الذكرى الأولى لوفاه صنع الله ابراهيم (اغسطس1937- اغسطس2025)

الصدفة كتبت رواية ذات

 عرفنا الطريق لبيت"صنع الله ابراهيم" فبيته على مشارف مصر الجديدة  شرق القاهرة.فى عمارة طويلة، ضيقة المدخل، سبعة أدوار،ولها سلالم افقية وليست مائلة،وبلا اسانسير،وكنا أذاصعدنا نهجنا وإذا هبطنا نهجنا والعمارة بلا سطوح فشقة صنع الله هى السطوح؟!

وعلى باب الشقة صورة للقدس،وشعارحركة كفاية وكانت شقته بسيطة متواضعة كشخصه تماما،لاتزيد عن 100 متر وقد كسى معظم الحوائط فيها بمكتبات صناعة نجار متواضع المستوى وحشر فيها الكتب.ولذا لم يجد مكانا للجرائد والمجلات التى كان يحتفظ بها،ويقوم بعمل فيلات"ملفات" لها،إلا اسفل سريره الذى ينام عليه! فهو لا يستغنى عن جرائده ومجلاته مثلنا بل يحتفظ بأخبارها وحوادثها متسلسله،فى رزم عبرملفات صنعها من قص ولذق الجرائد!؟

ويحكى صنع الله لنا: أنه فى أحد الليالى استيقظ على صراخ زوجته مدام ليلى،لقد رأت فأرا يخرج من تحت السرير،واكتشفت مخبأ رزم الجرائد، وفى لحظة غضب اقسمت الزوجة أن تلقى بما تحت السرير فى الزبالة وبالفعل نادت البواب،وبدأت بالفعل حملة نظافة ؟!

لكن صنع الله لم يلق الجرائد بالزبالة وإنما القمها لرواية!فصدفة "الفأر" الشارد صنعت رواية "ذات" التى كتب نصفها من توثيق الجرائد القديمة التى تحولت للون الأصفر بفعل ثان أكسيد الكربون تحت مخدعه فصرخة رعب زوجته،كانت النداء أن أصنع رواية جديدة فى كل شيىء الشكل والمضمون.

وعند صدور الرواية احتفى بها الوسط الثقافى وقرر الأستاذ أن يصحبنى معه" للأتيلية" أتيليه الأدب والفن بوسط البلد فى ندوة له عن روايته (ذات) وجلس بجوارى يستمع لما يقال ولم يجلس على المنصة متعللا بأنه يعتنق مبدأ "موت المؤلف" فلم يقل كلمة ولم يعلق!!

وهى نظرية قال بها الناقد الفرنسى"رولان بارت" وتدعو للفصل بين النص الأدبى والمؤلف! معتبرة أن المعنى النهائى لايملكه الكاتب ولم يقصد "بارت" الموت الفيزيائى للكاتب،وإنما موته كسلطة دلالية على النص،ليصبح النص ملكا للقراءة والتأويل،قال للجمهور: قلت كل ماعندى فى النص، اتركوا النص يعيش حياته؟!

ولا اعرف هل هو فعلا يؤمن بنظرية موت المؤلف،أم خاف أن ينزلق فى كلامه لصدفة الفأر الشارد تحت مخدعه.

نحن امام رواية صنع الله ابراهيم "ذات" (1992) الذي لا يملك اسما لامراة عادية، فجعلها "ذات".هي اولا الزوجة و الام و ربة البيت، تعمل في ارشيف جريدة ما حيث تقضى هي و زميلاتها معظم اوقات العمل في الاحاديث والثرثرة. يحكي الكاتب سيرة بطلته و يتحدث عن طفولتها و صباها و زواجها و اسرتها و حياتها اليومية حتى عن احلامها الليلية. يتتبع قارئ "ذات" خطا بطلة الرواية في زيارتها للمحلات التجارية و المدرستين العربية و الانجليزية و المستشفى و مركز الشرطة ومكتب الصحة و ميناء الاسكندرية و مدينة زفتى

ينظر القارئ الى ما يجرى فى هذه الأماكن بعين البطلة. يشير اسم البطلة ذو الدلالة الى ان الكاتب لم يقصد بها شخصية فردية.ولكن فجأة جاء الجار فى الدور الثالث بالعمارة يعترض أن الرواية هى قصة أخته فكيف عرف صنع الله كل هذا عنها!؟ أما الدليل أن اخته ذهبت لقسم الشرطة وعملت محضر فى علب اغذية اشترتها وجدتها فاسدة!! وقلنا له أن الاغذية لها مكان الصدارة فى الرواية فالنص وثائقى يحوى اخباركثيرة تخص استيراد الاغذية من الخارج وانتاجها المحلى تلك الاغذية الملوثة و حالات تسمم مستهلكيها.استخدم صنع الله إبراهيم في نصه الروائي الخبر الصحفي والوثيقة والإعلان والتحليل الخبري والبحث والدراسة العلمية واليوميات والمذكرات الشخصية وغيرها من المعطيات الأخرى التي خلقت بحق نصاً (كولاجياً) فلا يزال صنع الله إبراهيم متربعاً فوق عرش النص الكولاجي دون منازع وهذه سابقة لم يألفها الأدب العربي من قبل، وقد أصر صنع الله إبراهيم على مواصلة هذا المشروع في الجزء الأكبر من نتاجاته الأدبية. ولكي نحيط القارئ علماً نقول إن صنع الله إبراهيم لم يكن يريد تأكيد صحة هذه الأخبار والوقائع المستلة من الصحف أو تفنيدها، وإنما أراد فقط أن يعكس الجو الإعلامي الذي كان سائداً آنذاك، كما أراد أن يحيط القارئ علماً بمصائر شخصياته والظروف والملابسات التي أثّرت فيهم.ويتجلى البعد الفكري لصنع الله إبراهيم الذي ينتصر دائماً للفقراء والمسحوقين في كل مكان. ففي رواية ذات يعّري الطبقة الحاكمة في مصر، ويكشف عن تورطها في عمليات سلب ثروات الشعب المصري سواء عن طريق المسؤولين أوعن طريق المؤسسات التي تلاعبت بمصائرالناس البسطاء. تنقسم الرواية لقسمين :قسم الرواية وقسم لأخبار مجمعة بعناية من الأرشيف الصحفي لمصر في فترة هامة من تاريخها الحديث  المعاصر فالرواية نفسها وبطلتها ذات تمثل بشدة التحولات الاجتماعية في مصر في فترة ما بعد أواخر السبعينات و حتى منتصف الثمانينات او لنقل فترة السلام مع اسرائيل والتى عاصرت فترة حكم السادات