مقتطف من رواية أفراميا ما لم تروهِ المجدلية

عادت "أفراميا" إلى طريق الآلام، ووجدت المرحلة الثامنة حسبما أشار لها "أحمد"، لكنها كانت مضطربة، وعاجزة عن التركيز، وقد أحست بدوار جعلها تجلس فوق صخرة بالقرب منها، وكانت السماء فوقها تتفتق كالسراويل، وتنخلع عن الأرض كالبرانس، ونظرت نحو قرص الشمس، وكانت أشعتها ملتهبة وحارقة، كانت ثمة أوحال وغيمات كثيرة منتشرة، مما جعلها مشوشة الأفكار، وفجأة وجدت نفسها وسط حشد من الناس، وكانوا مِن حولها مضطربين وصاخبين، ويرتدون أثوابًا خشنة مصنوعة باليد، وبعضهم ينتعل صنادل بدائية، وكان معظمهم رجالًا ملتحين يقفون صفوفًا صفوفًا، ويشتعلون بالبكاء والنحيب، وبعضهم يهللُ بالتراتيل، والحجارة تحتهم تطقطق طقطقات موَّارة، يتطايرون في كافة الأنحاء كأنهم الجراد المنتشر، ولا أحد يبالي! وبعض منهم يقف يقدم النذور لآلهتهم الورقية، ويقدم القرابين لأولياء نعمهم، وبعض منهم تراهم كالخُشب المُسندة يتكئون على الفراغ الباهت، ولا يتساندون إلا على الجُثث المُتقيحة.

وسمعتْ صراخ النسوة في المُقدمة، ومن خلفهن كان الرجال الغاضبون اللاهثون، شعثي الشعر، ومُتسخي الأجساد، خناجرهم مُخبّأة عميقًا داخل قمصانهم، وبعدهم كان العجائز، وأبعد منهم تبع العُرج والعمي، والمشوهون، وبعدهم يساقط الأطفال صرعى كأنهم أعجازِ نخل، وأخذوا يطاوحونهم فرادى وجماعات على الجُثث المنثورة.

 تفتت الأرض تحت أقدام الناس، وبدأ الحشد أمامها يشقُ طريقه بلا هوادة، ووسط هذا الحشد رأت "أفراميا" امرأة، أول مرة ترى مثلها، كانت أشبه بموجة ساكنة وسط بحر هائج، كانت مشية تلك المرأة توحي بأنها ملكة، على الرغم من الوحل الذي يُغطي أرجلها، كان شعرها أشبه بخيوط الفجر الناعسة، فأخذت "أفراميا" تتسابق مع الحشد لتصل إلى تلك المرأة، فتقدمت وصدارة ثوبها محلولة! تقدمت غير هيابة، ولما اقتربت من تلك المرأة شُدهت لجمال ذلك الوجه الحزين، الذي لم تستطع الوصول إليه لتلمسه، كانت نحيلة، رقيقة الملامح، ذات عينين واسعتين، براقتين، لونهما متموج بين الكهرماني، والأخضر، وفمها المُغلق بشكل ينمُ على المرارة، وراحت تتقدم وحدها، وهي تتعثر بالصخور، تسرع إلى الاختباء، وإلى الاختفاء داخل الحشد، والأرض تحتها تتمرغ كأمرأة عجوز في وحل الحيض، وحمى النفاس الأسود