جميع من زاركِ أحبّكِ،
لكن ليس كل حبٍّ يُشبه الآخر.
وأنا أحببتكِ بطريقة مختلفة،
لا تشبه إعجاب العابرين،
ولا دهشة السائحين،
ولا حنين من مرّوا بكِ ثم مضوا.
أحببتكِ كما أحببتُ أمّي.
حبًّا بلا شروط،
بلا أسئلة،
بلا حسابات.
حبًّا يعرف الغفران قبل الخطأ،
ويعرف العودة قبل الضياع.
دمشق لم تكن يومًا مجرد مدينة.
كانت صدرًا مفتوحًا،
وملجأً أخيرًا
حين أوصدت الحياة جميع أبوابها في وجهي.
حين خذلتني الأمكنة،
وتعبت من الشرح،
وفشلت اللغة في إنقاذي،
كنتِ هناك…
تفهمين الصمت أكثر من الكلام.
لم تكن شوارعكِ القديمة طرقًا نعبرها،
كانت حكاياتٍ تمشي معنا.
كل حجرٍ فيها ذاكرة،
وكل زقاق شاهد،
وكل زاوية تخبئ أثر قلبٍ مرّ من هنا وترك شيئًا منه.
في باب توما،
لم تكن الحانات ضجيجًا،
بل اعترافات مؤجلة،
وضوءًا خافتًا يعلّمنا
أن الفرح لا يحتاج إلى صخب.
هناك،
في أحد أزقّتكِ،
قالت لي فتاة
شاء لها القدر أن تصبح مرضي الذي لا أشفى منه:
«الحب هون غير أي حب…
بالشام إلو مذاق خاص».
لم تُكمل.
لم يكن هناك داعٍ.
قبّلتها في منتصف الشارع
قبلة تشبه الاندماج،
كأننا كنا نحاول
أن نختصر المدينة كلّها
في نفسٍ واحد.
ثم جاء الليل…
ولليل فيكِ شأن آخر.
ذلك الصديق، مجد،
فتح لي بابكِ الليلي
كما تُفتح الأسرار.
قال لي:
«من يدخل دمشق ليلًا
يعرف معنى النور».
وكان محقًّا.
نوركِ ليلًا
يشبه سطوع القمر،
لكنه أصدق،
أدفأ،
وأقرب إلى القلب.
نور لا يضيء الشوارع،
بل يفضح ما في الداخل.
كل ليلة كانت حكاية،
وما أكثر حكاياتكِ يا دمشق.
وما أثقلها.
الجميل فيكِ
أنكِ لا تحبين أبناءكِ كما يحبّونكِ،
ولا تَعِدينهم بشيء،
لكنّكِ أيضًا
لا تتركين لهم مجالًا
ليحبّوا غيركِ.
اسمكِ وحده
يشعل في الرجل نشوة قاتلة،
نشوة من يعرف
أنكِ لن تكوني له أبدًا،
ومع ذلك
لا يستطيع الفكاك منكِ.
أحببتكِ منذ وُلدت،
دون سبب،
كأنكِ زُرعتِ في دمي قبل اسمي.
وكلما كبرتُ
كبرتِ معي،
وصرتِ أكثر قسوة،
وأكثر صدقًا،
وأكثر حاجةً إلى الحب.
ووسط كل هذا الحب،
جاء الخراب.
وليس الخراب الذي تهدم فيه الجدران فقط،
بل الخراب الإنساني،
والأخلاقي،
الذي أصاب سوريا.
ما حدث لم يكن حربًا على حجر،
بل على الإنسان.
صرنا نقتل
ونسمّي القتل موقفًا،
نكره
ونسمّي الكره عقيدة،
نصمت
ونسمّي الصمت حكمة.
انهارت البيوت
قبل أن تنهار المدن،
وتشرّد المعنى
قبل أن يتشرّد الناس.
وأنتِ…
تحمّلتِ كل هذا الكره من أبنائكِ
دون أن تتعلّمي الكره.
دمشق لا تكره أبناءها
حتى لو كرهوها.
لا تعرف المذاهب ولا الطوائف،
الكنائس فيها تجاور الجوامع
كما يتجاور القلب والرئة.
وفيكِ،
كان الملحدون أحيانًا
أكثر إيمانًا
من مؤمنيهم،
إيمانًا بالإنسان،
وبالحياة،
وبأن الدم ليس رأيًا.
ذات يوم،
سيندم الجميع على ما فعلوه بكِ.
سيقفون أمامكِ
بأيدٍ فارغة
وأصواتٍ مكسورة،
ويحاولون الاعتذار
بعد فوات المعنى.
لكنّكِ،
حتى حين يندمون،
لن تعاتبي.
ستبقين كما كنتِ دائمًا:
مدينة أكبر من الندم،
وأوسع من الخراب،
وأحنّ من كل ما قيل عنها.
لهذا أحب دمشق.
لا لأنها جميلة فقط،
بل لأنها تشبه الأم…
تُجرَح،
تُخان،
وتبقى.