العازف والقطة

كنت مصرا على كتابة هذه القصة منذ يومين أو يوم ونصف اليوم. تقريبا. لست أدري. أن تكتب قصة لا تبالي بالوقت. تماما كما قد يقتل الوقت كل شيء. حتى حين. ربما حتى لاشيء. أبدو الآن مترددا. هل وقفت وجبة العشاء في طريق الحصان الجامح؟ ربما. أحس أن لحظة خائنة حقودة تأخذني إلى موعد فارغ. كيف والطقس مكتمل، نسيم منعش يتسلل كابتسامة مفارقة رائعة يدغدغ هواجسي الصيفية. غرفة توافق مزاجي وتبصم على تماس غير مسبوق. حتى الفيلم الذي تابعته للتو مناسب للغاية. العازف المنفرد. أنا عازف منفرد. أريد أن أعزف. سأكتب هذه القصة الحزينة. رنوت، كان المكان فارغا إلا من مواء يشبه العويل. أخرجت رأسي كاملا من النافذة، فكرت أن الستار الحديدي يشبه مقصلة. ستهوي بسرعة وقوة لتقطعه. يتدحرج كبطيخة متدللة. تلحظه الهرة فتقفز صوبه، تنقض عليه. تشرع تنهش كما لو لم يسبق لها تذوق رأس بشرية! طبعا كان صوت الهرة بعيدا ولم يفلح الرأس المجنون المشرئب في لمحها. فجأة وأنا أهم بالانفلات من المقصلة المضحكة. ظهرت القطة من زاوية الزقاق تلقف رأسا بشريا! يا إلهي. إنه رأس العازف المنفرد. كما في الفيلم. شعر أسود مضفر نصف طويل كطحلب يابس. بشرة تبحلق في سوادها عينان يكاد بياضهما يطفئ حلكة بؤبؤيهما. فم عريض بشفتين كحبتي نقانق محشوتين بأحشاء حيوانات ظريفة. كانت القطة بئيسة، وهنة. تتلفت من حولها بحثا عن الرأس الوهمية! يبدو أن القصة تصر أن تكون حزينة. هل سأتركني أكتب ما أريد؟ ربما أعتقد ذلك فقط. تحسست بيدي ستارة النافذة الخارجية، لم تكن مقصلة. ضحكت وتراجعت إلى الخلف وأنا لا أستطيع منع نفسي من تخيل جسدي بدون الكرة العجيبة! فتحت الثلاجة، تناولت صحنا به بعض ما فضل من طعام الغذاء كنت أدخره للعشاء. رجعت إلى المقصلة، لا النافذة. القطة ما زالت هنا. بسبست لها. تقدمت بحذر. ألقيت لها بما في الصحن. ما إن شرعت تسد رمقها بنهم حتى تقدم رجل بتلك الرأس ذات الشعر المضفر! قد يكون العازف المنفرد؟ اقترب من القطة وشاركها الوليمة المزرية. تخيلت أنها ستمانع. ستنقض عليه وتبتر رأسه الغريب لتضاعف حظها من الزاد الليلة! كانت متسامحة جدا. أحسست أن العشاء ضاع مني. ولكني كنت عازفا منفردا أيضا. اكتفيت بمراقبتهما يأتيان على آخر لقمة. أمسكت بمقبض الستارة ودورته حتى ظهرت جثتي عن آخرها. عفوا. جسدي. ماذا لو اتفق العازف والقطة فانقضا عليّ؟ الآن النافذة مشرعة عن آخرها. لن يضطرا لقطع الرأس. سيلتهمان كل شيء. آخر مرة صعدت فيها على الميزان، أشارت الإبرة إلى اثنين وثمانين كيلوغراما. حتما سيدخران الكثير. أين؟ لست أدري. لا يملكان ثلاجة. ستنتشر الرائحة وتكتشف الجثة. ربما يكون العازف ذكيا مع أنه يبدو مجنونا! سيقطعانني ككبش العيد إلى أجزاء صغيرة حسب الوجبات وأصنافها ثم يودعانني الثلاجة. كل هذا بعد أن يسدلا المقصلة. عفوا. النافذة. ويسكنا بيتي. الأمر رهيب. لن يكتشف الأمر ربما إلا بعد أيام! اتكأ العازف على جدار البيت، اتخذت الهرة من صدره سريرا. حضنها وحكى لها حكاية سعيدة حتى ناما معا. كنت مصرا على كتابة قصة حزينة. مر الوقت. اللحظات خائنة. حتى لم أعد أتذكر شيئا. تركت القلم صامتا. والأوراق مريضة جدا. اتجهت صوب النافذة. كانت مفتوحة. لا، كانت مغلقة. لا أستطيع التذكر. هل أتحدث عن اللحظة؟ كان العازف يعزف لحنا كلاسيكيا ممزوجا بموسيقى شعبية مبتذلة. والقطة ترقص رقصا هجينا. نسيت الذاكرة وتخيلت قصة أخرى..