عوشة بنت خليفة السويدي "فتاة العرب" رائدة الشعر النبطي 1920 - 2018
الميلاد والنشأة
ولدت الشاعرة الإماراتية عائشة بنت خليفة بن الشيخ أحمد بن خليفة السويدية في مدينة العين (منطقة المويجعي بأبوظبي) عام 1920م (الموافق 1339 هـ). نشأت عوشة وترعرعت في بيت علم ودين؛ حيث كان رجال العلم والشيوخ يتوافدون دائماً على مجلس أبيها. وقد ساهم هذا المناخ الأسري والأدبي، الذي تميز بوجود أبٍ شاعر ومحب للأدب، في صقل موهبتها الفطرية وتنميتها منذ صغرها. عكست عوشة في شعرها ارتباطها بالأماكن التي عاشت فيها؛ حيث قضت معظم حياتها في العين، باستثناء فترة ناهزت خمسة عشر عاماً أمضتها في قطر، قبل أن تعود مجدداً إلى العين، ثم تنتقل للاستقرار في دبي في أواخر الثمانينات. ولها شقيق هو السياسي البارز أحمد خليفة السويدي.
البدايات الشعرية وحلم صباها
بدأت عوشة نظم الشعر في سن مبكرة جداً وهي في الثانية عشرة من عمرها، وخلال شهر واحد فقط تمكنت من كتابة 100 قصيدة موزونة. وفي سن الخامسة عشرة، حظيت موهبتها باعتراف وتقدير واسع من مجتمع الشعراء من خلال مشاركاتها في الحفلات الشعرية، وهو إنجاز استثنائي بالنظر إلى الهيمنة الذكورية على الساحة الشعرية آنذاك.
ويرتبط بشاعريتها الفذة قصة حلم طريف تروى عنها في صباها؛ إذ حلمت بأن القمر نزل من السماء وابتلعته، وفُسِّر الحلم حينها بأنها ستكتسب موهبة كلامية فريدة، وهو ما تحقق بالفعل لتصبح شاعرة متفردة. ومن المصادفات التاريخية العجيبة أنها توفيت بالتزامن مع حدوث خسوف نادر للقمر.
ألقابها ومكانتها الشعرية
عُرِفت الشاعرة في بداية مسيرتها بالاسم المستعار "فتاة الخليج". وظل هذا اللقب ملازماً لها إلى أن أطلق عليها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لقب "فتاة العرب"، وذلك بعد تكريمها وتقليدها وسام إمارة الشعر في عالم الشعر الشعبي عام 1989م. وأهداها سموه ديواناً كَتَب في أول صفحة له إهداءً شعرياً متميزاً يصفها فيه بـ "فتاة العرب"، قائلاً:
أرسلت لك ديوان يا عالي الشان ... ديوان فيه من المثايل سـددها
يحوى على الأمثال من كمل من زان ... ومن كل در في عقوده نضدها
فتاة العرب وانتوا لها خير عنوان ... ومن غيركم بقصد معاني نشدها
الأسلوب الفني ومصادر الإلهام
تعتبر تجربة عوشة بنت خليفة علامة فارقة ومرحلة انتقالية كبرى في مسيرة الشعر النبطي في الإمارات والمنطقة. وتميز أسلوبها بعدة سمات جعلت شعرها متفرداً ومؤثراً:
1. الالتزام بالأسلوب النبطي التقليدي مع إتقان استخدام الوزن والقافية والمجازات البلاغية والسجع.
2. البلاغة والعمق الروحي والصوفي، والتأمل العميق في معاني التقوى والجمال والحب والتسامح.
3. التنوع الإيقاعي البارع عبر استخدام أوزان وقوافي متعددة مثل بحر المجتث وبحر الرجز.
4. المزج الإبداعي بين الأصالة والمعاصرة، مما أتاح لقصائدها مواكبة العصر دون المساس بجوهرها التقليدي.
5. غنى الصور الشعرية والتشبيهات الحسية المستمدة من الرموز الثقافية والبيئة الصحراوية والحياة البدوية.
6. التركيز على القضايا الاجتماعية والإنسانية، والارتباط بالتراث الشعبي الإماراتي وعاداته وتقاليده.
وقد استلهمت عوشة شاعريتها من مصادر متعددة؛ منها القرآن الكريم والروحانية الدينية، والتراث الأدبي العربي القديم في العصرين الجاهلي والإسلامي. كما تأثرت بشعراء كلاسيكيين بارزين مثل المتنبي وأبو تمام والمعري والماجدي بن ظاهر وراشد الخلاوي وسليم بن عبد الحي ومحسن هزاني.
المساجلات الشعرية والانتشار
خاضت عوشة العديد من المنازلات والمساجلات الشعرية مع كبار الشعراء، كالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (الذي جاراها وكتب لها شاعراً: *"ياركن عود الهوى وفنه... شاقني جيلك بالوصافي"*)، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وأحمد الكندي، وعمير بن راشد آل عفيشه الهاجري، وعبد الله بن عمير الشامسي، وسعيد بن هلال الظاهري.
ولعبت قصائدها دوراً رئيسياً في إيصال الأغنية الإماراتية إلى انتشار واسع؛ إذ تغنى بكلماتها العديد من كبار الفنانين، منهم جابر جاسم، وعلي بن روغة، وميحد حمد. ومن أشهر قصائدها "سلامين رضايف" و"الشموت يموت". وقد جمع قصائدها الشاعر حمد بن خليفة بو شهاب وصدرت في ديوان "فتاة العرب" عام 1990م، تلتها الطبعة الثانية في عام 2000م.
الجوائز، الاعتزال، والرحيل
اعتزلت الشاعرة كتابة الشعر في أواخر التسعينيات، وبقيت تروي أشعارها السابقة وتتفرغ لـ مدح الرسول صلى الله عليه وسلم. وحصلت طوال مسيرتها المعطاءة على تكريمات وجوائز رفيعة:
جائزة أبوظبي في دورتها الخامسة عام 2009م تقديراً لعطائها الشعري والاجتماعي.
جائزة مهرجان الشارقة للشعر الكلاسيكي الحادي عشر في عام 2010م.
تم إنشاء جائزة سنوية للشاعرات الإماراتيات باسمها في عام 2011م وتخصيص قسم خاص لها في متحف المرأة بدبي.
صدرت لها سيرة ذاتية موثقة من إعداد الدكتورة رفيعة غباش.
في 28 نوفمبر 2022م، احتفى بها محرك البحث العالمي جوجل برسمة "Google Doodle" بريشة الفنانة ريم المزروعي تكريماً لإرثها التاريخي.
انتقلت الشاعرة إلى رحمة الله في 27 يوليو 2018م بمدينة دبي عن عمر يناهز 98 عاماً، ونعاها قادة دولة الإمارات بوصفها رمزاً وطنياً كبيراً للحكمة والأدب الإماراتي والخليجي والعربي.