Home
ركن الأدب

نوة الكرم لنجوى شعبان في ندوة أدب ونقد
 


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
رأى وكتاب
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
بحث

 

 

 نوة الكرم" لنجوى شعبان في ندوة أدب ونقد
الثلاثاء 02 ديسمبر 2003 08:18
إيلاف - القاهرة

عقدت مجلة "أدب ونقد" ندوة لمناقشة الرواية الثانية للكاتبة نجوى شعبان "نوة الكرم" تحدث فيها الناقدان: د. ثناء أنس الوجود، ود. هشام
السلامونى وأدارها الكاتب أحمد الشريف

وقد أشارت د.ثناء الى ما يمارسه الأبطال الرئيسيون من النقش بالأنامل فى سعى منهم للمقاومة والتغيير، وكمسعى وجودى لاقتناص اللحظة المهددة وكذلك الحضارة العربية، فى إلماح لاستمرارية التاريخ… ويؤكد د. هشام السلامونى على ما يتسم به
السرد فى الرواية من التراوح بين المجاز الشعرى والمجاز الشعبى الذى يعتير أبوالشعر العامى، وما يحويه الشعبى من عناصر الواقعية السحرية كما أنتجتها قرائح مبدعو ألف ليلة وليلة والحكايات والأدب الشعبيين.
 



 د. ثناء أنس الوجود
تعد "نوة الكرم" واحدة من الأعمال الجيدة والجديدة المطروحة على الساحة الآن والتى تستلهم التاريخ، ولسنا بحاجة كمثقفين للقول بأن مسألة استلهام التاريخ فى الكتابة الروائية تأخذ مجموعة أشكال، منها ما هو استدعاء لشخصيات أو أحداث، وما يسرد قصص بطل تاريخى، لكن الجديد والمحتاج الى عمل كبير وثقافة عميقة هواستدعاء بنية متكاملة وقصها من سياقها التاريخى بالكامل ووضعها أمامى فى الوقت الحاضر، بمعنى أن الكاتب لا يستدعى شخصية معينة أو حادثة معينة، لكن أن ينحوالى القرن السادس عشر مثلا ويقصه من التاريخ بأحداثه وشخصياته وصراعاته ورؤيته للعالم والأشياء، ليضعه أمامى كى أتأمل فيه، دون أن أرى على الظاهر هذه البنية
المستدعاة بكاملها متداخلة فى تواصل مع الزمن الراهن فى خيط دقيق جدا يصلنى بهذه البنية التاريخية فى القرن السادس عشر، وأظن أن هذا الخيط السرى / المعلن فى وقت واحد سيكون " حفيدة الترجمان" على النحو الذى سنراه.

بنية مستدعاة من التاريخ
هذه البنية تشبه أبنية كثيرة مستدعاة من التاريخ، يتحدث القرآن الكريم عن عدم وجود عرش بلقيس، واستدعاء العرش،
ليقول النبى سليمان : انظرى هكذا عرشك ؟،
وترد : كأنه هو، فالبنية كلها تنقل من اليمن، لتوضع أمام بلقيس فى مكان آخر، بهذا الشكل أتصور أن بعض الروايات المعاصرة تنقل التاريخ بهذه الكيفية، ليست فى" تجليات "الغيطانى أو أى قصة أخرى لجورجى زيدان أو غيره، حقيقة هناك من سبق نجوى فى الكتابة التاريخية، لكن كانت لهم مداخل أخرى غير تلك التى اعتمدتها نجوى شعبان.

تريد الكاتبة أن تلعب لعبة ذكية جدا حتى لا يشعر القارئ بالانقطاع الثقافى والحضارى، أو الانقطاع بكامله، وإلا ما مغزى استدعاء بنية بكاملها من التاريخ فى القرن ال16 ؟ ومن ثم تلعب الكاتبة لعبة اسمها "المفارقة " بمعنى أن تبنى بناء كاملا مؤسسا على التاريخ لكى تقوم بتشريح الحاضر على أساس هذا البناء  التاريخى، والصلة بين الماضى والحاضر خط رفيع للغاية.


دمياط واسطة عقد
تقدم الكاتبة المشهد العام للرواية عبر فضاء واسع جدا يستعصى على التحديد، وهذا الفضاء له بنيات تبدو فى لحظة من اللحظات شبيهة ب"واسطة عقد".. فى لحظة تمتد من دمياط الى المشرق وتمتد الى الصحراء فى الغرب والى القسطنطينية والى البحر المتوسط(بحر الروم)، وتنزل ناحية الجنوب، فتتحول دمياط الى شئ وسط فضاء واسع، تقصد منه أن يكون المكان بهذا الانفتاح.

الفضاء هنا مفتوح وهذا له وظيفة دلالية غير الفضاء المغلق،ففضاء لرواية بحر، صحراء، أرض مفتوحة، وبلاد مفتوحة.. وتقابلنا أيضا فضاءات مغلقة جدا مثل : سندرة المفزوع، بيت ليل، وقصر المطراوى.. والفضاء المفتوح سيزيد معناه دلاليا من حيث يشير الى حاجة الإنسان الى أن يتكور على زميله، أن يقترب، حتى لا تتكون كتلة ضائعة فى هذه الفضاءات المفتوحة، لذا تظهر الفضاءات المغلقة كشكل من أشكال الهروب، والتى سيهربون منها أيضا الى فضاءات أخرى أكثر انفتاحا.

وهذا يختلف عن فضاءات نجيب محفوظ التى دائما تكون "وسط " ما بين الصحراء والبحر المتوسط وبين الأزقة الضيقة كى يتلامس الناس ويصبح بمقدوره رصد العلاقات الحميمة فى حى شعبى، ولذا يستلزم البناء السردى عنده فضاءات مغلقة بهذا الشكل.


وفى القرن السادس عشر نجد أن الفضاء، يعد واحدا من مستلزماته الأساسية "المكان" وهو : دمياط، البحر المتوسط، الصحراء حيث القبائل الذاهبة للتجارة شمالا وجنوبا، وحيث قبائل الحجيج، وأيضا حيث العلاقات الموجودة فى هذا المكان الذى يستعصى على التحديد والانغلاق.
والزمان الذى سيظهر فيه هو النصف الأول من القرن حتى عام 1557، ويبدو الزمن وكأنه يسير بترتيب معين وطردى، لكن موهما، لأن الزمان فى هذه الرواية منقسم الى عدة أزمنة، أى زمن المبنى يعتوره تقسيم أو على الأقل خطين: (الأول) خط رئيسى تطِّرد فيه الأحداث -وباستقطاعات قليلة- أقدر أن أصل للأمور التى تقولها فى الرواية زمنيا، وهو الأمر الذى قد يوصلنى الى الطردية فى العلاقات، لكن هذا الزمن يشوبه كثير من القطع والتشويش، لأنها تقدم الحادثة، ثم بعد نصف فصل أو فصل، تعود فتقدم الحادثة بطريقة الفلاش باك ثم تقول : أنه سيحدث كذا -فى تقدم – لكن هذا ليس استباقا زمنيا، فهو حادث بالفعل فى الماضى.

وعلى مستوى الرواية تستخدم الكاتبة مرة فعل مضارع، ومرة فعل ماضى مستغرق فى المضى.. فالزمن يعتوره مجموعة من الأزمنة على الخط الواحد.
و(الثانى ) يوجد فى زمن رئيسى مستقطع، سيكون مكانه الأصلى البحر المتوسط حيث القرصنة والمعارك وسرقات السفن وأحداث الاختطاف والغرق، هذا الزمن يدخل على الكتابة فى شكل بنط فى الطباعة مختلف ومتميز.. أى أن فى فضاء الكتابة زمنين على
الأقل، الأول رئيسى والآخر يتداخل معه عبر بنط الكتابة العريض، الذى لا يرتبط بدمياط المدينة أو الصحراء بل يرتبط بالبحر المتوسط.
غير أن الكاتبة تفاجئنا أيضا باستخدام البنط العريض نفسه فى كتابة زمن آخر غير الزمن السردى الأصلى، ويأتى تعليقا وتأملا للأحداث مثل كورس أو جوقة إغريقية تعلق على الأحداث، أو تتأمل فى الأمور بعمق ثم تمضى، لمجرد أن يعطى إيحاء ما.. وهذا يشتبك مع الزمن الثانى.

لكى يكتب زمان متقطع بهذا الشكل ومكان شديد الاتساع، كان لا بد أن يقع عبء السرد على راوي، لكن ما حدث أنه يوجد أكثر من خط سرد وأكثر من زمن وأكثر من كان،لذا يوجد عدد من الرواة على غرار عملية الحكى الأصلية فى دمياط فالراوى يبدو مثل مؤرخ يسرد أحداثا تاريخية، يحاول أن يدعى أنه محايد وأن لا علاقة له بالأحداث التى تقع، ثم يدخل على خط سردى آخر راوى بضمير المتكلم لأنه يتكلم على لسان غياث الدين الذى يبحر الى جزيرة رودس ليحضر ابن أخته الى دمياط، ثم يتعرض لعملية قرصنة ويسقط بأيدى القراصنة، وحكى هذا الراوى يتم بشكل حميمى لأنه هونفسه مرتبط بالأحداث جدا، يعيش مأساته الخاصة ويرويها بطريقته.

الراوى الأول عليم ببواطن الأمور، يعرف كل شئ، ويحكى عن كل شئ، ويروى عن الأحداث بشكل بانورامى، قريب الى حد ما أو بعيد الى حد ما، ويورد حتى المونولوج، ويتغلغل داخل النفس ويقوم بتشريحها، وهذه الصلاحيات لا تعطى لراوآخر، حتى الراوى التاريخى لا يتمتع بهذه الصلاحيات فى الغالب، ولكن على سبيل الاستثناء أحيانا تتسع صلاحيات الراوى للاطلاع على خبايا النفوس، وعلى الغرف المغلقة، والاطلاع على اكثر من زمان ومكان، وفى لحظة واحدة.

خطوط السرد والأزمنة عندما تتفرع تفرعات كثيرة، سوف تصنع شكلا من أشكال التركيبات التى تعطى لكل حكاية صغيرة راوٍ يخصها وزمانها ومكانها وشخوصها، بما يعنى وجود خط سرد أصلى قائم على زمن ومكان أصلى بالإضافة الى خط سرد فرعى قائم
على زمن فرعى ومكان فرعى … أى يوجد هنا اثنان من الرواة، كل حكاية فرعية لها مكانها وزمانها.

وبالمناسبة فأنا أوجه الشكر لبهاء جاهين فى كتابته الصحفية بجريدة الأهرام عن رواية "نوة الكرم"، واستيعابه لها فى حيز صحفى صغير، ووصف الرواية بأنها تنتمى الى الواقعية السحرية.. وأنا أرى أنها لا تنتمى الى الواقعية السحرية إلا من حيث قيامها أولا بالتشويش على الحدث فقط، لا على الأزمنة والأمكنة، ففى المقطع الواحد قد تلغى علامات الترقيم، والفاصل بين المقاطع، لتضم فى المقطع الواحد حادثتين أو ثلاثة لا تنتمى الى بعضها.. والعنصر الثانى فى هذا الصدد هو أنها دخلت فى السرد بعناصر فنتازية ( أى كل ما لا يتوافق مع العقل فى اللحظة المقبولة بأى فعل أو صور..إنه الخروج على المقبول العقلانى المنطقى ) ويتضح هذا فى سرد أحلام كثيرة تمثل وظائف سردية.. والرجوع الى الخلف والاستباق الى الأمام،مما يشكل نصا من النصوص التى تحتاج الى قراء مدربين.

 

 الشخصيات
الشيء اللافت للنظر جدا هو الشخصيات، فهى ليست منفصلة عن الفضاء والزمان، لأنها تفضل شخوص تناسب هذه الفضاءات والرواة، وهذه الشخوص تبدو فى الأغلب والأعم مجموعات متضادة.
أولا: مجموعة الدمايطة وهم مصريون مسلمون علاوة على متأسلمين ومتمصرين لكنهم مع بعضهم البعض مثل ( ليل، الترجمان/المؤرخ، المجبراتى، سنانية، الخزاف، المفزوع وآمونيت ).

ثانيا : مجموعة تمثل الوجه الآخر للصورة وهى السلطة وهم المحتسب، كبار التجار، المطراوى لأنه اتسم فى جزء من شخصيته بأنه مع المصريين، ويظهر له وجه آخر وهو يسرق الفقراء ثم يعيد إليهم بعض ما سرق فى صورة إحسان.

ثالثا : شخصيات بعيدة عن السلطنة، قريبة من الناس أحيانا وأحيانا أخرى بعيدة عنهم بالرغم من أنهم مصريون وهم الزعار والعياق والشطار، ومثل هؤلاء المجموعات الشعبية التى خرجت فى الأصل لتقاوم العثمانيين وعندما هزم المماليك، اضطروا الى
الاختفاء وممارسة حياتهم بطريقة أو بأخرى.

رابعا: مجموعة من الشخصيات كانت مسلمة ومتأسلمة ثم تحولت الى ديانة أخرى، بعضها لها حضور طاغ ودلالة قوية، والبعض الآخر حضوره عابر لكنه مؤثر جدا، لا نستغنى عن شخصية واحدة منها، رغم أن بعضها ينمو أمامى منذ كان جنيناً، وبعضها يظهر
أمامى فى سن نضجه، وبعضها أسمع اسمه سريعا، لكنها كلها شخصيات مؤثرة، لا أقد على تهميشها أو إلغائه.

 

وشخصيات المجموعة الأولى التى نمت أمامنا، ونعرف تفاصيلها ونتوقع تصرفاتها مبنية على نبوءات بعضهم لبعض مثل نبوءات قصص الأساطير والشعبيات، وأسباب تسميتها، كل هذه الشخصيات يجمعها الانسحاب من الواقع، الرغبة فى التلاشى، العزف بالأنامل حتى آمونيت التى لا تعمل بأناملها، هى تنقش بروحها.. ليل تنقش على الكعك، الخزاف ينقش على الطمى، المجبراتى يصلح المهشم من العظام، المفزوع تحول الى صانع بأنامله للأحبار السرية، المؤرخ يلعب بأنامله رغم أنه لا يكتب شيئا فى عرف الناس، فصفحته بيضاء ومحبرته ضاعت وقلمه البوص لم يبلل بمداد.

هذه الشخوص سوف تعزف على تاريخ هذه الفترة بأناملها لكى تصنع شيئا، النقش له مغزى لا ينفصل عن هذه الفضاءات وعن اختيار هذه الفترة من التاريخ التى استدعتها نجوى شعبان فى بنية متكاملة ووضعتها أمامنا.

الشخصيات الأخرى لا يمكننى تهميشها، وجودها يبدو عابرا لأنها لم تنمو أمامى، لكنى متوقعة لممارساتها دون أن تنمو، المحتسب الذى يعمل لصالح السلطنة التى تعطى أبشع الإشارات لأوربا عن الإسلام والمسلمين. مثل شخصيات كبير التجار، رجال الجمارك، القاضى الجنك، هؤلاء أتوقع منهم ما يفعلونه، إذ يكونون جبهات مواجهة وموازية للجبهة المصرية المسلمة والمتأسلمة الموجودة فى هذا القرن ال16.. وثمة خط واصل بين هؤلاء وبين القسطنطينية وبين مصر المحروسة حيث والى الخليفة.

المجموعة الأولى تعزف بأناملها على أوتار الروح، روحها أولا وروح الآخرين، تضيق بهذا الواقع ولا تستطيع تغييره.. يتحدث الترجمان/المؤرخ فيقبض عليه فى شيخوخته ويعذب وتكسر أرجله وتفتل أصابعه.. ليل الكحكية لا تستطيع المقاومة لأنها امرأة فقيرة، المجبراتى لا يستطيع أن يفعل شيئا سوى جبر العظام التى كسرها عسكر السلطان الانكشارية. فضيقهم بالواقع إذن سيحملهم على تغييره بالنقش مرة والانسحاب مرة أخرى، فتكون التسمية لهذه الشخصيات كما رسمتها نجوى شعبان أنها شخصيات بها صفة الهيام، أنها "شخصيات هائمة "، ليست هلامية أو هشة، فقط هى شخصيات لا ترضى عن الواقع ولا تستطيع تغيره، فتحاول الهروب منه.. إنها شخصيات تريد أن تنسحب من الواقع بشروطها الخاصة، و"ليل" على سبيل المثال ترغب بشدة أن تكون كائنا لا مرئيا، ليست جنية أو الغولة الطيبة، لا ترغب فى أن تتشكل فى اللحظة التى تريد فيها أن تظهر للناس أو أن تتخذ شكلا تحقق منه منفعة أو فائدة، فقط هى ترغب فى أن تكون كائنا غير مرئى محايد يتأمل الأشياء.

و كذلك شخصية المطراوى الذى يريد أن يتصل بالعارفين وأرواح الموتى عن طريق التأمل والجلد، وعن طريق ما يشبه اليوجا، بغية أن يكون بعيدا عن الدنيا. فى الصفحة الأولى من الرواية تشير الكاتبة الى أن الناس يحبونه مرة، ومرة أخرى مستاءين منه، ثم يتحول شعورهم الى الاستياء الكاره، غير أن الناس لم يأخذوا بشأنه رأيا فاصلا، فيظهر بالنسبة لهم رجل بر، ومن خلف الكواليس له صلة
بالمحتسب، وفى دهاليز قصره تشير النميمة الى أنه يمارس طقوسا سرية شاذة، وعندما يصل الى مرحلة من الاستبطان الذاتى، يقول لا أريد شيئا من العالم سوى التعرف على أرواح العارفين وأن المجاهدة والمجالدة ستوصلانى وتجعلانى كتلة واحدة مع عالم، غير واقع العالم الذى يعيشه.. وأن تكون وظيفة الممارسات- التى تثير النميمة- هى أيضا بمثابة هيام فى عالم من صنعه.

الخزاف يهيم فى عالم آخر، ولا يرى سوى أوانيه وعالمه المنقطع عن الناس، فقد بدأ يضيق بالناس ومجلس الأجواد فى واحة آمون  /سيوه، ثم ينعزل، ثم يبحث عن الكمال فى فنه، ثم يتصور أنه لم يصل الى الكمال الذى يحنو إليه، ويفكر فيما يجعله مستريحا بعيدا عن الناس، والاستغناء عن الواقع حتى ينسحب من العالم.

أما "آمونيت" فلها تفردها، لأنها ليست ابنة القرن السادس عشر، وإنما تشبه روحا مستدعاة من أيام الفراعنة وتواصلت هذه الروح حتى ُولدت لأمها القبطية، نتيجة نبوءة أو إشارة، وممارسات آمونيت اليومية تجعل منها شخصية أسطورية، الميلاد بالنبوءة، وتصرفاتها التى تجعلها أشبه بقديسة لدرجة أن الناس يطلقون عليها ما يقارب لفظة القديسة آمونيت أوالمقدسة آمونة.. وهى أيضا تستطيع عن طريق المجالدة والتأمل أن تحل مشاكلها ومشاكل الآخرين.. واختلافها عن الشخصيات السابقة فى مرحلة الهيام والبعد عن الواقع أنها لم تستطع أن تنفصل عن الواقع صراحة، مثلها مثل الترجمان/المؤرخ، كلاهما وجد هيامه فى الانخراط فى الواقع، ورغم ذلك ينسحبان فى اللحظة المناسبة ويستديران عن العالم كى يتأملا الأحداث.

آمونيت لم تقدر على حياة الرهبنة فى الدير وشعرت أن الانخراط مع الناس هو ما يصل بها الى مرحلة الهيام الذى ترغب فيه، فعلت هذا فعلا، وظلت مثل الروح الشفافة الهائمة التى تنسحب طورا وتتقدم طورا، ولكن بطريقتها وشروطها الخاصة.

نفس الطريقة يمارسها الترجمان/المؤرخ، هذا الرجل الذى لم نعرف عنه سوى أنه شيخ، تصورت وأنا أقرأ الرواية بأن نجوى شعبان تبعث إلينا ابن خلدون، هو ليس الترجمان بالمعنى الصحيح فى الرواية، ولكنه قام بعمل التأريخ بطريقته الخاصة، كان منخرطا فى الواقع مثلما كان منسحبا منه، وكان محرضا، متمردا ودعيا للثورة، مع ذلك عندما ينظر الناس لأوراقه، يقول الكتابة ليست حبرا سريا، وإنما هنا فى الذاكرة أكتب.. ضاعت الأوراق وضاعت القراطيس، رغم أن الكاتبة تفاجئنا فى نهاية الرواية بنقل قراطيس ومخطوطات الترجمان بالكامل الى السودان فى لفتة واعدة بإمكانية الاستمرار، وبأن المبنى ليس مبنى القرن السادس عشر فقط.

هذه الشخصيات تغزل بمغزل الأنامل وتنقش على الأشياء من أجل أن تقول شيئا، شخصيات لا يعجبها الواقع، لا تملك تغييره، فتنسحب، ثم تطل علينا برؤية أوبمجموعة من الآراء تُشرِّح فيها الواقع وتطرح فيها كل مشاكل وهموم هذا الواقع على لسان هذه الشخصيات التى يوجد الى جانبها بالطبع شخصيات أخرى دمياطية، تظهر فى مرور عابر تاركة فى الوقت نفسه مكانا مؤثرا على ساحة السرد مثل قصة : نور الدين، سعد لدين، المهتدى الجريكو، ليث الدين وغياث الدين، أدوارها مبتسرة وسريعة لكنها بالغة الدلالة.
 
فقصة المهتدى الجريكو فى مواجهتها قصة ابنه نور الدين، فالجريكو كان قرصانا مسيحيا ثم اسلم ليصبح اسمه "المهتدى " ويتزوج من مسلمة "ليل"، لينجبا ابناً يصبح بعد وفاة الأم وغياب الأب ومحاكمة آمونيت فيصبح من المشردين فى أوربا وهو لا يزل بعد فى طور الطفولة، ثم يصبح راهبا ومبشرا..هذه أمثلة من شخصيات وامضة، غير أنها تترك بقعا ضوئية لا نستطيع أن ننساها لأن لها ولا بد دلالة على ما يحدث.. ولإثبات هذه الدلالة تضع على لسان الترجمان /المؤرخ آراء : أن الدين لن ينفع دون العلم، وطالما وجد شيوخ يستخدمون سلاح البدعة والضلالة لكل ما هو علم.. لن ننفع، وطالما لا توجد ديمقراطية وشورى أو رأى، لن ننفع… وبالمثل تضع
آراء عن الثقافة، الحضارة، الوضع الراهن آنذاك فى الوقت الذى بدأت فيها أوربا فى استخدام أسلحة العلم والاستعمار والثورة الصناعية، ويظهر عالم جديد تماما فى الوقت ذاته الذى نتراجع فيه بظهورنا الى الوراء جنب الحيطة.. وضعت الكاتبة هذه الآراء على لسان الترجمان لأنه القادر على التأمل ويصيغ هذا الكلام وينتقد السياسة، لأن دوره هو التأريخ.

 ثنائيات متضادة
يعد المشهد العام عبارة عن ثنائيات متضادة :المسلمين بقيادة الأتراك العثمانيين فى مواجهة الأوربيين، القراصنة فى البحر قراصنة مسلمون فى مواجهة قراصنة مسيحيين، المسلمين مطلقا فى مواجهة المسيحيين مطلقا، المصريون فى مواجهة المحتسب وشلة السلطان العثمانى.. هى مجموعة من الثنائيات أخطرها ثنائية الأوربيين والمسلمين فى ذلك الوقت، كيف تقف أوربا ؟ ومفهومها الذى تستمده عن
الإسلام والمسلمين ومن أين يأتى ؟ وما هى الصورة ؟ وما الذى يفعله المسلمون فى مواجهة هذه الصورة ؟

يذكر أن البحر المتوسط قد طرح فى الروايات المصرية طرحا مختلفا كرواية " السكندريات " مثلا، ومفهومها أننا نريد أن نجعل هذا البحر المتوسط بحيرة لأهل المتوسط فى تكتل إقليمى، يمكن فى لحظة من اللحظات أن يضم تكتلات أكبر، أى التوجه الى حضارات أخرى أكثر قربا وحميمية معى بحكم الجوار والتاريخ المشترك، وبحكم أنهم كانوا جاليات فى الإسكندرية وأعضاء فى مكتبة الإسكندرية القديمة، وحتى عبر الاستعمار فى فترة سابقة كالاستعمار الفرنسى والإيطالى.. لا يزال البحر المتوسط يُنظر إليه كبحيرة إقليمية.

لكن ما هو مشهد البحر المتوسط فى رواية "نوة الكرم " فى القرن ال16 ؟، الذى يتضح أنه لا يقصد القرن ال16 بذاته، فهى تتحول الى القرن الحادى والعشرين عبر حفيدة الترجمان /المؤرخ، التى تظهر بلا مقدمات، وتقول أنها تقرأ أوراق جدها وأنها تبتعد عن عصر المفزوع بخمسة قرون، وتعرف القراءة والكتابة، فنعرف أن حفيدة المؤرخ التى تقرأ القراطيس وتعلق عليها هى امتداد لجدها، حتى لا يصبح الترجمان شخصية أسطورية، بل شخصية واقعية، ويتم ذلك بأن تصل القراطيس سليمة الى حفيدته، فتعيد القراءة، وأن يكون مغزى القراءة "خلدونياً" جديدا للتاريخ، من خلال العبرة والعظة كما يقدمها ابن خلدون فى مقدمته.


للنقش بعد وجودي
والنقش سواء على المخبوزات، على الخزف، على أقدام الناس وعظامهم، الكتابة وصناعة الأحبار، أليس لكل ذلك بعدا وجوديا ؟ إنها كتابة لاقتناص اللحظة ومحاولة الاحتفاظ بها..هل اللحظة مهددة حتى أستطيع أن أقتنصها ؟ نعم.. المشهد العام للبنية التى صنعتها نجوى شعبان هو مشهد يقول أن الوجود مهدد، ومهدد فى العمق، والحضارة موجودة ولكن عملية النقش تعمقها.

الرواية إذن ليست بحثا عن الهوية، لأنها موجودة ومتجذرة ومعمقة من أيام آمونيت، لكن اللحظة مهددة، ما دمنا لا نمتلك العلم، ما دمنا نرى أن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار، ما دمنا نرى أن "سلطان غشوم ولا فتنة تدوم " كما قال الصوفية أيامها، علاوة على قمع الديمقراطية وحبس النسوان فى منازلهن، واللحظة مهددة أيضا على المستوى العالمى الذى يتواجه معنا، فكان لابد من يكون النقش نقشا على الروح، لكنه لن يكفى، ولعبة النقش التى لعبتها نجوى شعبان لا تخلو من هذه الإشارة، أن هؤلاء الناس يحفرون على ما يستعصى على التلاشى، ما يستعصى على الفناء والتبدد، ينقشون حتى على الطعام الذى يتحول الى حياة وبقاء واستمرارية، ليس فقط على الخزف،الذى كان الخزاف يكسر من كل عشرة من أوانيه تسعا، فتقوم زوجته بسرقة بعضها وتبيعها، كى يظل النقش، فاستمر الخزف، واستمرت الكتابة عبر سنانية التى جمعت قراطيس الترجمان فى لحظة ذكية جدا ومفاجئة جدا، كيف وصلت الى المتوفين الثلاثة فى عشة الترجمان وأخذت هذه القراطيس ؟ كيف سافرت الى السودان، وكيف وصلت الى زوجة الترجمان /المؤرخ لدى أقاربها بالسودان ؟ ثم الى حفيدته المعاصرة ؟.. كل هذا معناه أن التاريخ سيستمر، فانتبهوا أيها السادة الى استمرارية التاريخ، وانتبهوا الى الخطر الجاثم على اللحظة.

 



د.هشام السلامونى
هذه الرواية نوة بالفعل تعد نجوى شعبان ظاهرة فنية غير متكررة، يحاولون أن يجدوا تصنيفا لأعمالها، غير أنها ظاهرة فنية بمعنى أنها تجيد خداع قارئها ونقادها، لكن أعمالها فى النهاية بسيطة ومفهومة جدا.

هى كائن شديد التسامح، والتسامح هو الفعل الأساسى فى الدراما عندها، والمعروف أن الدراما تعنى الفعل، إذ أنها فتحت شباكين على التسامح، والبحث عن المهمشين الحقيقيين، لأننا كنا قد دخلنا فى مرحلة يكتب فيها عن هامشيين غرائبين، أما المهمشين الحقيقيين فنجدهم فى الشارع يحتملون الحياة، ويبنون الحياة، يحافظون ويعيشون ويحبون الحياة، حتى لو قامت القيامة – كما فى الرواية - فانهم سيقيمون
فى " الخرابة" ( حيث مشهد الاستمتاع والبهجة الأخيرة قبل حلول القيامة المزعومة).. هم أناس لا ينسحبون من الحياة رغم هامشيتهم، ورغم إزاحتهم، حتى وهم مزاحون راغبون بالحياة، لأن مصر حضارة زراعية تعرف قيمة الحياة وبناءها والاستمتاع بهذا البناء والقلق عليه وإخفاءه عن عيون سارقيه، عن الطامعين فى الوادى، هؤلاء الذين يدورون حول الوادى (وادى النيل ) كل حين، لذا تجد أن الدوامة والنوة تدور دائما حول الوادى.

فى رواية "نوة الكرم " لم ندخل الى الوادى الأخضر، بل نلف حواليه معها حيث العواصف، لأن التاريخ المصرى هو عواصف تدور حول هذا الوادى حتى يستطيع البعض أن يزيح البعض، ويستقر مكانه حيث هذا النهر المتلألئ، إنه شريط واحد من الماء، الذى يبرق من الخليج العربى الى المغرب العربى.. والكل يريد أن يعيش حواليه، لذا كان الفراعنة يصوبون السهام على من يريدون أن يخترقوا الوادى..وكان للفرعون هيبة، وحتى القرآن الكريم ذكر هذه الهيبة :" وفرعون ذى الأوتاد ".. النوة لا تأتى إلا من البحر، وهذا واضح فى الرواية، كما هو واضح أن استعادة روح مصر يأتى من الجنوب.. حيث أن الشمال يُنتهب دائما والجنوب يصبح خزانة القيم المصرية ويتصاعد ويصَّعد حتى ينقذ الروح الحقيقية للمصريين، ولا أعرف كيف عرفت نجوى شعبان بهذه الروح وهذه الدائرة التى تدور حول الوادى الى أن يحدث فى الوادى الزراعة والصناعة والازدهار والبناء وكل ما هو قيم وبنّاء تحديا لهذه الدوامات.

الكاتبة لها أيضا أربعة شبابيك تطل على دمياط، لأن دمياط لا تذهب، دمياط يأتيها البحر والجنوب، كل العائلات من الجنوب تصعد لتعمل فى الصحراء، وكل الصحراء تأتى الى دمياط، كل الوادى منفذه الشمالى دمياط التى هى أيضا بوابتنا الشمالية التى يأتى منها الغزاة، علاقتنا بالشام علاقة وثيقة ودمياط هى الرابطة، إذن نجوى شعبان نوافذها دمياطية، عندما تنظر الى دمياط ترى ما يأتى، ليس ما يذهب، فالكل سيأتى الى دمياط، والغائب سيعود الى دمياط التى ستتحقق بها النبوءة.

تعرف الكاتبة أن الموج له حركتين، رايح جاى، لكنها تسمع وشيشه وتفهم لغته، لأن الذى عينه على البحر، عينه أيضا على الخط (الواقع).. حقيقة لا أعتقد أن نجوى شعبان كاتبة تاريخية، هى تتعب بالفعل فى قراءة التاريخ وفى استقراءه وفى إنطاقه، غير أنها كاتبة تستقرئ حركة الواقع رأسيا فى الزمان ليرتسم أمامنا أفقيا فى المكان، أى أننا نفهم بالزمان مكان ممتد كسجادة جغرافية.

قد ينخدع قارئها للحظات بأنها تكتب تاريخا، لكنه حين يمضى مع خطواتها القصيرة والمتقافزة ( فهى ككاتبة إذا توقفت تبحث عن التفاصيل، وإذا قفزت أبانت، وهى تبنى بالحركتين معا الخطوة القصيرة والقفزة)، سوف يدرك القارئ مباشرة أنه لا يمضى معها الى الخلف/التاريخ، وإنما يتحرك كدوامة فى المكان والآنى.. على الرغم من أن الأصوات تبدو قادمة من بعيد، ومن ثم تتغير الأفعال( ماضى، حاضر،مستقبل ) التى تنطوى فى ذلك على دلالات.

هى كاتبة تجهد نفسها كثيرا فى التعمق فى التاريخ. ولذا قد يلتقط أحد النقاد أن الترجمان هو ممثل المرحلة الماضية ويعتبر باقى الشخصيات تخديم على شخصية الترجمان بينما الحقيقة أن الترجمان لديها هو خادم متواضع لكل هذه الدوامة، كما أنها تعيد بناء المهمل، تلتقط ما أغفله التاريخ، تعيد بناؤه فنيا، بمخزون تحسد عليه من الشخصيات، شخصيات من دم ولحم، وتشعر أنها من اللحظة الأولى كأنها تكلمك وتعيش معك، وتخرج بها بعد الانتهاء من قراءة الرواية، تذكر أسماءها، وتعتقد أنك قد تقابلها صدفة فى الشارع.. هنا الصدق الفنى مثل "ليل الكحكية " التى تشعر أنها جالسة معك فى حوار، والأمر ينطبق على الخزاف وغيره من الشخصيات.

إنها تعيد كتابة التاريخ بعيون المهمشين، أى أنها لا تكتب تاريخ، تكتب حياة، تكتب كيف تخلَّق التاريخ، وكيف تخلَّق التاريخ هو وظيفة الفن، لأن الفن هو البحث فى التفاصيل الصغيرة وصولا الى العام، وهو فى هذا عكس الفلسفة التى تبدأ من العام ثم تنزل الى التفاصيل الصغيرة. الفن أيضا يلتزم بالإنسان، وإذا التزم بالإنسان حقا، ما انهارت إمبراطوريات كبرى فى التاريخ.

إذن هى كاتبة " أصولية" بالمعنى الأصلية للكلمة التى تم تحريفها مؤخرا لتخدم أغراض أخرى، فالعامية المصرية قد تصف أناس بأنهم " أولاد أصول " أى أناس مقدرين ومحترمين، وأيضا ليسوا فقراء أو أغنياء. وثمة كلمات أخرى مثل "الرمز والإسقاط " التى اغتنى من جرائها نقاد كثيرون، كقولهم عن حميدة فى رواية "زقاق المدق" لنجيب محفوظ أنها تعنى مصر.. والحقيقة أن العمل الفنى أكبر من كاتبه، ويفهم ويعى أكثر من كاتبه، لابد من تغيير منهجنا النقدى، لا نقول أن المؤلف يقصد كذا وكذا، بل العمل الفنى يقصد أكثر من المؤلف نفسه.. فالفن نوع من التفكير لكنه أقرب الى التفكير الصوفى أى التفكير الحدسى.

نجوى شعبان كاتبة تؤرق قراءها، وتلهب النخبة –إذا كانت لا تزال بها حس _تلهبها بسياط مجدولة تؤكد أن لاشيء حقيقة قد تغير، أو أن ما تغير لم يستطع أن يمس ما هو حقيقى.. هى كاتبة فى النهاية أنثى، عيناها وقلمها أنثويين، ولم تكتب أدبا نسائيا، أن ترى الأشياء بعين الكاتب /الكاتبة، بتجربته وثقافته، نعم.. نعم، لأن هناك أدب إنسانى، المرأة ترى الأشياء بوعى مغاير عن الرجل، هنا الإضافة، لكن هل تُعتبر كتابة مفتعلة من شريحة صغيرة لكاتبات من الطبقة الوسطى تبين الرجال كلهم كأخطاء ومرارات فى حياة المرأة.. هل هذا الأدب النسائى ؟!


مجاز شعرى ومجاز شعبى
لغة السرد فى رواية "نوة الكرم " لغة مصرية غريبة بمعنى أنها تراوح ما بين المجاز الشعرى والمجاز الشعبى، فالمصريون لا يرتبون الكلمات حتى تصل الى معناها الحقيقى، بل تصل الى معنى آخر تصنعه الكلمات، وهذا هو المجاز، فيقولون مثلا : رجل "إيده فرطة"، ولا يقول مباشرة أنه رجل كريم.. فى السرد أيضا تصل الكاتبة فى بعض اللحظات الى لغة شاعرية عالية فى المجاز، وأحيانا تتخلى عنها الى المجاز الشعبى الذى هو أبو الشعر العامى، وهى فى ذلك مستفيدة من أصول الواقعية السحرية، فالواقعية السحرية عندنا نحن "هى الأصل " وهى ترى الوجود عدة درجات، وأن ترى مالا يراه الآخرون أنه موجود ومؤثر، فحكايات ألف ليلة وليلة تتحدث عن
عالم فوق الأرض وتحت الأرض وعالم تحت البحر، هذه العوالم تعيش متوازية وفى الوقت عينه، هذه هى واقعيتنا السحرية نحن، والتى أخذوا منها ما يعرف ب " العجائبية السحرية "، فالكاتبة تورد مشهدا عن السحر وكأنها تصدقه، وعندها نجد أن الحلم واقع وأن الواقع حلم وكذلك تزخر بالنبوءة، وهذه كلها عناصر من الأدب الشعبى.


البناء سهل وواضح
أما عن الرواية فإنها تبدأ بمقتل، وهذا المقتل يلفه الغموض، هناك إذن ثمة وعد درامى عن شخصية أشيع أنها قتلت، ولابد أن نعرف لماذا ؟ وثمة أيضا اتفاق ضمنى أن الكاتبة ستفصح عما يحيط بهذا الحدث، بعد ذلك تظهر عائلة من أخوين وأختين تعولها الأخت الكبيرة "ليل"، وكأنها رواية هذه العائلة، أين مقتل المطراوى ؟ نجد أثناء السياق أن هؤلاء الاخوة الأربعة وكل ما حولهم مرتبطين بمقتل المطراوى – الذى لم يقتل حقيقة -، حتى يأتى الذى لم نعرف انه ارتبط بالمطراوى وهو "عاشق الفنادق" ليفك فى النهاية لغز الحادثة.

البناء سهل وواضح، لكن الكاتبة دخلت فيما يسمى "رواية الشخصيات الكثيرة "، وتعتمد فى ذلك على القطع بعد التشبع قليلا من شخصية ما، فتكتب عن أخرى، ثم تتقافز للوراء والأمام، لتصل ما انقطع عن الشخصية الأولى، وفى كل مرة تعطى وعد درامى وسؤال ملحاح، لتبطل أى إحساس قد ينجم بالملل.

هذه البنية تعرض لنا حياة المصريين التى اتصلت بحياة البحر والعربان والأفارقة، وغالبيتهم من البسطاء، وإن حدث وظهرت شخصية متيسرة لا بد أن ترفقه بشخصية من البسطاء، لكنها كلها شخصيات مركبة.. تبدى لنا حياة هؤلاء البسطاء الذين تطحنهم الحياة، يحبون أن يعيشوا ويستمتعوا بالحياة.. أما المثقف الذى لا يعرف وسيلة أو إجابة على أسئلة الواقع، ستظل تتهمه روايات نجوى شعبان.. حيث أنه طالما لا يعرف المثقف الوسيلة سيبقى الناس على العيش والاستمتاع حتى لو قيل أن يوم القيامة غداً، فى الخرابة جرت ألوان من الاستمتاع والمرح، لم ينسحب الناس من الحياة حتى اللحظة الأخيرة المزعومة، وهذا موقف يكشف أن الذى انسحب هم المثقفون وليس الشعب الذى يعزف بأنامله فى الظلام ويعيش.

رأيي أن القرن السادس عشر هو عصر القرصنة الأوربية بالخروج الى المحيط واكتشاف العالم الجديد وإبادة شعوب ثلاث قارات ومن ثم تراكم رأس المال من ثروات هذه الشعوب.. فالمهتدى الجريكو عمل لدى القراصنة المسلمين ثم عاد الى القراصنة المسيحيين، فالأمر سيان عنده، فى حين أن أنظار الباب العالى كانت على البحر المتوسط فقط.

تتعرض الرواية لواحة آمون/سيوة التى كانت تقع على خط الحضارة من المغرب والصحراء الجزائرية وشرق ليبيا مرورا بجنوب مصر وشمال السودان، واحة سيوة هى نقطة اتصال.. وتقدم لنا نجوى شعبان عبرها قبائل البربر والتكروريين المارة، وقبائل العربان والغجر التى تنسب الكاتبة لإحدى نساء الغجر معرفة حدسية بعلم النفس، حينما طلبت سنانية منها أن تعلمها مهنة التبصير، قالت لها :تعالى أبصر لك أولا، أى أنها قامت بتحليل شخصية سنانية قبل أن تضطلع الأخيرة فى تحليل شخصيات آخرين والتبصير لهم، ك"إعرف نفسك"أولا.


من النقاط المضيئة فى الرواية إشارتها الى أن يهود "الجيتو" هم الأسرع تصديقا وتوقعا لظهور المسيح الدجال، مقارنة باليهود المنفتحين على العالم الذين لا يولون أهمية لمثل تلك الأفكار.. وأيضا التحدث عن كتابة بالعامية القبطية وعالم النساء السرى، الذى يمكن القارئ من المزيد من فهم النساء.

إننا أمام بانوراما خطيرة للقهر السياسى، الإقتصادى، الإجتماعى، والثقافى، فهذه الرواية لمست القهر الثقافى ولا تقدم بديلا مزيفا، لأنها لا تعادى الثقافة الحقيقية.. وعن الاقتباسات التى هى جزء من بنية الرواية تقدم لنا اقتباسا عن إيزيس " أنا ما هو كائن، وما كان، وما سيكون، وما من إنسان بقادر على رفع برقعى " وتتساءل الكاتبة : هل الحقيقة نفسها كذلك ؟ أى تعلن عدم امتلاكها للحقيقة وتبحث عنها فى الكتابة.
وتختتم الرواية بعدم تخليها عن المهمشين فتورد اقتباساً فى الفصل الرابع " إن العصور القديمة لا تختفى، وأن الجروح حتى أقدمها تظل تنضح دما ".
والملمح الهام لهذا العمل هو أننا إذا لم ننفتح على الثقافة السودانية، فإننا  نفقد عمقنا التاريخى المقاوم الموجود فى جنوب مصر وفى السودان، و نجوى شعبان تلح على ذلك وأنا أؤيدها تماما.

 

**********************

أول الصفحة


 © Arab World Books