في أمريكا لانستطيع تجنب السياسة والنفي والتهميش

خالد المطاوع بعد 'خسوف الإسماعيلية'
حوار محمود الورداني أخبار الأدب 19 فبراير 2006

التقيت خالد المطاوع في مرسيليا منذ قرابة 4 سنوات، حيث كنا نحضر مؤتمرا أدبيا نظمته جامعة اكس بروفانس. ولفتت تجربته الحياتية نظري إليه، وسرعان ما نمت بيننا صداقة مبعثها اعجابي بشعره أولا، خالد من مواليد ليبيا عام 1964، وأنتقل إلي الولايات المتحدة عام 1979 بعد فترة قصيرة بدأ في كتابة الشعر بالانجليزية، وأصدر بالفعل مجموعتين شعريتين نال عنهما عدة جوائز أدبية، كما ترجم عددا من الدواوين إلي الانجليزية لسعدي يوسف وفاضل العزاوي وهاتف الخبابي ومرام المصري، وهو الآن استاذ مساعد للادب الانجليزي بجامعة ميتشيجان.
أخيرا عكف علي ترجمة مجموعته الشعرية 'خسوف الإسماعيلية' وصدرت بالفعل عن دار شرقيات، حول تجربة المطاوع وديوانه الجديد دار هذا الحوار.

إلي أي مدي تعتبر نفسك شاعرا عربيا، أم أنه من الممكن اعتبارك جزءا من الشعر الأمريكي؟
أجيب بنعم علي شقي السؤال معا. فرسميا أعتبر مواطنا ليبيا وأمريكيا، لذا فمن الطبيعي بالنسبة عني في بساطة التحدث. يتحدث المرء بلغة ما، وعلي هذا يكتب بها مادامت قد أصبحت هذه اللغة أداة التواصل الأولي لديه. لا أظن أننا حين نكتب نفكر إلي أي سياق أو تراث تنتمي كتابتنا. وهكذا عندما بدأت أكتب، وحين أكتب الآن، لا أفكر حقا بشأن أي تراث تنتمي له كتابتي.


ولكنك كتبت حول الكثير من الموضوعات العربية، في ديوانيك: خسوف الإسماعيلية وفلك الأصداء، كتبت عن العالم العربي وعن طفولتك، وعن أسفارك في المنطقة العربية، إنها هموم مركزية في أعمالك..
قد يكون الموضوع الشاغل والشخصية والمكان، كلها تنتمي إلي العالم العربي، وعلي الرغم من ذلك فإن الهموم التي أثيرها ليست 'عربية' وحسب.. انني أكتب حول ما يحرك انفعالي، حول ما أحبه وما يقلقني. أكتب حول التاريخ والذاكرة. وكتاباتي تعد ثمرة معرفتي بتلك الشئون وخبرتي عنها ومنظوري الخاص لها، إذ لايمكنني أن أكتب عن ذكري ما دون أن أجعل منها جزءا من مخيلتي، أو أن أكتب عن تاريخ أو علاقة بمكان دون خبرات تتصل بهذه العلاقة مع التاريخ ومع المكان،
وأتخيل أنه مادامت هذه المكونات عربية، ومادمت عربيا، فعلي هذا أنا شاعر عربي، عدا أنني أستخدم اللغة العربية. التي أتقن التعبير عن دواخلي بها دون سواها، والتي صادف أنها ليست اللغة العربية. لم أشعر أبدا أن اللغة الانجليزية كانت عائقا عن التعبير علي أي مستوي، أو أنها اضطرتني لأن أقول غير ما أقصد، وعلي هذا فانني لاأزال أحبها كلغة كما يحب الرسام ألوانه، والمثال أحجاره. وأتخيل أن هذه العلاقة باللغة الانجليزية في صيغتها الامريكية تجعل مني شاعرا أمريكيا. إنني أدرك أن الأدب يظل مفهوما قوميا، ولكن في الكثير من الحالات، وليست استثناء في هذا، يتوجب علينا النظر إلي الأدب بمعزل عن المفاهيم القومية المعتمدة أساسا علي وحدة اللغة.


ما الذي يعينه لك أن تكون جزءا من المشهد الشعري الأمريكي، وماذا عن الكتاب الآخرين علي شاكلتك ممن وفدوا من بلاد أخري أو ممن لهم جذور عرقية أو قومية مختلفة واستقروا حديثا في أمريكا.
علي مدي المائة عام الماضية كان الأدب الأمريكي منفتحا علي روافد التأثيرات الثقافية المختلفة. وكان هناك اهتمام يجعل المهاجرين يعبرون عن تقديرهم لأمريكا، وكم هو مهم وعظيم بالنسبة لهم أن يأتوا للعيش في أمريكا، وهذا الاتجاه مستمر حتي الآن داخل الأوساط المحافظة والقومية في الثقافة الأمريكية. أحد كتاب هذا الاتجاه كان اللبناني سلوم رزق، وله كتاب بعنوان 'اليانكي السوري' صدر أثناء الحرب العالمية الثانية، وفيه يمجد أمريكا كدولة ديمقراطية عظمي، فيما ينتقد خلفيته العربية كعنوان للتخلف والقبلية. وكان هناك سوق لهذا النمط من الكتب اذا كان الكاتب ينتمي لأي اقلية. لكن الأمور قد تغيرت تغيرا هائلا منذ الحرب العالمية الثانية، وأصبح المهاجرون أكثر حرية لأن يكتبوا بصراحة عن تجربتهم الأمريكية، سواء كانت تلك التجربة خاصة بالعنصرية أو الفقر أو حتي دفاعهم عن مجتمعاتهم الأم في مواجهة الأمبريالية الأمريكية. وهكذا فإن الكتابات الأدبية مختلفة الأعراق في أمريكا تعد عنصرا مركزيا في الخطاب المضاد للمؤسسة في أمريكا، لأنه يجب أن ينشره أحد الناشرين المعتمدين ذوي المصداقية، وهو من يقوم حقا بنشر واصدار الكتاب. أما أن ينشر الكاتب لنفسه أو أن يدفع من أجل النشر فهي أمور مستهجنة. علي الشعراء أن يكافحوا كفاحا مريرا حتي يصلوا إلي الجمهور، ولم تكن حالتي تختلف عن ذلك كثيرا


أصدرت مؤخرا ترجمة إلي العربية لكتابك 'خسوف الاسماعيلية' حدثنا عن عملية ترجمة قصائدك إلي العربية. ولم ارتأيت نشر كتابك في مصر علي وجه الخصوص؟
كما أشرت في مقدمتي للترجمة العربية، ما كان ممكنا لمشروع ترجمتي لقصائدي الخاصة أن يخرج إلي النور لولا مساندة أصدقاء كثيرين. لقد تم اعتباري جزءا من المشهد الشعري العربي علي مدار الأعوام القليلة الماضية، لكن قصائدي لم تكن متاحة لكي يقرأها الناس، وهكذا فقد كنت أقرب إلي ضيف الشرف. وكنت أتوق علي الدوام لأن تصل كتابتي إلي القاريء العربي، دون أن أخلو من قلق حول كيف ستبدو هذه القصائد في صورتها العربية، أو كيف سيتلقاها القراء العرب. وقررت في نهاية الأمر أن أنحي تلك المخاوف جانبا وأن أخوض غمار المشروع. اقتضت عملية الترجمة مني أن أنغمس في اللغة العربية. لم أستطع ترجمة سطر واحد من شعري إلي العربية أثناء وجودي في الولايات المتحدة. لقد تمت الترجمة كلها في ليبيا والقاهرة التي أزورها كثيرا، أو في مدن عربية أخري. كان من الضروري أن أكون محاطا باللغة العربية حتي أشعر بالارتياح نحو 'الكتابة' بها. وظل الأمر غير هين مع هذا، وحينما أفكر الآن فيما حدث، يبدو كما لو كان كل شيء محض حلم. حاولت أن أترجم القصائد بحيث تكون أمينة للأصل قدر الامكان، ولم أحاول حتي أن أزعم تحويلها إلي قصائد 'عربية'.أما عن نشر كتابي في القاهرة، فقد بدا لي أنها أنسب الأماكن للقيام بذلك اذا أراد الكاتب الوصول إلي القاريء العربي. كما أنني أكن احتراما كبيرا لدار شرقيات، للتوجه الأدبي الذي يتبناه ناشرها. اضافة إلي أن لي أصدقاء عديدين هنا وأظن أنه قد يكون لي من القراء هنا أكثر مما في مدن عربية أخري.


لقد عدت إلي ليبيا مؤخرا بعد فترة غياب طويلة... كيف تشعر حيال العودة من جديد؟
إنني ممتن لعودتي إلي ليبيا علي الأقل لأن العودة منحتني إحساسا أفضل بلغتي. وسعيد كذلك بالأمر لأنه أتاح لي فرصة إعادة الصلات بشكل حقيقي بفروع عائلتي. هناك إثارة كبيرة فيما يخص ليبيا اليوم، كثيرون يرون فيها نفس الإمكانية التي اعتادوا رؤيتها في ليبيا خلال أوائل السبعينات. وعلي هذا فالتطورات الحديثة لها جانبها الإيجابي، ولكن هناك أيضا شعور بأن ليبيا قد تخلفت ثقافيا وتعليميا، وأمامها شوط طويل عليها أن تقطعه قبل أن تستفيد من كامل طاقاتها.
ويساورني شعور أن حيال الأمر: الأول ان الاحوال تتغير، وبما ان هذه التغيرات تجري في بلد صغير فسيكون لها أثر عميق وسريع. وأحيانا ما أشعر أن أيقاع التغير، بما في ذلك الديمقراطية الحقيقية والتنوع الثقافي، أبطأ من ان يسفر عن أي ثمار. وهكذا أتراوح ما بين الأمل واليأس فيما يخص الآفاق المستقبلية لوطني.


قمت بترجمة خمسة دواوين شعرية لشعراء عرب معاصرين مثل سعدي يوسف وفاضل العزاوي وآخرين. كيف تري المشهد الشعري العربي، وعلي وجه الخصوص مسألة قصيدة النثر؟
أحرص علي التعرف علي الشعر العربي قدر استطاعتي. وترجمة العديد من الشعراء لمجلة بانيبال اضافة إلي الدواوين التي ذكرتها. أظن أن الشعراء العرب يكتبون قصيدة معاصرة تتوافق فنيا مع الشعر في العالم كله. وقد سمح توافر الشعر العالمي في ترجمة عربية للشعراء العرب أن يكونوا جزءا من العالم، وسمح بالأخذ والعطاء بين التقاليد الشعرية المختلفة.

لكني أعتقد أن شعراء كثيرين ينشرون أكثر من اللازم وبايقاع أسرع من اللازم، وعلي وجه العموم صارت دواوين الشعر أصغر حجما، مع التقلص المتزايد لمساحة القصيدة، أو ما يسمي بقصيدة 'الومضة'، مع افتقارهم أحيانا للمادة الشعرية والطموح. إنني أري بشكل شخصي أنه لابد من الاشتغال علي القصيدة، وصقلها بدقة واعتناء. الاندفاع إلي النشر، وسهولة امكانية النشر بالعالم العربي أحيانا ما لاتسمح للشاعر بأن يقيم جودة عمله. وهذه هي المشكلة الأساسية التي أراها في الشعر العربي اليوم.

وبخصوص قصيدة النثر، فقد أرست دعمائمها في الشعر العربي ولاجدوي من كل الجهود التي تبذل لنفيها. فقد أفرزت الكثير والكثير من النماذج الجيدة بحيث لايمكن نفيها نفيا تاما. مثل أمجد ناصر، فاضل العزاوي، محمود عبدالغني، ايمان مرسال، عباس بيضون، وآخرون غيرهم قد برهنون علي أن قصيدة النثر نمط من القصيدة المرنة القابلة للحياة والتطور، وذات قدرة تعبيرية متنوعة.

أعتقد انه اذا أراد معارضو قصيدة النثر تجاوزها فعليهم أن يبتكروا شيئا جديدا ولافتا، وتجديدا من ناحية الموسيقي. علاوة علي هذا فإن نجاح قصيدة النثر يكمن في آفاقها الجديدة المنفتحة من الصدق والحرية، وكسبيل أمام الكتابة لأن تكون أمينة وغير تقليدية. الشعر الذي يكتب له البقاء هو الشعر الذي يقدم علي أفضل نحو تلك الحقائق التي نخشي التصريح بها لأنفسنا. وهذا ما قامت به قصيدة النثر، ومثل كل أنماط الخطاب المؤسس والمستقر، قد تتوقف عن التصريح بالحقائق المزعجة. عندما تصير هي نفسها المؤسسة، والذي قد يحدث في غضون عقد من الزمان أو أعوام قليلة. وهكذا علي معارضي قصيدة النثر أن يقدموا لنا أشكالا شعرية مضادة للنسق الجمالي المستقر والمؤسس، بما يوسع من احساسنا بالحرية، وليس أشكالا قديمة تقيدنا. وأنا شخصيا أتوق لهذه التطورات الجديدة اذا تمت.


هل يتأثر الشعراء العرب الأمريكين بالتطورات الأدبية في العالم العربي، هل هم علي صلة بأي شكل بقصيدة النثر التي تكتب اليوم في الشعر العربي؟
الغالبية العظمي من الكتاب الأمريكيون العرب حريصون علي متابعة ما يحدث في الأدب العربي، وفي البلدان العربية عموما. لكن أغلب الكتاب من الأمريكيين العرب يكتبون باللغة الانجليزية ولايقرأون باللغة العربية، وعلي هذا فلا يقرأون إلا ما تتيحه لهم الترجمة. إنهم يتابعون متابعة عامة، كما أنهم تربطهم مودة حميمة بالكتاب العرب والأدب العربي المعاصر بوجه عام. وأعتقد أن غالبية الشعراء الأمريكيين العرب يكتبون نمطا من القصيدة التي تقترب فنيا من قصيدة النثر، كما أنهم يكتبون بشكل متوسع فيما يسمي في أمريكا ب 'الشعر الحر'، وهو شعر غير موزون وغير مقفي. ولكن في حين اثارت قصيدة النثر في العالم العربي المعاصر مجابهة ما يسمي بالالتزام والادب المسيس بصفة عامة، فان أغلب الكتاب الأمريكيين العرب هم كتاب ملتزمون علي نحو ما فهم منشغلون بالشئون السياسية، ويكتبون عنها بلا تحرج، سواء كانت هذه الشئون هي العنصرية أو القضية الفلسطينية أو العراق أو التفاوت الاجتماعي. ومن هذا المنظور فقد تعلم معظم الشعراء الأمريكيين العرب من التقاليد الأدبية للأجناس الأخري، وخصوصا تقاليد أدب الأمريكيين السود، وتأثروا بهم تأثرا أكبر مما تأثروا بالأدب العربي.

يسعي العديد من الكتاب الأمريكيين العرب إلي نوع من النص سهل التلقي الذي ينقل رسالة، ويعرف المتلقي مباشرة بالهموم العربية. كما أن هناك ايضا مجموعة أخري من الكتاب الأمريكيين العرب، وأعتبر نفسي واحدا منهم، أكثر انشغالا بالعناصر الجمالية والفلسفية، حيث تكون الأمور السياسية ما هي إلا جزء من نسيج الهموم المختلفة. وعلي هذا فثمة ضرب من الانشقاق الجمالي الصحي ما بين الكتاب الأمريكيين العرب. ينبغي أن أضيف، بما أنني أدير RAWI) رابطة الأدباء العرب الأمريكيين، أن الكتاب الأمريكيين العرب يساندون بعضهم البعض خير مساندة، بصرف النظر عن التوجهات الجمالية. وكأشخاص ذوي خلفية عربية، لايمكن تجنب الشئون السياسية ومسائل النفي والتهميش: تلك الهموم التي نتعامل معها بشكل يومي وهي أحد مصادر إلهامنا. ولكن كيفية الكتابة حولها تعتمد علي الحساسية الجمالية الخاصة بالاديب، وفي استيعابه للشئون المطروحة امامه .