الحياة والاغتراب في "رأيت رام الله

مجلة الكلمة المعاصرة ـ الإسكندرية ـ العدد العشرون بقلم: جيهان عبد العزيز

سيدتان

سيدة تعرف كل محلات الفضة في باريس

وتشكو

وسيدة تبكي كل خميس في خمس مقابر

وتكابر

مريد البرغوثي

يطالعني ذلك العنوان، فيثير في نفسي أفكاراً عديدة، خاصة ذلك الاختيار للكلمة المفتتح (رأيت)، كلمة تحمل في طياتها مزيجاً من مشاعر اللهفة والفرحة والشوق سُرعان ما تتحول إلى أسف وحزن وسخط واستنكار، مزيجا هائلا من المشاعر يعجز القلم عن تصويرها، جسدتها تلك الكلمة (رأيت)، خاصة حينما تكون تلك الكلمة (فعلا تحقق وقوعه) وحين يكون الفاعل ـ والذي رأى مرتين ـ هو (مريدُ البرغوثي) وحينما تكون تلك التي رآها هي (رام الله).

مدينته التي ولد بها ونشأ فيها وقضى سنوات تكوينه الأولى، قبل أن يُنفى منها ليعود إليها بعد ثلاثين عاما، ويراها مرة ثانية.

وليست الرؤية الأولى كالرؤية الثانية، كما أن من سمع ليس كمن رأى، فالرؤية الأولى ل (رام الله) تلك الضاحية الهادئة الخضراء لمدينة القدس، لم تكن مجرد رؤية، بل هي حياة كاملة أعمق من الرؤية الخارجية وأكبر من أن تكون اسما لمدينة، بل هي الناس وحياتهم الكاملة في تلك المدينة.

(فمريد البرغوثي) حين يتكلم عن فلسطين .. رام الله .. القدس، يتكلم عن القدس الحياة عن قدس الناس، تلك التي يعلمها هو، فهو من رأى ومن سمع ومن عاش.

عاش(*) ((قدس البيوت والشوارع المبلطة، والأسواق الشعبية، حيث التوابل والمخللات، قدس الكلية العربية، والمدرسة الرشيدية والمدرسة العمرية، .. .. قدس الجبنة البيضاء والزيت والزيتون والزعتر، وسلال التين والقلائد والجلود، وشارع صلاح الدين)).

وهو القادر على إخبارنا عن ((خان الزيت، وباعة التحف، والصدف، والكعك بالسمسم)).

ويخبرنا عن أهل القدس ((جارتنا الراهبة، وجارها المؤذن)).

إنها القدس التي عرفها بحياتها النابضة في الأعياد والمناسبات ((السعف الماشي على الطرقات في أحد السعف)).

تلك القدس يقول عنها ((هذه القدس، هي قدس حواسنا وأجسامنا وطفولتنا، هي القدس التي نسير فيها غافلين عن قداستها، لأننا فيها، لأنها نحن)).

فهي قدس الناس والأشخاص والتي تختلف عن قدس العالم، ذلك العالم الذي لا يعرف من القدس سوى قبة الصخرة تحديداً، والقدس بالنسبة له هي ((القدس الديانات، القدس السياسية، القدس الصراع هي قدس العالم))، ولأنه يعلم أن كل الصراعات تفضل الرموز يدرك أن ذلك العالم لا يعرف من القدس سوى قوة الرمز.

((القدس الآن هي قدس اللاهوت))

فذلك العالم لا يعني سوى ب (وضع) القدس، بالفكرة والأسطورة، أما حياة الفلسطينيين في القدس لا تعنيه، تلك الحياة التي أصبحت مهددة بالزوال.

و(مريد البرغوثي) يتمتع بتلك الروح الشفافة والبصيرة الناقدة وعين وأذن الباحث اللاقطة يتضح ذلك في أشعاره أو في أعماله الأدبية، فنرى تلك المقارنة الدقيقة والصادقة بين قدسه هو وقدس العالم القشرة أو القناع.

كما نلمح تلك المقارنة الدقيقة في قصيدته (سيدتان) حيث يقول:

سيدتان

سيدة تعرف كل محلات الفضة في باريس

وتشكو

وسيدة تبكي كل خميس في خمس مقابر

وتكابر

شتان ما بين هاتين السيدتين يا (مريد) كما أنه شتان ما بين رؤيتك الأولى ل (رام الله) ورؤيتك الثانية.

فها أنت تروي قصة العودة إلى (رام الله) بعد سنوات النفي الطويلة، تلك السنوات المريرة التي قضيتها متنقلا في عواصم العالم العربي والغربي، حتى إذا كانت تلك العودة في سبتمبر 1966م، أزعم أني أعلم ما كان يسيطر عليك في تلك اللحظة من مشاعر ممتزجة متداخلة من شوق، ولهفة، وسعادة ورهبة، وأنت في طريقك لرؤيتها، رؤية (رام الله).

لكن تلك المشاعر تراجعت، وتحولت إلى دهشة، غضب، سخط، استنكار، ويا له من تصوير لمشهد الوقوف على الحدود وتلك المفارقة المؤلمة، فبالرغم من وجود ضباط فلسطينيين على جسر نهر الأردن ذلك الفاصل بين (الأردن) و(فلسطين) إلا أنه وبتعبيرك نفسه ((الآخرون هم الأسياد)).

(الآخرون) ومن غيرهم الجنود والمجندات الإسرائيليات، هم الممسكون بزمام الأمور، وبالسلاح المصوب إلى صدوركم.

ربما في تلك اللحظة، تسلل إليك ذلك الشعور الممض بالاغتراب عن وطنك، ربما في تلك اللحظة، أدركت أنك سترى مدينة أخرى، وطنا آخر، أو ربما منفى جديداً، وإذا أنت تعبر عن ذلك المعنى قائلاً:

((يكفي أن يواجه المرء تجربة الاقتلاع الأولى حتى يصبح مقتلعاً من هنا إلى الأبد)).

وأعود إلى تلك الكلمة (رأيت) لم تقل (عدت) أو (رجعت)، ربما لأنك أدركت أنك في مدينة جديدة تعيد اكتشافها من جديد، مدينة غريبة عليك حتى تضاريسها تغيرت، غيرها أولئك الآخرون الأسياد.

((أخذوا مستشفى المطلع، وجبل الطور الذي سكن فيه خالي، وحي الشيخ جراح الذي سكنا فيه ذات يوم)).

وكما تحدثت عن حياتك في رام الله، عن قدس الناس التي خبَّرتها تملأ صوتك الآن رنة الأسى وأنت ترى قدس الآن.

((الآن .. لا تصلنا المكاتيب على عناويننا فيها، أخذوا عناوين بيوتنا وغبار أدراجنا، أخذوا ازدحامها وأبوابها وحارتها)).

(( إنهم يحددون عدد الفلسطينيين فيها، وعدد البيوت الفلسطينية، والنوافذ، والشرفات، والمدارس والحضانات، وعدد المصلين في يومي الجمعة والأحد)).

وإذا كان هذا ما يفعله الآخرون، الغرباء عن فلسطين، فإنك تخبرنا عن حالك وحال أبناء فلسطين الآن:

((الآن .. نحن لا نستطيع دخولها سائحين ولا طلاباً ولا عجائز، الآن .. لا نقيم فيها ولا نرحل)).

ويتهدج صوتك بتلك السخرية المريرة وأنت تعبر عن تلك الحقيقة المؤلمة:

((أسوأ ما في المدن المحتلة أن أبناءها لا يستطيعون السخرية منها)).

تلك هي القدس التي رآها (مريد البرغوثي) وتحدث عنها حين عاشها مرة ورآها مرة ثانية، ولم يتوقف تعبيره عن ذلك الموقف، لم يتوقف تعبيره عن فلسطين وطناً وشعباً رجالاً ونساء وأطفال، ففلسطين قائمة دائما في أشعاره معبراً عنها وعن أبنائها .. عن شهدائها .. فها هو في عام 2000م، بعد زيارته ل (رام الله) بثلاث سنوات وقد ازداد الموقف اشتعالا واندلعت الانتفاضة كشعلة ملتهبة وقودها الناس والحجارة، وإذا الموت يحصد في شهور قليلة ما يحصده في سنوات، ولنستمع إلى (مريد) في تلك الصيحة إلى الموت كي يكف عن اقتناص شعب فلسطين دون باقي الشعوب:

أكاد أصيح: تعرَّف إلى غيرنا أيها المَوْتُ

أبحث، على الفور، عمن يجود عليك بمأوى

سوانا !

وَدَع غير أطفالنا يمسكوا بذراعك(*)

عبر ازدحام الطرق

ثم ينصحه بالبقاء في فراشه والتحصن من الطائرات ومن طلقات القناصة الغادرة القادرة على اقتناص الموت ذاته:

إلى أين تذهب في مثل ليل كهذا ؟!

ومن سوف يحميك من برد تشرين

أو نظرة الطائرات الذكية، والخافيات

وقناصة في الزوايا، يصيبون حتى رفيقا الفَراشْ(*).

تلك هي فلسطين الآن، وأرض الشهداء ورغم فداحة المصاب استطاع (مريد البرغوثي) أن يعبر عن تلك الرؤية للشهيد الصغير (محمد جمال الدرة) متخيلا إياه زائراً لأسرته في المساء رغم القصف الذي لا ينقطع، فهو قلق عليهم من هذا القصف الوحشي:

يكاد يلامس زر الجرس

فإذا الباب في مهل لا يُصدق، يأخذ

في الانفراج

ويدخل

يخطو إلى باب غرفته

حيث صورته بجوار السرير الصغير

وحيث حقيبته المدرسية ساهرة في الظلام

***

يدق على غرف البيت ـ يوشك ـ لكنه لا يدق،

فيستيقظ الكل في ذهول:

عاد !

والله عاد ! يصيحون

هو في شوق لسؤالهم عن حالهم في هذا القصف، وهم يودون لو يسألونه عن حاله وهو بعيد عنهم بعد أن اقتنصه الموت:

ود لو يسأل الكل عن حالهم تحت قصف المساءات

أرادوا السؤال إذا ما تعشى

أيبرد في الليل أم أن سمك الغطاء الترابي يكفي ؟

وهل أخرج الطبُ من قلبه طلقة الخوف ؟

أم أنه لم يزل خائفا ؟

إنها صورة تخيلية للشهيد إذا ما أراد الاطمئنان على أهله، أشبه بالرؤيا تمثل تعلق الأهل به، عدم تصديقهم أنه، هكذا، في لحظة لم يعد بينهم، لم يعد باقيا سوى فراش خاوٍ، وحقيبة مدرسية مثقوبة بالرصاص، ومسألة حساب لم تُحلْ:

وعند الصباح تهامس أهل الجوار

بأن الرواية محض خيال

فهذه حقيبته المدرسية مثقوبة بالرصاص

على حالها،

ودفاتره غيرت لونها،(*)

والمعزون ما فارقوا أمه،

ثم كيف يعود الشهيد إلى أهله،

هكذا، ماشيا

تحت قصف مساء طويل !

إنه ختام رائع معبر ذلك التساؤل الأخير المشحون بالأسى والسخرية المريرة، فحتى الشهيد يخشى قصف المساء الطويل الذي لا ينقطع.

فمريد البرغوثي يعبر عن تلك المشاعر شعراً ونثراً، فهو شاعر ممتلك لأدواته الشعرية وناثراً عبقريا.

يقول عنه (إدوارد سعيد) المثقف والمفكر الفلسطيني الذي عاش تجربة مماثلة حين عاد إلى فلسطين بعد 45 عاما .. يقول عن (رأيت رام الله):(*)

"إن عظمة وقوة وطزاجة كتاب البرغوثي تكمن في أنه يسجل بشكل دقيق موجع هذا المزيج من مشاعر السعادة، والأسف، والحزن، والدهشة، والسخط، والأحاسيس الأخرى التي تصاحب هذه العودة، وفي قدرته على أن يمنح وضوحا وصفاء لدوامة من الأحاسيس والأفكار التي تسيطر على المرء في مثل تلك الحالات .. إن التميز الأساسي لكتاب (رأيت رام الله) هو في كونه سجلا للخسارة في ذروة العودة ولم الشمل".

تلك الخسارة التي يعبر عنها (مريد البرغوثي) في (رأيت رام الله):(**)

"أخذوا ذلك الدكان الذي كنت أسافر إليه خصيصا من رام الله لشراء حذاء من الجلد الممتاز، وأعود للعائلة بفطائر من "زلاطيمو" وكنافة من حلويات "جعفر" وبعد ستة عشر كيلو مترا في باص بامية وبأجرة خمسة أعود إلى بيتنا في رام الله مزهوا متباهيا فأنا عائد منها من القدس الآن، لن أرى قدس السماء ولن أرى قدس حبال الغسيل لأن إسرائيل متذرعة بالسماء احتلت الأرض".

(*) ـ مقاطع من كتاب (رأيت رام الله).

(*) ـ من قصيدة للشاعر بعنوان (إلى أين تذهب في مثل ليل كهذا ؟!).

(*) ـ المقاطع من قصيدة "ليلةُ لا تشبه الليل" للشاعر (مريد البرغوثي) نشرت في أخبار الأدب بتاريخ 26نوفمبر 2000م.

(*) ـ مقطع من مقدمة (إدوارد سعيد) لكتاب (رأيت رام الله) النسخة المترجمة إلى اللغة الإنجليزية ـ ترجمة (أهداف سويف).

(**) ـ مقطع من كتاب (رأيت رام الله) ـ (مريد البرغوثي).

* (رأيت رام الله) هو اسم الكتاب الذي صدر للشاعر الأديب الفلسطيني "مريد البرغوثي" عن مدينة (رام الله) إحدى مدن الضفة الغربية بفلسطين والتي نُفي منها عام 1966م ثم عاد إليها في سبتمبر 1996م وصور لحظات العودة والرؤية الثانية لرام الله في كتابه (رأيت رام الله) ـ وقد صدر هذا الكتاب عام 1997م وتم استقباله بحفاوة بالغة ـ كما نال جائزة نجيب محفوظ للإبداع الأدبي التي تمنحها الجامعة الأمريكية بالقاهرة مشتملاً على ترجمة إلى اللغة الإنجليزية (أهداف سويف) مع مقدمة للمثقف الفلسطيني (إدوارد سعيد).