حكاية مكتبة تتكاثر ذاتياً : متاهة من الأفكار والألعاب والألغاز



محمد عبد النبي
نشرت في أخبار الأدب بتاريخ 5-12-2010



كوكب عنبر، هو اسم سيدة أهدي لها زوجها مكتبة سحرية ثم أوقفها لوجه الله، كما أنه عنوان الرواية التي تُدشن مسيرة محمد ربيع روائياً وقد صدرت مؤخراً عن الكتب خان بتصميمٍ جميل وعدد لا بأس به من أخطاء الجمع والإملاء . وربما ليس هناك ما يجمع كاتب هذا العمل بالروائي الراحل محمد ربيع، صاحب الأعمال القليلة والمفعمة بالكوميديا السوداء والجنس المجنون والخيال الشرس، سوي تشابه الاسمين والولع بهذا الفعل المغري والمعذّب المتمثل في كتابة الروايات .
يفني البشر وتبقي المكتبات، حتي لحظة فناء أي مكتبة كمبني أو كمكان يمكن اعتبارها لحظة ولادتها من جديد في مكان آخر، وباسم آخر، وربما بأسطورة أخري، تماماً كما حدث مع مكتبة مسك الليل، وهو اسم امرأة أخري، بني لها المكتبة زوجها المهندس ( الحركي ) أكمل شاهندي، كهدية زواج، الوظيفة الأساسية للمكتبة هي جمع الكتب والحفاظ عليها وإتاحتها للقراء، ولكن الوظيفة الثانوية هي ما ضيع من أجلها هذا المهندس سنوات طويلة، ألا وهي ترجمة الكتب التي تودع بالمكتبة آلياً، من خلال ماكينة عملاقة، تترجمها ترجمة أمينة ودقيقة وباختصار كاملة . ماكينة تعيد إنتاج المعرفة، وربما تحريفها وتشويهها في أثناء مضاعفتها . متاهة قد تحيلنا الآن إلي أوقيانوس الانترنت المخيف وما يحتشد به من معارف ومعلومات تتضاعف كل لحظة . حتي مع لغة لا وجود لها، كما في حالة كتاب لويج الصيرفيني للمخلوقات التي لا وجود لها إلا في خياله، من جديد يحيلنا هذا الكتاب في لعبة المرايا لكتاب وضعه مكتشف المرايا الأول خورخي لويس بورخيس، بالتعاون مع مرجريتا جيريرو عن المخلوقات الوهمية التي وردت في الكتب القديمة . يقع شاهر بطل الرواية علي كتاب الصيرفيني هذا بالمصادفة ويكون هو الخيط الذي يجره أكثر إلي داخل اللغز وإلي حل اللغز في نهاية الرواية تنجح ماكينة الترجمة الخرافية في فك شيفرة اللغة التي اخترعها بنفسه المؤلف الإيطالي الغامض، كأنما ليختبر قدرتها علي التفسير والتأويل وفك الشفرات . اللعبة خرافية غير أنها تشير إلينا من وراء حجاب، في ولعنا بفك الشيفرات والتفسير والتحليل والفهم وطموحنا الهزلي في الوصول إلي نسخة طبق الأصل من المعني المحجوب دوماً في غلالة اللغة .
> > >
تبدأ كوكب عنبر برغبة حكومية في هدم مكتبة قديمة من مكاتب الأوقاف لصالح مد خط مترو الأنفاق، ويظل هذا التهديد قائماً طوال العمل، وإن كانت النتيجة محسومة سلفاً _ بشكلٍ أو بآخر لصالح خط المترو _ وتنتهي بإمكانية ولادة المكتبة، بأسطورتها وماكينة ترجمتها الخرافية المبهمة، من جديد في مكان آخر وتحت اسمٍ آخر . ندخل إلي ” المكان ” مع البطل الشاب، وهو المثقف النمطي المتوقع،
ونكتشف معه بالتدريج ألغاز المكتبة، وتاريخها ومقتنياتها، والأهم من ذلك ساكنيها، نعم بدا أنهم سكان أكثر من كونهم روداً للمكتبة، خاصة وأن المكتبة نفسها تتخذ شكل عمارة سكنية عادية . ومع هؤلاء السكان نكتشف متاهة أخري من الشخصيات، يشبهون بعضهم البعض بهذا القدر أو ذاك، وإن احتقر أحدهم الآخر أو نقم عليه، كأنهم انعكاسات في مرايا لصورة واحدة، أو أشباح يسكنون هذه المكتبة، وارتبطت حياتهم بكتبها حتي صاروا جزءاً لا يتجزأ منها .
يتناوب علي سرد الحكاية شاهر، الموظف الشاب المكلف بكتابة تقرير حول المكتبة، لمجرد استكمال الشكليات الإدارية قبل هدمها فعلياً . وسيد، أحد أشباح المكتبة، القارئ العجوز والمطلع علي كل أسرار المكتبة والذي تفوح من سطوره أغلب الوقت رائحة قوية من العدمية والكلبية وعدم الاكتراث . سيد لا يبوح بكل شيء دفعة واحدة للموظف الشاب النابه، يتركه لكي يكتشف بنفسه تدريجياً اللغز أو الأسطورة؛ حتي يتسني لنا أن نعيد تركيب أجزاء اللغز معه قطعةً بعد أخري . وعلي الرغم من الغموض اللطيف الذي يلف العمل حتي قرب نهايته، فإن تقديم الشخصيات والعالم المحيط بها قد استغرق حيزاً أطول من اللازم، إلي درجة قد يشعر معها البعض أن الرواية انتهت بمجرد أن بدأت الخيوط تتجمع والشخصيات تتعارف وتتفاعل والصورة الكلية تتضح . وربما أكد هذا الإحساس انحراف السرد _ في النصف الأول من الرواية _ عن مساره وميله إلي الكلام العام عن أمور بعيدة الصلة، مثل الجزء الخاص باستخدام الصنابير وعلاقته بالمذهب الحنفي أو بثروت
عكاشة، أو أغلب الملاحظات التي تدور حول عملية ومهنة الترجمة . فعلي الرغم من أن تلك الأجزاء مبررة وفي مواضعها كأفكار للراوي ومرتبطة بمهمة اكتشاف المكتبة فكثيراً ما أعاقت تقدم السرد، علي عكس الجزء الثاني من الرواية والمكرس للحكاية وحدها تقريباً، مع الحد الأدني الممكن من متعة الاستطراد . وبمناسبة الحكاية فقد نجح محمد ربيع في حبك حكاية صعبة وممتعة ورائقة، من خلال شخصيات غريبة، تكاد تشبهنا، أقصد نحن المجانين بالكتب والقراءة، ولكنها تقف علي الجانب الآخر من المرآة في متاهتها من الكتب والترجمات المتراكمة وهي تخرج لنا ألسنتها مثل صورتنا المشوهة والأمينة تماماً للأصل مع ذلك، شيء يعيدنا من جديد للعبة الترجمة المستحيلة .
لم تكن الحكاية التي قدمتها لنا كوكب عنبر هي حكاية شاهر، الموظف الحكومي بوزارة الأوقاف ولا سيد الستيني الميال إلي التلاعب بالآخرين، بقدر ما هي حكاية المكتبة نفسها، بوصفها لعبة وبوصفها إرثاً ثقيلاً يطالبنا بحفظه من الفناء والضياع، مما يدفع الأنقياء والمخلصين من أمثال حنا النساخ إلي العكوف علي تصوير الكتب بنهمٍ لا يهدأ، بعد أن كان ينسخها بخط يده كلمة بعد كلمه . حكاية المكتبة، التي تتجدد باستمرار، تحت اسم مسك الليل أو كوكب عنبر، والعلاقة واضحة بين المسك والعنبر، كأنها تتوالد وتتكاثر وتختفي هنا لتولد من جديد هناك .
> > >
اتسمت لغة الرواية بالبساطة والحيوية أغلب الأحيان، وهكذا تجاورت فيها المفردات شديدة الفصاحة والدارجة والأجنبية، وقد استعان ربيع كثيراً بصيغ لغوية صعبة أو مهجورة بلاغياً، ربما لإبراز تناقضات وخصوصية شخصية د.سيد الأهل، كما في قوله : ” بوركت شعرات لحية حليم، ما مسها سوء طالما لهث، عافاها الصابون ومرحت خنافسها في ربوعها .” ، غير أن كثرة اللجوء إلي تلك الصيغ، حتي بعيداً عن شخصية سيد الأهل، قللت من فاعليتها ومن طاقتها الساخرة، وجعلتها أقرب إلي لغة خاصة بالروائي نفسه، وليست مجرد آلية أو حيلة فنية . سرعان ما تنشط لغة الرواية وتصير أكثر حرية وانطلاقاً كلما ابتعدت عن هواجس الشخصيات الذاتية واقتربت من التفاعلات فيما بينهم، أو الأحداث الصغيرة التي تجري لكلٍ منهم علي حدة، وليتها شغلت مساحة أكبر حتي تتضح صورة هذه الشخصيات في ضوء آخر غير ضوء المكتبة الكابي .
إذا كانت الرواية الأولي لمحمد ربيع، والمكتوبة علي مدار ورشة أدارها الكاتب ياسر عبد اللطيف، تكشف عن موهبته في النسج والغزل والإيقاع بالقاريء واستدراجه إلي متاهته الخاصة من الأفكار والألعاب والألغاز، يحق لنا إذن أن ننتظر بشغف أعماله التالية مادام ظل مخلصاً لهذا الفعل المغري والمعذِّب المتمثل في كتابة القصص والروايات