"طفل شقى اسمه عنتر" وجدارية اللحظة الفارقة




بقلم: نجوى شعبان




ما إن طويت الصفحة الأخيرة من رواية "طفل شقى اسمه عنتر " للروائى المدهش "محمد توفيق " حتى ترددت فى ذهنى كلمة " جدارية " والجدارية عندى ليست تلك التى أبدعتها وتبدعها حركات الفن التشكيلى الحديث والمعاصر ، إلا أنها مرتبطة بصدى الحضارات الخالدة ، والخلود هنا ليس بقاء هذه الحضارات حتى الآن ، فالكثير من حضارات البشرية القديمة توارت فى البعيد ، وتبقى آثارها وتاريخها المفصح غير الوجيز متمثلا فى جداريات بالحفر الغائر أو البارز فى جدران الصروح أو المعابد المقدسة ، والكلمة تحمل أيضا شحنة ودلالات " الجلال".. هكذا أرى هذه الرواية البانورامية متعددة الشخصيات والأحداث والرؤى ، التى لم ينفلت عقالها على كثرة مشاهد ومنمنمات الجدارية.. يكتب الروائى محمد توفيق بثقة هادئة ، وموهبة متدفقة ورؤية فلسفية عميقة ، ولغة ثرية متعددة المستويات تبدى الجانب المعرفى بسلاسة دون إقحام .
يأتى النص كثالث أو رابع رواية تتخذ من العمارة / البيت / البرج مسرحا لها ، لتكشف عن مدى التغيرات والتأرجحات القوية لقيم ومرتكزات شرائح المجتمع المصرى منذ أواسط السبعينيات من القرن الماضى والتى لا تزال تنخر فى بنية المجتمع..تبدأ الرواية بمشهد ساخر عن لخبطة المرور أمام إحدى الأبراج السكنية على نيل ضاحية المعادى..ويبرطم عسكرى المرور "الشاويش" أشمونى ، إثر سقوط بيانو من أحد الأدوار العليا فى البرج مما أحدث هرجا ومرجا فى حركة السيارات.
ولأن الروائى سيقوم بتشريح سوسيولوجى وفلسفى لشخصيات ساكنى العمارة ، كان لابد من جذب القارئ عبر حادث قتل لممثلة شابة فى هذا البرج ، وتحاول صحفية شابة أن تفك غموض الحادث ، فإذا بالقارئ غير المدلل يستمتع بالتوقع لما سيجرى أو أن يتكهن بالشخصيات المذنبة أو البريئة ، وهذه لعبة محمد توفيق الرئيسية ،عبر استخدام حادث القتل دون أن يقع فى فخ البوليسية ، فغرضه أبعد من ذلك بكثير ، حيث نعرف الكثير عن رجال الأعمال المحدثين وفسادهم وما يعانونه من فوبيا الفقد سواء كان المال أو الزوج أو النوم ، و عن عالمين من ذوى التخصص الدقيق ومحاولة إقناع أحدهما بأن يتعاون مع من يعدهم أعداء وطنه وزميله عالم الذرة الذى يختنق بالهروب ممن يلاحقونه ، وبجرأة محمودة ينكش جرحا لا يزال نازفا حول أسرار إسقاط طائرة البطوطى ،ويتساءل على لسان إحدى بطلات الرواية :من تعتبر نفسها ابنة شهيد حقا.. هل هو شهيد حرب 1973 أم حرب 1990؟ هذا علاوة على شخصيات الراقصة الشهيرة ، اليسارى الخمسينى المتأنق،وشاويش المرور ودنيا الفقراء .
يخيم على الرواية شبق ما متوقد يطفو فوق رؤوس الشخصيات جميعا .. تتكاثف فيه طموحات متسرعة وأطماع صفيقة وهبات من نزق أنانى وحتى الفضول ذاته كانت له عرامة وقوة.
هل يومئ الكاتب فى نصه بأن لحظتنا الراهنة أسيرة تربص قوى خارجية وسلطة بطريركية فى الداخل .. وهما الطرفان الذى يتعلل كل منهما بأن الآخر سبب وطأة الترهل والضعف الذى نعانيه؟.
يعترف عنوان الرواية وهو العتبة الأولى للنص بأن بطل الرواية طفل ذكى وشقى اسمه عنتر .. فإذا بنا نسبح مع هذا الطفل فى عالم "الواقعية السحرية!!!" .. ولا سيما أن الشعب المصرى والعربى يعتقد فيه العادى والمثقف فى "الأرواحية" أى تصديق أن لأرواح الموتى قدرة على أن تأتى بفعل متجسد فى الحياة الدنيا كقذف البيانو من شرفة بالدور ال13 ، أن تبقى الوردة البيضاء على نضارتها حتى نهاية النص وهو أمر استغرق شهورا ، وكان ذكاء الكاتب الذى راكم المشهد وراء الآخر الإيحاء للقارئ بأن مسألة استحضار روح القتيلة هى محض خزعبلات يقوم بها عالم لا يجد وظيفة فى بلده ، وبنعومة شديدة تترى مشاهد تقلص رويدا من تحامله على تحضير الأرواح .. وأقنعنا فى النهاية أن هذا حقيقى ، فقط يستلزم الأمر إنسان ، وهو هنا طفل ، على درجة من الشفافية تمكنه من الاتصال بالأرواح.
يأتى المشهد العبقرى حقا – غير المسبوق فى الأدب العربى – وهو نزول المحتفلين بليلة رأس السنة وبدء ألفية جديدة ، والنزول فى لغة الأحلام يعنى الخسارة والضعة ، إذ يتزامن مجون المحتفلين النازلين على سلالم البرج مع سقوط زهرية الوردة البيضاء من شرفة الشقة التى قتلت فيها الممثلة من الدور الثالث عشر ليمر على السكان القاطنين بكل دور ويبرز جرائم ونواقص والشغف الموجع لشخصيات الرواية.
فى رواية هكذا كثيفة وممتعة وعميقة لكاتب قدير ، يبدو أنه أراد أن يغلق الدائرة بإحكام ، فكان المشهد الطويل قبل الأخير بعد حل لغز مقتل الممثلة ، تقوم الممثلة من عالمها البرزخى بتقييم كل شخصية من شخصيات الرواية حتى الصحفية التى اكتسبت صداقتها بعد غيابها عن دنيانا ، بل ويقدم الراوى معلومات عن الشخصيات لم يذكرها قبلا .. ربما يبدو هذا مشبعا لبعض القراء ، لكنى كنت أفضل أن أكتب معه فى ذهنى النهايات وأخمن كيف ستتصرف شخصيات " طفل شقى " فى مستهل الألفية.
بظنى أيضا أن شعور الشاويش أنه يزنى مع زوجته الشابة الثانية ، لا يتفق وتفكير الرجل الشعبى الذى ولد بنعمة أن من حقه أن يتزوج أربعة ويتمتع بهن ، هذا هو المفهوم الشعبى لحقوق الرجل.
أسلمتنى تونى موريسون فى ملحمتها الروائية " نشيد سليمان" إلى الاعتقاد فيما انتهت إليه فى الصفحة الأخيرة فى أنه يمكن للرجل الأسود أن "يطير" عائدا إلى وطنه /إفريقيا .. هذه هى المرة الأولى التى استمتعت فيها بتصديق افتراض حالم وأسطورى بأن يهرب الإنسان من العبودية والظلم بالطيران الفعلى..والمرة الثانية تصديقى كل الحيل الفنية التى أبدعها محمد توفيق عن صداقة بين امرأتين إحداهما على قيد الحياة والأخرى مقتولة ، وعن الشقاوة المرتبطة بالصفاء الروحى لعنتر.
إنها وثيقة / جدارية أمينة للغاية بصدد أمسنا ويومنا إلى غد :الطفل عنتر.