سلامة أحمد سلامة: القومية ليست قومية

حوار ماهر حسن – جريدة العربي

أمام المشهد الصحفي المصري تبدو الصورة محيرة ومربكة.. صحف كانت كبري تتحول تدريجيا إلى “ديناصورات”.. قدراتها تتبدد والفساد نال مما تبقي فيها من حيوية.. وتيار جديد من الصحف المعارضة والمستقلة (الخاصة) بدأ يحتل يوميا مساحة أكبر في سوق القراءة توزيعا وتأثيرا.. وفي زخم السباق الصحفي تتناقص مساحة الحرية المتاحة مع تقاليد مهنة ومدارس صحفية أخذت تذبل وتنقرض.. اتسعت مساحات الحرية العرفية وتراجعت المهنة وتقاليدها ومدارسها الكبري وفي المقدمة مستويات الاحتراف المهني والكفاءة في صياغة المواد الصحفية والتدقيق فيها. كيف بدأت الأزمة.. وإلي أين تمضي؟.. وما مستقبل الصحافة الجديدة؟.. هل هي الأمل حقا؟.. ما مشكلاتها؟.. وما آفاقها للتقدم والتطور بمهنة الصحافة؟ “العربي” تفتح الملف، وتطرح الأسئلة الشائكة على نخبة من أساتذة المهنة وقيادات الصحافة الجديدة.. وهذه مجرد بداية تليها حلقات .

# بعد فترة طويلة من تضييق الخناق على الصحف المستقلة في مصر، كانت بعض صحف “بير السلم” المعروفة بالصحف الصفراء تتحايل على هذا التضييق بالتراخيص القبرصية إلى أن حدثت انفراجة بمنح جملة من التراخيص لمجموعة من الصحف المستقلة.. دفعة واحدة وما نريد أن نعرفه هنا أولا: ما دلالة هذه الانفراجة بعد سنوات من التضييق وما دلالة اتساع الظاهرة؟
أعتقد أن أصل الصحافة هو الاستقلال وأن تكون هذه الصحافة مستقلة وهي لم تتحول إلى صحف حزبية وصحف تتبع الدولة إلا في مراحل متأخرة وهي التي مالت فيها موازين الحرية والديمقراطية وسيطر عليها نوع من الفكر الواحد الذي حاول أن يفرض نفسه بأشكال مختلفة سياسيا واقتصاديا.. وظلت هذه الصحف تابعة للدولة وظلت لسان حال النظام والمعبرة عنه، لفترة إلى أن شهد هذا الوضع تراجعا وحدثت انفراجة نسبية شهدت بشائر ما يسمي بالصحافة المستقلة لذلك فنحن في مصر قبل ثورة يوليو كان هناك الكثير من الصحف المستقلة نعم ـ معظمها لم يكن مستقلا بالمعني الدقيق والكامل ـ لكنها كانت تميل إلى أحزاب معينة أو فئات سياسية معينة وهذا هو الوضع الطبيعي في العالم المتقدم، إنه ليست لديه صحف حزبية وإنما صحف مستقلة وإن مالت إلى طيف أو اتجاه سياسي معين أو دافعت عن حزب معين لكنها في نهاية الأمر مستقلة. وأعتقد أن التطور الحادث في مصر الآن يعود بالصحافة إلى مجراها الطبيعي بل والعالمي. أما عن دلالات الانفراجة التي حدثت مؤخرا وتمخضت عن مجموعة من الصحف المستقلة الصاعدة فمردها: أن النظام السياسي قد تعرض في الفترة الماضية – بعد مجموعة الأزمات التي تعرض لها والحروب التي دخلها، وغير ذلك تبين له أن عملية فرض الفكر الواحد والصحافة الواحدة ضررها أكبر من نفعها وأنها في نهاية الأمر تضع “الميديا”- التي تتبني وتروج لأفكار النظام وتدافع عنه – في موقف عدم المصداقية ولذلك فإن المتابع للانعكاسات التي تحدث في الخارج، يري أن الذي ينقل أشياء عن الصحف القومية يحرص على الإشارة إلى انتماء هذه الصحف للحكومة، وتلقائيا تجد الأشياء أو الأخبار المأخوذة عن هذه الصحف منزوعة المصداقية، وهذا أدركه النظام السياسي في مراحل تطوره المختلفة منذ الثورة وصولا إلى مبارك، فقد أدرك هذا النظام أن فرض نوع معين ووحيد من الصحافة يضره أكثر مما ينفعه في تبرير سياساته.

# وهل يمكن أن نضع المعطي الاقتصادي كبعد آخر في مسألة هذه الانفراجة حيث يستلزم الانفتاح الاقتصادي أو التحول في النظام الاقتصادي وجود انفتاح إعلامي وتحرر صحفي موازٍ؟
نعم بالتأكيد.. فالتطور الاقتصادي الذي حدث في مصر، وعملية الانفتاح أضافت بعدا جديدا وعاملا جديدا في الدفع باتجاه ظهور صحف مستقلة ففي ظل التخطيط المركزي للدولة كان مبرراً لوجود صحف قومية تمثل لسان الحزب الواحد، فلما أصبح هناك اقتصاد حر واقتصاد سوق، دخل رجال الأعمال وضخوا دماء مختلفة في مجال الصحافة المستقلة، إذ أصبحت هناك قوي جديدة ظهرت في المجتمع تدافع عن مصالحها، وهذا جميعه من شأنه أن يؤدي للبحث عن صيغة ملائمة لصحافة مستقلة تدافع عن مصالحها وفي نفس الوقت تقدم الميديا باعتبارها صناعة وليست مجرد تعبير ضيق عن مصالح محدودة.

# ولذلك فإن بعضا من رجال الأعمال في المطبخ السياسي الحاكم أخذوا اتجاها معاكسا تماما إذ قاموا بتمويل صحف حكومية خاسرة ظنا منهم أنها ستشكل جبهة مضادة للصحف المستقلة والمعارضة معا؟
“يضحك”.. للأسف إن هذا ما حدث مع صحيفة لا توزع ألف نسخة، ولذلك فإن البحث عن صيغة الصحيفة المستقلة التي تؤسس لمشروع له صفة الربحية، والبحث عن ميديا ناجحة بعيدة عن سيطرة الحكومة والدولة، كان هو الصيغة التي تحاول الصحف المستقلة أن تحققها وهذا أراه متحققا في صحيفة “المصري اليوم” وصحيفة “البديل” فالمؤسسون للصحيفتين رجال أعمال لكنهم يحاولون أن يجعلوا منها مشروعا ناجحا وله مصداقيته في مجال الميديا بدليل أن أنهم مولوا هاتين الصحيفتين وهم غير ظاهرين في “الصورة” وأنهم اختاروا نخبة من أهل التخصص والخبرة في مجال الصحافة، فهم يحاولون ألا يكونوا ذوي سيطرة على المادة التحريرية أو التوجهات السياسية للجريدة حتى لا تبدو وكأنها تدافع عن مصالح فئة بعينها، ذلك لأن حضور الممولين أو سيطرة وجهة نظرهم على أداء الصحيفة سيفقد الصحيفة الكثير من حيادها ومصداقيتها واستقلاليتها.


# لكن ألا تلاحظ أن بعض الصحف المستقلة غير قادرة أو غير حريصة على ضبط المفهوم “أعني مفهوم المستقلة بالمعايير الفنية والمهنية والسياسية”.

واضح أن التجربة في مصر تعيد تأسيس نفسها أعني الصحافة المستقلة، وهي تتلمس القواعد والمعايير التي تحكمها، وفي اعتقادي أن الصحيفة المستقلة هي التي تنشر كل ما يستحق النشر وبالأخص فيما يتعلق بالجانب الخبري، دون مراعاة إذا كان هذا الخبر مع الحكومة أو ضدها، ومع المعارضة أو ضدها أو يخدم مصالح معينة أو يتعارض معها، أما الملمح الآخر في الحفاظ على الاستقلالية هو أن تكون الصحيفة قادرة أو حريصة على الفصل الكامل بين الخبر والرأي حتى لا تضع الخبر في صيغة رأي، والرأي في صيغة خبر لأن هذا يعني أن لها أهدافا أخري غير هدف تقديم صحافة مستقلة.

# لكن مع عودة تجربة الصحافة المستقلة للظهور بعد زمن من الغياب، ومع تنامي نضوج التجربة ومع كسبها أرضا جديدة كل يوم.. ما تأثير هذه الانتعاشة على مستقبل الصحف الحكومية في مصر؟

ستشعر الصحف القومية بالخطر وستحرص على تعديل مسارها لتكون أقرب للصحافة المستقلة وكلمة قومية في الأساس معناها أنها صحيفة تخاطب كل اتجاهات المجتمع، هذا معني كلمة قومية، لكنها كانت في فترة من الفترات تعبوية تدافع عن النظام والسياسات الحكومية ولذلك فقد أسموها قومية من قبيل التمويه، لكن لكي تكون قومية بالمعني الحقيقي عليها أن تخاطب كل التيارت وتتوجه لكل فئات المجتمع بعيدا عن الانحيازالمطلق للحكومة أو للدولة أو للنظام أو لفئة معينة وإذا نجحت في هذا فمن المؤكد أنها ستكون منافسا قويا للصحف الخاصة والمستقلة، وأنها ستضفي المصداقية على صفة القومية، ومادامت الصحف القومية خاضعة لسيطرة الدولة ماليا واقتصاديا فستظل في موقف حرج وصعب لأنها من ناحية هي خاضعة للدولة التي تمولها، وتسدد خسائرها، حتى أن الدولة ذاتها تتطلع للتخلص من هذا المأزق وتتوجه لأن تعتمد الصحف القومية على نفسها في حل مشاكلها المالية في حين أن الدولة مازالت تفرض شروطها السياسية والمهنية على هذه الصحف فهي التي تعين رؤساء التحرير ورؤساء مجلس الإدارة لتضمن ولاءهم ذلك أن منطق المنفعة المتبادلة هو الذي يحكم العلاقة بين الدولة والصحف التي تنتمي إليها وهي علاقة مشروطة بالمساندة المالية من الدولة لهذه الصحف في مقابل أن تقوم هذه الصحف بالدفاع عن هذه الدولة وتتبني خطابها في الحق والباطل فالدولة تمنحها الإعلانات، وتمنحها الورق بأسعار أقل إلى آخر ذلك وهي مزايا غير مكفولة للصحف الأخري وهذا يجعل من التنافس بينها والصحف الأخري يخضع لمعايير مزدوجة حتى في الحصول على الخبر فتجد مثلاً أن أغلب رؤساء تحرير الصحف المستقلة لا يسافرون مع الرئيس ولا تتم دعوتهم لمؤتمرات صحفية مهمة إذن هناك تفرقة في المعاملة يترتب عليها أن بعض الصحف غير المنتمية للحكومة تزداد الفجوة بينها وبين النظام.

# وماذا عن ضغوط وابتزازات مافيا الإعلان (الخاصة والرسمية) ما مدي تأثيرها على اقتصاديات الصحف المستقلة ومن ثم مدي تأثيرها على استقلالية هذه الصحف؟ الصحف الحكومية تدعمها الوزارات والهيئات الحكومية بضخ كم هائل من الإعلانات لها فيما لا تخظي الصحف المستقلة بهذا الامتياز وإن حظي بعضها بهذا الامتياز فإنه سيكون مشروطاً؟
وهذا يشكل تحديا مهما للصحافة المستقلة، والتي إذا استطاعت تثبيت أقدامها في السوق وكسبت أرضاً جديدة فإن ذلك سيمكنها من مراعاة استقلاليتها فليس هناك معلن يغامر بمنح إعلانات لصحيفة لا توزع وكلما زاد توزيع الصحيفة المستقلة كلما فكر المعلن في منحها إعلانات.


# هناك تحد آخر يواجه الصحف المستقلة والحزبية على حد سواء وهذا التحدي يتمثل في انعدام حرية تداول المعلومات وحجبها قصدياً عن هذه الصحف، فالصحافة بلا معلومات ليست صحافة والنظام لدينا يمنح المعلومات التي يريدها هو للصحف التي يريدها هو؟

نعم وهذا ينبهنا لضرورة وجود قانون يكفل لكل الصحف على السواء حق الحصول على المعلومات، ويجب أن نسعي لذلك.. وعلي نقابة الصحفيين أن تسعي لاستصدار تشريع يسمح بحرية تداول المعلومات ويكفل هذا الحق وليس للصحفيين فقط بل وللمواطن العادي أيضاً وهذا إذا تحقق أعتقد أنه من الممكن أن يؤدي إلى تحسين أداء الصحافة عموماً.

# يتردد أنك مرشح لرئاسة صحيفة مستقلة – قادمة في الطريق؟
“ما تصدقش الكلام ده” وأنا أقرأ هذا كثيراً، وكثير من الناس اتصلوا بي للتحقق من الأمر، و”الكلام ده لو كان من عشر سنين كان ممكن أفكر فيه”.. لكنني الآن صحياً لا احتمل تجربة كهذه، فعملية إقامة جريدة يحتاج لجهد خرافي، لكي تقف على قدميها، ولابد أن تقوم بدراسة وقراءة دقيقة أولاً للسوق لتعرف ما يحتاجه وما يحتاجه هذا لابد أن يكون مختلفاً تماماً عن السائد وإلا ستكون إضافتك كمية لا نوعية، وخصوصاً أن هناك الآن أكثر من صحيفة مستقلة، وهذا سينعكس على طبيعة المنافسة التي ستكون صعبة، والرهان سيكون على مصداقية الصحيفة وقدرتها على كسب ثقة القارئ، كما يتعين وضع الأجيال الجديدة في الاعتبار خاصة أن لهذه الأجيال اهتمامات مختلفة.



اترك تعليق