياء زائفاً و تعيش مع مرض سل فظيع ينهكها، و مرض آخر أشد إيلاماً و هو الفقر و العجز، تقيم مع أولادها في حجرة ضيقة بأقل المقومات، و تنتظر عودة زوجها السكير لتحاسبه، و ابنة زوجها لتقدم إليها ما يسد رمقها و رمق أطفالها، و تموت هذه المسكينة بعد أن يصل بها البؤس إلى الجنون و يتمكن منها مرض السل في الوقت ذاته. 

    صونيا، الابنة الشابة لمارميلادوف، و هي التي سجد لها راسكولنيكوف حيث عدها أيقونة المعاناة البشرية، و إن كانت في نظري تمثل صورة أخرى من صور المعاناة و لا تختزلها. تبيع هذه الفتاة جسدها و تتكسب منه، و تتحمل ما يجره عليها ذلك من هلاك و ضياع، و رغم غرقها في الفاحشة إلا أنها لا تزال طاهرة في أعماقها، و هذا يحدث مع النفوس الأبية التي لا تضحي بكرامتها و لو ماتت، و لكنها تتعذب و ترضخ حين تكون تلك التضحية في سبيل من تحب، و من تعلم أنها أمله الوحيد، فتتلطخ من أجله بالرذيلة. و يبقى أطفال مارميلادوف كالدمى الخاوية المشوهة بعد كل ما شهدوه في حيواتهم الصغيرة، هؤلاء حين يكبرون لن يكون لديهم مكان في الماضي يعودون إليه، و هذا لون لا يضارع من البؤس.

   أما راسكولنيكوف فإنه يبدو متفرداً في معاناته؛ لأن هذا الأخير اختلق آلامه و صنعها بيديه، و أسوأ البؤس ذاك الذي يحس الإنسان أنه مسؤول عنه. يترك هذا الشاب جامعته رغم أن بإمكانه العمل لسداد رسومها، و يوقف حياته، و يستسلم لفكرة تسيطر عليه حتى تدفعه إلى ارتكاب جريمة قتل بلا أي طائل؛ إذ يقتنع بأن القضاء على عجوز مرابية قبيحة  و تخليص العالم من شرورها، يشبه ما يفعله العظماء أمثال نابليون، الذين يقتلون و يفلتون بفعلتهم لأن وراء جرائمهم غاية نبيلة، و لأجل هذه الغاية يسمحون لأنفسهم باختراق القواعد التقليدية، و كله في سبيل خدمة الإنسانية، إن راسكولنيكوف أراد أن يجرب جريمة في قناعته لا تستحق العقاب، و هوسه بهذه الفكرة جر عليه مصائب لا تحمد عقباها، فأصبح في بؤسه شبيهاً بمارميلادوف، حيث تكون نفس الإنسان هي مصدر عذابه الذي يجر عليه الآلام، فإلى أين يجدر به الذهاب هذا الإنسان ؟!