قصة «امرأة جبال الكاربات» وهي نص من ضمن مجموعة مختارات قصصية للكاتبة المكسيكية كريستينا ريفيرا غارزا والتي صدرت عام 2022 ـ هذا العمل يمكنا القول بأنه من النماذج البديعة التي تكشف روح الكتابة القصصية عند كريستينا ريفيرا غارزا، حيث لا نجد أن القصة قامت على حبكة مكتملة أو تطور درامي تقليدي، ولكن الأهم هو بناؤها لحالة وجودية مشحونة بالعنف والذاكرة والصمت. نحن أمام امرأة اختارت العيش في غابة نائية، تخلت عن المدينة، وهويتها السابقة، وحتى عن التصنيف الجندري، من أجل تبني ما تسميه «نظرية الغابة»: نمط حياة قاسٍ، منضبط، يقوم على العمل والعزلة والانتباه.
الغابة في القصة لم تكن ملاذًا رومانسيًا، فهي مساحة خطرة ولغة تفصل بين الحضارة والهمجية، بين النظام والفوضى، وتفرق التاريخ المكتوب عن ما تم محوه والأشياء التي لم توثق. وبينما المرأة تعيش هذه الحياة المختلفة يصل الرجل القادم من الحرب وهذا الغريب يُقلق ويهدد التوازن الذي ظنت لبطلة أنها حققته. فهو ليس شخصية نفسية مكتملة، إنه حامل للعنف العائد من الخراب بلا تصفية، ويحاول أن يفرض سردية جديدة. لغته نهمة، وذاكرته غير قابلة للصمت، ورغبته الخفية هي أن يمتلك القصة وسرعان ما يربط نفسه بماضي المرأة، ويعمل على إدخالها في تاريخ لم تعد تعترف به.
يتقاطع الخاص بالجماعي عبر اعترافات مبطنة داخل الكنيسة: «لقد أحرقنا القرى… وتبنّينا عاداتهم». هنا يظهر جوهر كتابة ريفيرا غارزا، حيث تُبدع في تفكيك خطاب ما بعد الإبادة، بهذا يصعب لأحد أن يخفي العنف أو يجعله جميلاً، ورغم أن هذا الشخص يتخفى في لغة ذات تبريرات، وطقوس يومية، وحتى في طقوس مقدسة.
إلا أن المرأة هنا ليست ضحية بريئة، وليست كذلك بطلة خلاصية؛ هي كائن يدرك آليات العنف وتقنياته، ولكنها تتخذ من الصمت أحيانًا فعل مقاومة، وأحيانًا شرط نجاة.
لم تقدّم هذه القصة خاتمة صريحة، وسوف نلمس أن النهاية حملت إيحاءً قدريًا؛ فيأتي الثلج ليغير الحياة، تصور القاصة الفأس يقطع الخشب وآثار الأقدام. النهاية إذن لم تكن حدثًا، كأنها معرفة مسبقة بكيف يعمل العنف عندما يجد فضاءً خصبًا لنمو القبح. بهذا المعنى، تكتب ريفيرا غارزا قصصها القصيرة كمن يفكّر في السرد نفسه، تصور الذي يروي، وتسأل من يحق له وتتوفر له إمكانيات وحرية الرواية، ولماذا، وبأي لغة؟
قصتها هنا لم تكن حكاية تُفهم بسهولة، لكننا سنعيش تجربة قرائية تضعنا كقراء داخل منطقة رمادية، فلا توجد نهاية سعيدة، ولكن يوجد شيء يمكن أن نقول إنه وعي حاد قد يؤدي بنا ويقودنا إلى القليل من النجاة.
وفي الأخير أود أن أذكر ملاحظة وجدتها على موقع أمريكي اسمه بلوج عاشق الكتب وعد عرضًا مختصرًا لهذا الكتاب حيث نوه لضرورة أن ننتبه مبكراً وخاصة إذا كنا قراء جدد لهذه الكاتبة وأنه لا يمكن للسرد المباشر أن يصف أعمال ريفيرا غارزا؛ حيث كشفت الكاتبة في مقدمتها، قائلة: "بعد كل نهاية، كان يراودني شعور غريب بأنني كنت قريبة من شيء لن أتمكن أبداً من استيعابه بالكامل. وقلت لنفسي: كان ذلك كافياً، بل وأكثر من كافٍ".
وفعلاً لن يجد القارئ في كتاباتها فهماً واضحًا وكاملاً، أو نهايات حاسمة، أو خاتمة مقنعة؛ كون ريفيرا غارزا تقدم مزيجٌا بديعًا من الابتكارات والتحدي وكذلك البراعة اللغوية الفائقة، كما أنها تبنّي الغموض واستعصاء المعنى في مواقف كثيرة.
Cristina Rivera Garza
كريستينا ريفيرا غارزا كاتبة وشاعرة ومؤرخة ومترجمة مكسيكية، وُلدت في ماتاموروس، قرب الحدود مع الولايات المتحدة، في الأول من أكتوبر ١٩٦٤. درست علم الاجتماع في الجامعة الوطنية المستقلة بالمكسيك، ثم حصلت على الماجستير والدكتوراه في تاريخ أمريكا اللاتينية من جامعة هيوستن. و ساعدها هذا التكوين على فهم حياة المهمشين.
من أعمالها «لن يراني أحد أبكي» و«داء التايغا» و«سيرة القطن الذاتية» و«صيف ليليانا الذي لا يُقهر». وقد نالت عن النسخة الإنجليزية من الكتاب الأخير جائزة بوليتزر لعام ٢٠٢٤ في فئة المذكرات أو السيرة الذاتية.