وصلتني رسالة سامر مع آخر ضوءٍ في النهار.
كان أول ما رأيته صورة لحقيبة سفر مفتوحة على السرير، كُتب تحتها: أخيرًا. مررت الرسالة إلى الأسفل، كان مكتوب قبل الصورة: حجزت التذكرة الثلاثاء القادم. قرأتها مرتين، ثم كتبت: مبروك. أرسلت الرد وأعدت الهاتف إلى جيبي. أغلقت الشاشة ونظرت من النافذة إلى الشارع. لم تتوقف نغمة الإشعارات عن التكرار، لكنني تركتها تتراكم كما هي.
في الأسفل كانت السيارات تزحف ببطء تحت ضوء المغيب. المقهى الذي نرتاده أنا وسامر يعج بالزبائن كعادته. وقعت عيناي على الطاولة التي اعتدنا الجلوس إليها. تراءى لي سامر وهو يتحدث بحماس عن شركة ناشئة سيؤسسها يومًا ما، بينما كنت أتحدث أنا عن الكتابة والعمل الصحفي. كنا نتصرف كما لو أن الطريق أمامنا واضح. لم يؤسس سامر شركة، ولم أصبح صحفيًا. عمل هو سنواتٍ في شركة برمجيات صغيرة تكاد تغلق أبوابها كل عام، أما أنا فانتهيت منشئ محتوى في شركة تسويق.
اتجهت إلى المطبخ لأُحضِّر فنجانًا من القهوة، ثم عدت إلى غرفتي وجلست أمام الحاسوب أراجع تفاصيل حملة إعلانية أُعِدُّها لشركة تطوير عقاري. أمضيت نصف ساعة أبدّل الكلمات نفسها بأخرى تشبهها: فرص أفضل، مستقبل واعد، حياة تستحقها. عبارات لامعة تصلح لكل شيء، ولا تعني شيئًا محددًا. كانت رسائل فريق العمل تتوالى في نافذة المحادثة الجانبية، وكل واحدة تقترح تعديلًا صغيرًا لا ينتهي.
أغلقت ملف الحملة الإعلانية، وفتحت ملفًا فارغًا. كتبت عنوانًا واحدًا: لماذا يرحل الجميع؟ في البداية كتبت عن سامر، لكنني سرعان ما وجدت نفسي أكتب عن آخرين أيضًا. عن وائل الذي باع سيارته ليسدد ديونه، ثم انقطعت أخباره. وشيرين التي كانت الأولى على دفعتها ثم اختفت في بلد بعيد. وزميل دراسة أصبح يقيس عمره بعدد طلبات الهجرة المرفوضة. وماريان التي تعاني العزلة بين زملاء العمل. لم أكن أكتب لأقنع أحدًا بشيء. كنت فقط أحاول أن أفهم: لماذا أصبح الرحيل موضوعًا يتكرر في كل جلسة؟ ولماذا يبدو البقاء أحيانًا كأنه قرار يحتاج إلى تبرير؟
عندما انتهيت، كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل. أعدت قراءة التدوينة. لأول مرة منذ سنوات شعرت أنني أكتب ما لا يشبه عملي. لم يطلبه عميل، ولم يوافق عليه مدير، ولم أكتبه إلا لأنني أردت ذلك. كان يخصني. أرسلته إلى أحمد ومروان، ثم أغلقت الحاسوب.
في الصباح وصلتني رسالتان. الأولى من أحمد: أفضل تدوينة كتبتها منذ زمن. أما الثانية فمن مروان: تدوينة قوية. لكن إذا قررت نشرها على مدونتك أو على صفحاتك في مواقع التواصل، فعليك أن تفكر: هل تستحق الثمن؟ على أقل تقدير، ستخسر مصداقيتك أمام عملاء الشركة. بقيت أحدق في الرسالة طويلًا. للمرة الأولى خطر لي أن التدوينة التي شعرت، وأنا أكتبها، بأنها أكثر شيء يشبهني، قد تكون أيضًا أكثر شيء يهدد الاستقرار القليل الذي وصلت إليه: الوظيفة، التأمين، الراتب الذي جعل آخر كل شهر أقل قلقًا. وضعت الهاتف على المكتب.
بمجرد وصولي إلى الشركة، طلب المدير حضوري. حملت دفتري ودخلت مكتبه. كان في مزاج جيد. قال: لدينا عميل كبير جديد. أدار الشاشة نحوي. ظهرت عبارة: فرص الغد تبدأ اليوم. ابتسم وأضاف: نريد حملة تستهدف الشباب. شيئًا يجعلهم يشعرون أن المستقبل هنا، وليس في أي مكان آخر. هززت رأسي. أضاف: أريدك أنت أن تكتبها. خرجت من المكتب وجلست أمام شاشتي. على اليمين ملف الحملة الجديدة، وعلى اليسار التدوينة التي كتبتها الليلة الماضية. فتحت ملف الحملة. كان المشروع من النوع الذي يتحدث عنه الجميع في الشركة؛ المشاريع التي تعني مكافأة إضافية إذا نجحت الحملة. ظللت أحدق في الملفين طويلًا، ثم وضعت يدي على لوحة المفاتيح.
في الظهيرة نزلت إلى المطعم مع الزملاء. كان هناك كرسي فارغ في نهاية الطاولة. سألت دون تفكير: أين حسام؟تبادل اثنان من الزملاء النظرات، ثم قال أحدهم: ألم تسمع؟ هززت رأسي. رد أحدهم: ترك الشركة. تدخل آخر ضاحكًا: أو جعلوه يتركها. ضحك بعضهم. سألت: لماذا؟ رفع كتفيه وقال: لا أعرف التفاصيل. ثم أضاف بعد لحظة: الإدارة قالت إنه لا ينسجم مع ثقافة المؤسسة. ضحك ثالث: هذه الجملة تصلح لكل شيء.
انتهى الحديث بسرعة، وظل الكرسي الفارغ يطوف في ذهني. كنت أعرف حسام. لم يكن صديقًا مقربًا، لكننا كنا نتبادل الحديث أحيانًا عند آلة القهوة. قبل أيام صادفته يُعِدُّ قهوته. سخر من شعار الشركة الجديد. كان دائمًا يقول ما يفكر فيه. بعد الغداء مررت بمكتبه. كان خاليًا. الشاشة مطفأة، والدرج مفتوحًا قليلًا، كأن صاحبه خرج لتوه وسيعود بعد دقائق. لكنه لم يعد إلى ذلك المكتب.
ذهبت مساءً لزيارة أمي. بمجرد أن فتحت الباب، اشتكت من تعطل المصعد المستمر. ثم مضت نصف ساعة تتحدث عن فاتورة الكهرباء والدواء الذي ارتفع ثمنه. جلست أستمع. لسبب ما بدا كل ذلك أكثر واقعية من أي نقاش كبير عن المستقبل أو الهجرة. سألتني وهي تُحضِّر الشاي: هل صحيح أن سامر سيسافر؟ قلت: نعم. هزت رأسها: خسارة. صمتت لحظة، ثم أضافت: لكنه يفعل ما يراه مناسبًا. وضعت كوب الشاي أمامي، وقالت: في النهاية، يبحث الإنسان عن حياة يستطيع أن يعيشها. لم تقل أكثر من ذلك، وكان كافيًا ليشغل تفكيري حتى وصلت إلى البيت.
في تلك الليلة فتحت التدوينة. قرأت الفقرة الأولى، ثم الثانية، ثم بدأت أعدّل. استبدلت كلمة بأخرى، وحذفت جملة، وأضفت توضيحًا هنا، وتخفيفًا هناك. بعد ساعة كاملة أعدت قراءة التدوينة مرة اخرى. لم أكن متأكدًا مما تغيّر، لكنني كنت متأكدًا من أن شيئًا ما اختفى. أغلقت الحاسوب، وذهبت إلى النوم.
خرجت إلى العمل مبكرًا صباح اليوم التالي. توقفت الحافلة عند إشارة طويلة. على المبنى المقابل لافتة إعلانية ضخمة لشركة عقارية. الشعار نفسه الذي أمضيت الليلة الماضية أعدله: "مستقبلك يبدأ هنا." ظللت أحدق فيها حتى تحركت الحافلة. لم أفكر في الشقق. فكرت في كلمة "هنا". كم مرة كتبتها خلال السنوات الأخيرة؟ وكم مرة صدقتها؟
وصلت إلى الشركة قبل معظم الزملاء. القاعة هادئة على غير عادتها. وضعت حقيبتي وجلست أمام الشاشة. بقيت دقائق أحدق في سطح المكتب قبل أن أفتح أي ملف. كان كل شيء في مكانه: اختصار الحملة الإعلانية، والمتصفح، والبريد الإلكتروني، ومجلد صغير يحمل اسم "مسودات". مررت مؤشر الفأرة فوقه، ثم سحبته بعيدًا. بعد قليل بدأت المكاتب تمتلئ بالأصوات، فعادت الغرفة إلى ما عادة تكون عليه، وعدت إلى عملي.
عندما فتحت البريد الإلكتروني وجدت رسالة موجَّهة إلى جميع الموظفين، عنوانها: تحديث سياسات التواصل والظهور المهني. طويلة ومليئة بالعبارات القانونية. تحدثت عن صورة الشركة، وسمعتها، ومسؤولية الموظف داخل العمل وخارجه. مررت عليها سريعًا في البداية، ثم عدت إليها وأعدت قراءتها. لم يكن فيها شيء استثنائي، ولكنها كانت من النوع الذي جعلني أشعر بأن الكلمات القليلة المكتوبة تخفي وراءها كلمات أكثر. في نهاية الرسالة كان مطلوبًا منا تأكيد الاطلاع. ضغطة زر واحدة فقط. أغلقت البريد دون أن أضغط.
بعد الظهر مر المدير بين المكاتب. توقف عند شاشتي، وقرأ بعض السطور من الحملة الجديدة التي كلفني بها مؤخرا. ثم ابتسم وقال: ممتاز. هذا بالضبط ما نحتاجه. شكرته. وما إن ابتعد حتى شعرت بضيق مفاجئ. الجملة التي أثنى عليها كانت: الفرص الحقيقية ليست في مكان آخر، بل هنا. ظللت أحدق فيها طويلًا، ثم فتحت تدوينة ”لماذا يرحل الجميع؟“ الأصلية في النافذة المجاورة. سطرها الأول يقول: في السنوات الأخيرة أصبح الرحيل لغة مشتركة بين أناس لم يتفقوا على شيء آخر. أغلقت الملفين معًا.
التقيت سامر مساءً. جلسنا في المقهى القديم قرب الجامعة. المكان نفسه تقريبًا. حتى الطاولات لم تتغير كثيرًا. كان كل شيء كما هو، إلا أن معظم الطاولات أصبحت صامتة؛ يجلس حولها أشخاص ينظر كل واحد منهم إلى شاشة مختلفة.
- سألته: هل أنت متحمس؟
- ضحك: متوتر أكثر من متحمس.
- قلت: إذن لماذا تفعلها؟
- نظر إلى الشارع من خلف الزجاج، ثم قال: لأنني تعبت من الانتظار.
- صمت لحظة، ثم أضاف: أتذكُر أول شقة ذهبنا لرؤيتها؟
- ضحكت: كيف أنساها؟ كنا في السادسة والعشرين. خرجنا مقتنعين بأننا سنشتري شققنا خلال سنوات معدودة.
- قال: منذ ذلك اليوم وأنا أقول لنفسي قريبًا.
- سكت قليلًا قبل أن يضيف: اكتشفت أن كلمة "قريبًا" يمكن أن تبتلع عمرًا كاملًا.
لم أعرف ماذا أقول.
- أكمل: لا أبحث عن حياة عظيمة يا كريم. أريد فقط عيشة عادية.
كانت تلك أكثر جملة صادقة سمعتها منذ وقت طويل.
في طريق العودة لم أفكر في السفر. فكرت في التدوينة. وصلت إلى البيت قبل منتصف الليل بقليل. فتحت الحاسوب. فتحت نسختي التدوينة، الأصلية والمعدلة. بدأت قراءة الأولى ببطء. وعندما انتهيت انتقلت إلى المعدلة. توقفت عند الفقرة الأولى. ثم عدت إلى النسخة الأصلية. قرأت الجملتين جنبًا إلى جنب. الكلمة هنا أصبحت أخرى، والجملة هناك أقصر، وسؤال اختفى، وعبارة أُضيفت لتشرح ما لم يكن يحتاج إلى شرح. واصلت القراءة حتى النهاية. أغلقت النسخة الأصلية. ثم فتحتها من جديد.
مر الوقت ببطء. خارج النافذة خفتت الأصوات تدريجيًا. أغلقت المحال أبوابها، اختفت السيارات من الشارع، وبقى ضوء الشاشة وحده يملأ الغرفة. عند الثانية صباحًا نهضت إلى المطبخ. شربت كوبًا من الماء، ثم عدت. المؤشر كان ما يزال يومض في نهاية السطر الأخير. بإيقاع ثابت. كأنه لا يعرف شيئًا عن التردد. جلست. وضعت يدي على الفأرة، ثم سحبتها. نظرت إلى النافذة، ثم إلى الشاشة، ثم إلى البريد الإلكتروني المفتوح في الخلفية. رسالة الشركة ما تزال هناك، زر تأكيد الاطلاع ينتظر، التدوينة ما تزال مفتوحة، والمدينة كلها نائمة. وحدها الأضواء الزرقاء القادمة من النوافذ المقابلة بقيت تؤكد أن أحدًا ما، في مكان قريب، ما يزال مستيقظًا أمام شاشة أخرى.
بقيت على حالي زمنًا لا أستطيع تقديره. مددت يدي إلى لوحة المفاتيح. فتحت نسخة التدوينة المعدلة. قرأت السطر الأول، ثم أغلقتها. فتحت النسخة الأصلية من التدوينة. المؤشر كان يومض في نهاية السطر الأخير. في الخارج بدأت الحافلات تمتلئ بالركاب، ارتفعت أصوات الباعة، وبدأت أبواب المحال تنفتح. يوم جديد يبدأ، بينما بقيت أنا في مكاني. تأملت اسم ملفي التدوينة طويلًا. لأول مرة لم أعد واثقًا أيهما يحمل النسخة الأصلية… ولا أيهما كتبني.