أدب الطيب صالح ورؤى الاحياء والتحديث الحضاري 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
لوحة الرسائل
رأى وكتاب
سجل الزوار 
استفتاءات

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 



بيان الثقافة -  محمد عوض عبوش 


بعد انحسار المد الاستعماري في دول العالم الثالث والذي جثم على صدرها منذ القرن التاسع عشر وحتى مطلع ستينيات القرن العشرين، اتجه القادة والمفكرون والكتاب في هذه الدول الى تكريس جهدهم لبناء مجتمعاتهم في شتى الميادين عامدين من خلال ذلك الى كشف كل الآثار السلبية التي خلفها الاستعمار في هذه المجتمعات، والعمل على اجتثاثها واصلاح ما أفسده المستعمر، حتى يقوم البناء على أساس اجتماعي واقتصادي وسياسي يتفق والاهداف الوطنية لكل دولة. 

ورام ان الفتق الذي لحق بالتركيبة والبنية الاقتصادية والسياسية التي كانت سائدة في هذه الدول كان هائلا، الا ان الفتق الذي لحق بالمؤسسات الاجتماعية والثقافية والموروثات كان أكثر عمقا وأشد ألما وظل غائرا في نفس انسان هذه الدول طوال الحقب التي أعقبت الوجود الاستعماري بها ولايزال، حدث ذلك في المنطقة الافريقية والمنطقة العربية ومنطقة امريكا اللاتينية وفي مناطق آسيا. 

وفي الحقيقة فإن الارهاصات لاحياء الثقافة والحضارة في بلدان العالم الثالث قد بدأت قبل خروج الاستعمار ونفوذه من المنطقة ومع طلائع المثقفين والمفكرين ابان عهد الاستعمار. فقد تصدى الكثيرون منهم للرد على الدعاوى التي كان يطلقها الاستعمار بعدم وجود أية ثقافة أو تاريخ حضاري لهم. كتب في ذلك ليوبولد سنقور وايمي سيزار ونكروما وجومو كنياتا وغيرهم من المفكرين والقادة في افريقيا، وفي المنطقة العربية الاسلامية برز مناهضون للاستعمار ودعاويه وكان لهم أثرهم ودورهم الكبير في ايقاظ الشعور القومي والوطني في منطقتهم نذكر منهم على سبيل المثال جمال الدين الافغاني وعبدالرحمن الكواكبي، وساطع الحصري ومحمد عبده وغيرهم وبرز امثالهم في آسيا وامريكا اللاتينية. 

أخذ هؤلاء يفندون مزاعم الاوروبيين ويبرزون الى الوجود ما تنطوي عليه بلدانهم ومناطقهم من تراث وفكر وحضارة وفنون، وبعد الاستقلال واصل الكتاب والمفكرون تلك الجهود ولاتزال مستمرة بصورة مضطردة وبشتى أوجه التناول. 

لم يتخلف عن هذا الجهد الادباء والفنانون وساهموا بصدق وحماس شديدين في عملية انارة الطريق من اجل تحقيق البناء المتكامل للأوطان حديثة الاستقلال والتي تتطلع الى المستقبل بشوق جارف والى التطور بأمل ورجاء وبدافع الشعور بالمسئولية والحس الوطني، عمد الكثيرون منهم الى الاسهام في ذلك باستقراء التراث والثقافة والفنون والتاريخ للوصول الى جوهر الفكر والحضارة والقيم التي كانت تسود في مجتمعاتهم قبل الاستعمار ولاستخلاص مكونات الشخصية الحقيقية للانسان في بلدانهم وما كان يحكم مجتمعهم من نظم واعراف وعادات وتقاليد ومؤسسات دينية وسياسية.. واهتموا بايقاظ الشعور الوطني والانتماء الى الأرض والتمسك بها وبحبها. واحياء أمجاد انسانها وتجربته الخاصة في الحياة القائمة على تعامله مع بيئته المحلية. 

برز كتاب وادباء كثيرون في افريقيا والعلام العربي ودول العالم الثالث بصورة اجمالية يحملون لواء هذه الراية. نذكر منهم في افريقيا شينوا أشيبي في نيجيريا وايمي تتوالا في السنغال وكامرا لي وطه حسين والعقاد ونجيب محفوظ في مصر والطيب صالح في السودان، وغيرهم كثر ممن عمدوا الى ابراز واقع مجتمعاتهم وابراز صورتها الحقيقية للعالم ودفع ما حاق بها من تشويه على أيادي المغامرين ودعاة تحضير المجتمعات المتخلفة من الاوروبيين ذوي النوايا السيئة في ذلك الوقت. وجاءت المنظمات التي أنشأتها الدول والمواثيق التي أصدرتها لتدعيم جهود الوطنيين والادباء في المنطقة، فقد أصدرت منظمة الوحدة الافريقية المنفستو الثقافي والذي قررت فيه «ان التحليل للحقائق الثقافية لواقعنا سيكشف لنا العناصر المتجددة في حياة شعوبنا في جانبيها المادي والروحي. ومن هذه العناصر التي كونت الشخصية الافريقية المتميزة يجب ان نؤكد بصفة خاصة على تلك القيم التي وصلتنا سالمة بالرغم من التشويه المتعمد الذي لحق بتاريخنا ومحاولات الاستعمار لافراغ تلك الشخصية، ومن هذه العناصر الحية يمكن استخلاص مزايا أخلاقية تعكس حسا أصيلا في التضامن والكرم والمساعدة الاخوية والاخوة والشعور بالانتماء الى هذه الانسانية. هذه القيم والمزايا الاخلاقية نجدها في الاحاجي والاساطير والامثال التي تنقل الينا تجارب وحكمة شعوبنا». 

وأتى مشروع «الخطة الشاملة للثقافة العربية» والذي وضعه وزراء الثقافة العرب ليؤكد على أهمية الثقافة في تطوير البنى الاجتماعية والاقتصادية والفكرية في الوطن العربي، بوصفها ركن البناء الحضاري وعلى ابراز الهوية الحضارية العربية والاسلامية وتنميتها وعلى دورها في التحرر القومي بوصف الثقافة عنصر بناء وابداع وتأكيد هوية وانها عنصر أساسي للعطاء الحضاري والانساني والقومي». 

والسودان كبلد يقوم في قلب افريقيا ويربط بينها وبين العالم العربي والذي هو جزء منه وينتمي الى الاثنين ثقافة وحضارة ووجودا، أسهم مفكروه وكتابه وأدباؤه في الاحياء الثقافي والحضاري مستلهمين في ذلك ما يدور في المنطقة من فكر ومناخ لهذا الاحياء. 

وكاتبنا الطيب صالح والذي بصدد الحديث عنه قد اتجه بكل طاقاته وملكاته الادبية للكشف عن أصول الحياة السودانية وعن ثقافة الانسان السوداني وجذورها الضاربة بعمق في مجتمعه. والكشف عن ان هذا المجتمع له فلسفته في الحياة وله قيمه وتقاليده ونظمه الاجتماعية وتاريخه الذي يعتد به، وان هذه الاصول هي التي صاغت وكونت نسيج الحياة الاجتماعية للانسان السوداني وحفظت له كيانه وتماسكه رغم الهجمة الشرسة التي تعرض لها المجتمع في الفترة الاستعمارية. ومن هنا فلا مناص من التأكيد على ان هذه الاصول واستصحابها في عمليات بناء المجتمع الحديث. ودون شك ان الطيب صالح يرى ان من واجبه ككاتب ان ينبه المجتمع الى مناطق القوة في بنائه التقليدي بحيث لا ينساق وراء دعاوى التحديث والتطور الحضاري دون تبصر أو رؤيا نافذة وراء الاشياء التي تبدو للعيان. وان من مصلحة المجتمع ان يعد الأساس السليم للتحديث قبل البدء في عملية الانطلاق. وان هذا الانطلاق لابد ان يمر عبر قراءة مستبصرة لتاريخ المجتمع ونظمه التقليدية وفلسفته في الحياة وتجاربه القائمة على واقعه وخبراته وقيمه التي تكونت عبر ماضية الطويل. 

وهذا ما نجد الطيب صالح يعبر عنه في ثنايا رواياته إذ يقول: «إنني كنت منذ صغري تشحذ خيالي حكايات الماضي» وقوله كذلك «وأذهب الى جدي فيحدثني عن الحياة قبل أربعين عاما، قبل خمسين عاما، بل ثمانين عاما فيقوى احساسي بالأمن». والاشارة هنا الى حكايات الماضي والجد واحاديثه الى الحفيد فيه اشارة الى التاريخ. الى الماضي الزاخر بالاحداث، والى تواصل الحياة وترابط حلقاتها وتواصل اجيالها، وترمي الى تلك العلاقة الازلية بين الماضي والحاضر والمستقبل، وان الحاضر والمستقبل لا يستقيمان الا اذا استندا على دعائم الماضي، فالحاضر سيقوم على فراغ إن لم يكن امتدادا للماضي، والمستقبل جنين في بطن الحاضر إن صح صح معه الجنين وان هزل هزل الوليد كما يقول جمال محمد احمد في كتابه «مطالعات في الشئون الافريقية» وبما ان مجتمع الطيب صالح له ذلك الماضي الضارب في عمق التاريخ وله أصالته وجذوره الحضارية فإن في هذا ما يقوي احساسه بالأمن والاطمئنان على مستقبل الحياة في بلاده. وهو ما عبر عنه بقوله في روايته موسم الهجرة الى الشمال «ونظرت خلال النافذة الى النخلة في فناء دارنا، فعلمت ان الحياة لاتزال بخير، انظر الى جذعها القوي المعتدل والى عروقها الضاربة في الأرض، والى الجريد الأخضر المتهدل فوق هامتها فأحس بالطمأنينة. احس انني لست ريشة في مهب الريح ولكنني مثل تلك النخلة مخلوق له أصل، له جذور، له هدف». 

هذا الشعور بالطمأنينة وبأنه له اصول وجذور مستمدة من أصول وجذور مجتمعه وتاريخه يجعله يحس بتكامله الروحي والمادي مع مجتمعه وهو ما يدفعه للعطاء والبذل من اجل هذا المجتمع «أريد ان أعطي بسخاء وأريد ان يتفتق الحب من قلبي فينبع وبثمر». وبما انه كاتب فإن هذا العطاء والبذل قد تدفق في كتاباته الداعية الى احياء حضارة مجتمعه والى تحديث هذا المجتمع وفق معايير أشار اليها في رواياته وهي مساهمة نراها جادة وتستحق النظر فيها باهتمام واستصحابها في عملية تحديث هذا المجتمع. 

إن رؤى الطيب صالح ومساهماته تحتويها رواياته التي قام بنشرها وهي دومة ود حامد، عرس الزين وموسم الهجرة الى الشمال، وبندر شاه ومريود والتي تدور احداثها جميعا في اطار اجواء القرية التي أشار اليها بأنها تقوم عند منحنى النيل، هذه القرية أخذ منها ابطاله، وفي بيئتها صاغ أوصافه وصوره وبث من خلالها رؤاه وأفكاره. 

والطيب صالح يعتبر أحد أدباء وكتاب كثيرين في دول العالم الثالث والذين جعلوا من القرية مسرحا لأحداث أعمالهم الادبية. إذ نجد كثيرا منهم قد ذهبوا الى هذا المنحى، وفي تقديرنا ان هذا يعود الى البعد الانساني والاجتماعي الذي شغلته القرية في الوجدان البشري، إذ تعتبر القرية هي الوحدة أو النواة الأولى التي تشكلت فيها المجتمعات الأولية وتبلورت فيها قيم ومفاهيم الانسان في الحياة وعلاقاته الاجتماعية وأخذ الانسان يبني فيها حضارته ويحقق تطوره، وظلت تحتفظ في الوجدان الانساني بقيمتها الأولى التي تحتوي على الجواهر الأصلية من القيم والموروثات التي صاغها الانسان بفطرة سليمة وعقل صاف نقي. وربما يفسر هذا الجانب الأمر الذي حدا بكثير من الكتاب الى اتخاذ القرية مسرحا لأحداث أعمالهم وجعلها رمزا للوطن بكامله عندما يعالجون قضايا تطوره أو عندما يشخصون مواطن الخلل فيه حينما تتجاذبه المحن والاخفاقات وتجتاحه عواصف الظلم والاضطهاد. وهذا المنحى قد جعل القرية لاتمثل مكانا بعينه وإنما تمثل موقفا فكريا أو حالة فكرية كما يقول بعض النقاد أي «تصبح صورة حية لانسان البلد الذي يكتب عنه الكاتب في همومه ونشاطاته، نجاحه وخذلاته، مآسيه ومسراته، قهره وانتصاره، انحسار ارادته، وتصديه لما يعوق ارادته، في الخطر على وجوده، وتحديه لذلك الخطر» كما عبر سامي وانعام الجندي في مقدمة ترجمتهما لرواية الكاتب جابرييل جارسيا ماركيز «مئة عام من العزلة». وفي تقديرنا ان الطيب صالح في تناوله للقرية قد عالج كل هذا بل عمد الى ان يضع أمام الانسان السوداني أولا والعالم ثانيا ملامح وخصائص الشخصية والذاتية السودانية كشاهد على أصالة مجتمعه من جهة وكتراث للأجيال السودانية المتعاقبة تستمد منه عبقريتها واصالتها في تعاملها الساعي لبناء مجتمعها واحياء حضارتها من الجهة الأخرى. والطيب صالح يرى ان على الاديب ان يبدأ من عالمه الصغير.. واذا نجح الاديب في مخاطبة عالمه الصغير فإنه يكون بمثابة من نجح في مخاطبة العالم بأكمله. ولعلنا نتناول رؤى الكاتب بشيء من التفصيل في مقال آخر. 

**********************

Back to Top 


 © Arab World Books