تداعيات ليل قديم

لم يكن يعرف لماذا هجره النوم تلك الليلة، لكنه كان يشعر أن شيئا قديما يستيقظ داخله ببطء، مثل بيت مهجور عاد إليه الضوء فجأة بعد سنوات من العتمة. كان الوقت فجرا، والمدينة غارقة فى صمتها الثقيل، بينما ظل هو جالسا أمام شاشة الكمبيوتر، يحدق فى صفحة بيضاء لا يكتب فيها شيئا، وإلى جواره كتاب مفتوح وفنجان قهوة منسى منذ وقت طويل. لم يكن الأمر جديدا عليه؛ كأن النوم خصم خفى يحاول دائما أن ينتزع منه جزءا من حياته، فيقاومه بالقراءة: روايات طويلة، كتب فلسفة، دواوين شعر، أى شىء يبقيه معلقا بين الليل والفجر.

كان يستطيع قديما أن يظل مستيقظا أياما متواصلة، يقرأ بلا توقف، ويشعر بنشوة خفية كلما اقترب من إنهاك جسده، كأن السهر بطولة سرية لا يعرفها أحد سواه. ثم مر العمر بهدوء قاس، واكتشف، مع تقدمه فى السن، أن الجسد لم يعد يطاوعه كما كان، فصار يوم واحد أقصى ما يحتمله قبل أن يسقط منهكا فى النوم. لكنه، مع ذلك، لم يتوقف عن القراءة، لأن الأمر لم يكن متعلقا بالكتب وحدها كما ظن طوال عمره.

مد يده إلى كتاب قديم على الرف، وما إن فتحه حتى سقطت منه ورقة صفراء مطوية بعناية. التقطها ببطء، وحين قرأها شعر بشىء يشبه الارتباك الحميم. كانت ملاحظات كتبها بيده قبل أكثر من أربعين عاما، لكنه فوجئ بأنه لم يكن يتحدث فيها عن الكتاب نفسه إلا قليلا. كل ما كتبه تقريبا كان عن ذاته؛ عن امرأة أحبها ثم اختفت، عن خوفه المبكر من الشيخوخة، عن أمه التى كانت تحتضر وقتها فى الغرفة المجاورة، وعن حلم غامض رآه ذات ليلة وظل يطارده أياما طويلة.

أعاد قراءة الورقة مرة أخرى، ثم رفع عينيه نحو رفوف الكتب المتراصة أمامه، وفجأة شعر أن كل تلك الكتب لم تكن سوى مرايا متناثرة لحياته هو. عندها فقط فهم الحقيقة التى تأخر عنها سنوات طويلة؛ لم يكن يقرأ الكتب أبدا، بل كان يقرأ نفسه من خلالها. كان الكتاب مجرد باب، وما إن يفتحه حتى تبدأ داخله تداعيات لا تنتهى؛ ذكرى تقود إلى ذكرى، ووجه قديم يوقظ سؤالا منسيا، وفقرة صغيرة تفتح طريقا إلى حياة كاملة. كان يظن أنه يتابع الأفكار المكتوبة أمامه، بينما كان، فى الحقيقة، يتتبع خرائطه الداخلية فى عتمة الروح.

لهذا كانت قراءته دائما تتم بتريث وعلى مهل، ولهذا أيضا صار يكتب ملاحظاته فى ملفات «الوورد» خوفا من النسيان، ليس لأنه يخشى ضياع ما كتبه، بل لأنه كان يخاف أن تضيع منه تلك النسخ القديمة من نفسه. ومع مرور الزمن خفتت التداعيات، أو الأحلام التى كانت تشتعل داخله، وصار العقل أكثر صلابة وبرودة، حتى الأفكار نفسها فقدت شيئا من طراوتها الأولى. وحدها الموسيقى ظلت قادرة على إنقاذه، وكذلك الشعر؛ كان يشعر أنهما يعيدان الماء إلى روحه كلما جفّت تحت وطأة التفكير الطويل.

نظر إلى الصفحة البيضاء أمامه مرة أخرى، ثم كتب فى أعلاها كلمة واحدة: «يوميات». ظل يتأملها قليلا، قبل أن يواصل الكتابة ببطء وروية، كأنه يكتشف المعنى للمرة الأولى:

«أنا لا أكتب كى أتذكر ما حدث… بل كى أعرف من الذى عاشه».

وعندما انتهى من الجملة، شعر فجأة أن الليل كله قد انزاح عن صدره، وأن أسهاره الطويلة  لم تكن هروبا من النوم كما ظن دائما، بل محاولة خفية كى يعرف نفسه قبل أن تضيع منه فى ضباب الزمن.