لماذا نخجل من قول: لا أعرف؟

ثمة لحظة صغيرة تتكرر في حياتنا أكثر مما نتصور: يُطرح سؤال، فيلتفت الإنسان إلى السؤال قبل أن يلتفت إلى الإجابة. يعرفها أو لا يعرفها؟ ثم يسأل نفسه سؤالًا آخر، أكثر إزعاجًا: ماذا سيظن الآخرون بي إذا قلت إنني لا أعرف؟ قد يكون السؤال بسيطًا، وقد يكون في موضوع بعيد تمامًا عن مجال خبرته، ومع ذلك يشعر بأن عليه أن يقول شيئًا. فيخمن، أو يستحضر معلومة قديمة، أو يكرر ما سمعه من شخص آخر، أو يقدم إجابة واثقة لا يعرف مدى صحتها. وفي أحيان أخرى تكون المشكلة أكبر: يعرف أنه لا يعرف، لكنه يخشى الاعتراف بذلك.. لماذا؟ نحن نعيش في زمن لم تعد فيه المعرفة حبيسة الكتب والمكتبات، ولم يعد الوصول إلى المعلومة يحتاج إلى ساعات من البحث. بضغطة واحدة يمكن الوصول إلى إجابات عن التاريخ والطب والفلك والاقتصاد واللغة وغيرها. ومع ذلك، يبدو أن قول «لا أعرف» لم يصبح أسهل، بل ربما أصبح أكثر صعوبة؛ لأن وفرة المعلومات خلقت، شعورًا بأن الإنسان ينبغي أن يعرف كل شيء. لكن الإنسان لا يعرف كل شيء، ولن يعرف كل شيء. وربما لا تكمن المشكلة في جهلنا بأشياء كثيرة، وإنما في أننا أصبحنا نخجل من الاعتراف بها.
 

حين تصبح المعرفة جزءًا من صورتنا عن أنفسنا

 
نحن لا نتعامل مع المعرفة دائمًا بوصفها وسيلة لفهم العالم. أحيانًا تتحول إلى جزء من الصورة التي نريد أن يرانا الآخرون عليها. نريد أن نبدو أذكياء، مطلعين، متمكنين، قادرين على الإجابة. ولذلك قد يصبح السؤال الذي لا نعرف إجابته تهديدًا لصورتنا أمام الآخرين. لا تعود القضية: «هل أعرف هذه المعلومة؟»، وإنما: «كيف سيحكمون عليّ إذا لم أعرفها؟». وهنا تتحول المعرفة من قيمة معرفية إلى قيمة اجتماعية. قد لا يكون الإنسان مهتمًا فعلًا بأن يعرف كل شيء، لكنه يهتم بألا يبدو جاهلًا. ولهذا قد تكون الإجابة الخاطئة، في بعض المواقف، أقل إحراجًا من قول «لا أعرف». فالإجابة تمنح صاحبها فرصة للاحتفاظ بصورة العارف، حتى لو كانت تلك الصورة قائمة على وهم. أما الاعتراف بعدم المعرفة فيضعه أمام حقيقة بسيطة: هناك شيء لا يعرفه. ولعل هذا يفسر جزءًا من ذلك السلوك الغريب الذي يجعل الإنسان يتحدث بثقة عن موضوع لم يقرأ عنه إلا قليلًا. إنه لا يدافع عن معلومة بقدر ما يدافع عن صورته أمام نفسه والآخرين.

بين «أعرف» و«أظن»

المشكلة لا تبدأ حين نجهل، فالجهل جزء طبيعي من الوجود الإنساني. المشكلة تبدأ حين نفقد القدرة على التمييز بين درجات معرفتنا. هناك فرق كبير بين أن أقول: «أعرف»، وأن أقول: «أظن»، وأن أقول: «سمعت»، وأن أقول: «لا أعرف». هذه العبارات تمثل مواقف مختلفة تجاه الحقيقة. قد يكون ما أظنه صحيحًا، لكنه يظل ظنًا. وقد يكون ما سمعته صحيحًا، لكنه يحتاج إلى تحقق. أما «لا أعرف» فهي العبارة الأكثر دقة حين لا نملك ما يكفي للحكم، وهنا يظهر مفهوم التواضع المعرفي؛ وهو لا يعني أن يقلل الإنسان من قدراته، ولا أن يشك في كل ما يعرفه، وإنما أن يكون قادرًا على إدراك حدود معرفته، وأن يعترف بإمكان الخطأ، وأن يظل مستعدًا لمراجعة رأيه عندما تظهر أدلة جديدة. وتربط الدراسات الحديثة هذا التواضع بالوعي بحدود المعرفة وقابلية المعتقدات الشخصية للخطأ، وبالاستعداد لتلقي المعلومات من الآخرين. فالتواضع المعرفي، بهذا المعنى، ليس ضعفًا في الشخصية، بل دقة في التعامل مع المعرفة.

الجهل بالجهل

المفارقة أن الإنسان قد لا يعرف أنه لا يعرف. وهذه إحدى أكثر مشكلات المعرفة تعقيدًا؛ إذ إن نقص المعرفة قد يجعل الإنسان أقل قدرة على اكتشاف ذلك النقص. تناول ديفيد دانينغ هذه المفارقة في أبحاثه حول ما عُرف لاحقًا بتأثير دانينغ-كروغر، موضحًا أن محدودية المعرفة أو المهارة قد تجعل اكتشاف هذه المحدودية أكثر صعوبة؛ لأن الأدوات التي يحتاجها الإنسان لتقييم خطئه هي نفسها الأدوات التي قد تكون ناقصة لديه. لكن من المهم ألا نحول هذه الفكرة إلى حكم سهل على الآخرين: «من يتحدث بثقة لا يعرف شيئًا». فالثقة ليست دليلًا على الجهل، كما أن التردد ليس دليلًا على المعرفة. المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك. وقد وجدت دراسة حديثة في مجال المعرفة العلمية أن الإفراط في الثقة يمكن أن يبلغ ذروته عند مستويات متوسطة من المعرفة في بعض السياقات، كما استخدمت «لا أعرف» نفسها بوصفها خيارًا يساعد في قياس الفارق بين المعرفة الفعلية والثقة بها. المشكلة إذن ليست أن نكون واثقين، وإنما أن تكون ثقتنا أكبر من الأدلة التي نملكها.

حين تخاف المدرسة من «لا أعرف»

ربما تظهر علاقتنا بالعبارة منذ الطفولة. يسأل المعلم سؤالًا، فيرفع بعض الطلاب أيديهم، بينما يخفض آخرون رؤوسهم حتى لا يقع عليهم الاختيار. وقد يعرف الطالب الإجابة، لكنه يخشى أن يخطئ أمام زملائه. وقد لا يعرفها، فيحاول أن يخمنها حتى لا يبدو أقل قدرة من الآخرين. وهنا لا يعود الصف مكانًا للتعلم فقط، بل يصبح أحيانًا مسرحًا لإدارة الانطباعات. لكن ماذا لو كان الاعتراف بعدم المعرفة جزءًا طبيعيًا من التعلم؟ ماذا لو استطاع الطالب أن يقول: «لا أعرف»، دون أن يشعر بأنه أعلن عن نقص في قيمته؟ وماذا لو استطاع المعلم نفسه أن يقول أمام طلابه: «لا أعرف، فلنبحث عن الإجابة»؟ في هذه اللحظة تتغير صورة المعرفة. لم تعد المعرفة سلطة يمتلكها شخص ويطلب من الآخرين تلقيها، وإنما أصبحت عملية مشتركة في السؤال والبحث والتحقق. المعلم الذي يقول «لا أعرف» لا يفقد مكانته بالضرورة؛ بل قد يمنح طلابه درسًا أعمق: أن العالم أكبر من أن يحيط به عقل واحد، وأن الاعتراف بحدود المعرفة يمكن أن يكون بداية للبحث، لا نهاية له.

عصر يستطيع فيه الجميع أن يتحدثوا عن كل شيء

أعادت وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل علاقتنا بالمعرفة. لم يعد امتلاك المنبر حكرًا على الكاتب أو الأكاديمي أو الصحفي أو المتخصص. يستطيع أي شخص أن يتحدث أمام جمهور واسع في الطب والاقتصاد والتاريخ والسياسة والعلوم والتكنولوجيا، وأن يقدم نفسه، عن قصد أو دون قصد، بوصفه صاحب معرفة. وليس في ذلك مشكلة في ذاته؛ فإتاحة التعبير للجميع قيمة مهمة. لكن المشكلة تبدأ حين تختلط حرية الكلام بسلطة المعرفة. فقد يبدو شخص ما خبيرًا لأنه يتحدث بطلاقة، ويستخدم المصطلحات المناسبة، ويعرض أفكاره بثقة. لكن طريقة تقديم المعلومة ليست دليلًا على صحتها. وقد تكون الجملة الواثقة أقل قيمة من جملة مترددة تعترف بحدود الدليل. هنا نواجه ظاهرة ثقافية تستحق التأمل: هل أصبح الظهور بمظهر العارف أهم أحيانًا من أن نكون عارفين فعلًا؟ لا يمكن تعميم ذلك على مستخدمي المنصات، لكنه خطر حقيقي حين تتحول الثقة في المتحدث إلى بديل عن الثقة في الدليل.

العلم يبدأ من «لا أعرف»

إذا كان ثمة مجال يمكن أن نتعلم منه قيمة «لا أعرف»، فهو العلم. العلم لا يبدأ بادعاء أن كل شيء مفهوم، وإنما يبدأ بالسؤال. والعالم لا يحتاج إلى أن يعرف الإجابة مسبقًا كي يطرح السؤال، بل إن عدم معرفته هو الذي يدفعه إلى البحث. في المختبر لا تكون النتيجة المتوقعة حقيقة مقدسة، بل فرضية قابلة للاختبار. وإذا جاءت النتائج مخالفة للتوقعات، لا يكون المطلوب إخفاءها حتى تحافظ الفكرة على هيبتها، وإنما مراجعة الفكرة نفسها. كلما اتسعت دائرة المعرفة العلمية، اتسعت معها حدود المجهول. وما نعرفه عن الكون لا يلغي ما نجهله عنه، وما نعرفه عن الحياة لا يعني أننا امتلكنا أسرارها كلها. ولهذا فإن عبارة «لا نعرف بعد» ليست علامة على عجز العلم، بل على صدقه. إنها تضع حدًا واضحًا بين ما تدعمه الأدلة وما لم تصل إليه الأدلة بعد. والعقل العلمي لا يخجل من هذه المسافة بين السؤال والإجابة؛ لأنه يعرف أن ملء الفراغ بإجابة غير صحيحة ليس تقدمًا في المعرفة.

حين تجيب الآلة بدلًا منا

ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضع علاقتنا بـ«لا أعرف» أمام اختبار جديد. لم يعد الإنسان مضطرًا إلى الانتظار طويلًا كي يحصل على إجابة. يستطيع أن يسأل نظامًا ذكيًا عن موضوع فيحصل خلال ثوانٍ على شرح منظم ومقنع. لكن الحصول على الإجابة لا يعني بالضرورة امتلاك المعرفة. هناك فرق بين أن تصلني معلومة، وبين أن أفهمها، وأن أستطيع تقييمها، وأن أعرف حدودها، وأن أستخدمها في سياقها الصحيح. وهنا تكمن مفارقة جديدة: ربما يصبح قول «لا أعرف» أكثر أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي، لا أقل أهمية. فإذا كانت الآلة قادرة على إنتاج إجابة عن معظم الأسئلة، فإن السؤال الحقيقي يصبح: هل نعرف كيف نميز الإجابة الصحيحة من الإجابة المقنعة؟ فالأنظمة التوليدية قد تنتج معلومات غير صحيحة بصياغة واثقة، وهي ظاهرة تُعرف باسم «الهلوسة» في نماذج الذكاء الاصطناعي. ولهذا فإن الإجابة السريعة لا ينبغي أن تُعامل بوصفها حقيقة لمجرد أنها جاءت من آلة متقدمة. قد يساعدنا الذكاء الاصطناعي في تجاوز حدود معرفتنا، لكنه لا يعفينا من مسؤولية الاعتراف بهذه الحدود البشرية.

شجاعة ألا نعرف

ربما نحتاج إلى إعادة النظر في العبارة نفسها. «لا أعرف» ليست دائمًا اعترافًا بالنقص؛ فقد تكون اعترافًا بالحدود البشرية. وهناك فرق بين إنسان لا يعرف ولا يريد أن يعرف، وإنسان يعرف أنه لا يعرف ويريد أن يبحث. الأول يغلق الباب، والثاني يفتحه. وحين نقول «لا أعرف» بصدق، فإننا نترك مساحة لطرح السؤال. والسؤال يفتح باب البحث، والبحث يقود إلى المعرفة. أما الإجابة المختلقة التي تأتي عن جهل، فإنها تغلق الباب قبل أن يبدأ البحث؛ لذلك ربما لا تكون المشكلة الحقيقية في أن يقول الإنسان «لا أعرف»، وإنما في أن يخشى قولها إلى الحد الذي يدفعه إلى اختراع معرفة لا يمتلكها أصلًا. لقد اعتدنا أن ننظر إلى المعرفة بوصفها امتلاكًا للإجابات، وربما آن الأوان لأن ننظر إليها أيضًا بوصفها قدرة على معرفة حدود ما نملك من إجابات. فليس العارف هو من يملك جوابًا عن كل سؤال، وإنما قد يكون العارف، في لحظة معينة، هو من يعرف أي الأسئلة يستطيع الإجابة عنها، وأيها يحتاج فيه إلى البحث، وأيها لا يملك له جوابًا بعد. وفي عالم تزداد فيه المعلومات، وتتسارع فيه الإجابات، وتتكاثر فيه الأصوات التي تتحدث بثقة، قد تصبح العبارة الأكثر تواضعًا هي أيضًا الأكثر شجاعة: لا أعرف. فهي لا تعني بالضرورة: «ليس لدي ما أقول»، وإنما قد تعني: «أحترم الحقيقة بما يكفي كي لا أدّعي امتلاكها قبل أن أعرف».
 
هوامش وإحالات
 
1.   عطيّة، عمر محمد. (2025). الثقة الزائدة وعلاقتها بنمطي الشخصية A-B لدى طلبة الجامعة. رسالة ماجستير، كلية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة كركوك.
 
2.   عبد الحافظ، شادي. (2021). «وهم التفوق: هل تعتبر ثقتك الزائدة في عقلك دليلًا على جهلك؟». الجزيرة نت، 21 مارس 2021.
 
3.   Porter, T. (2025). “Intellectual Humility: On Recognizing Our Limits.” Advances in Experimental Social Psychology, Vol. 71, pp. 135–179.
 
4.   Leary, M. R. (2022). “Intellectual Humility as a Route to More Accurate Knowledge, Better Decisions, and Less Conflict.” Emerging Adulthood, 10(5).
 
5.   Dunning, D. (2011). “The Dunning–Kruger Effect: On Being Ignorant of One's Own Ignorance.” Advances in Experimental Social Psychology, Vol. 44, pp. 247–296.