في بلدة يلفُها الضباب , يعيش الناس منذ أمد بعيد في انتظار تحقق عبارة واحدة كُتبت بخط باهت على جدار شامخ عند مدخل البلدة : " عندما يحين الموعد , سأكون بينكم ."
لا أحد يعرف من كتب العبارة , و لا متى . لكنها تحولت الى وعد مقدس , يتغنى بها الناس , و يحفظونها عن ظهر قلب , و يُخبئونها في صمتهم .
توقفت الحياة عند عتبة هذا الأنتظار . لم تُهدم الأسوار , لأنهم قيل لهم انه سوف يهدمُها بيده . لم تُفتح صناديق الاقتراع , لأنه دونما شك , سيكون هو القائد المرتقب . و تحولت الأحلام الى مخططات مؤجلة على رفوف الغبار .
نُصب له تمثالاً اِجلالاً . لم تُلق القصائد في المناسبات , بل خُبأت في حناجر الشعراء في أنتظار اللحظة المهيبة . الحلاق رفض قص لحى الرجال , قائلاَ : " حين يجيء , نريد وجوهاً مهيبة في استقباله . " أما الخياط فكان يخيط بدلات لا تُلبس , بل تُعلق في الواجهات , بأنتظار أن يختار هو ما تُليق به .
لم تُقدَم القهوة في المقاهي, بل وُضعت أباريقها على الطاولات كعلامة التهيؤ .
لم تُزرع الحدائق , لأنهم ظنوا أنه حين يجيء , سيزرع بنفسه زهرة البداية .
كل ليلة , و حين يحل الظلام كان الشيوخ يجتمعون عند بئر البلدة , و يضعون فوقها خارطة قديمة , يقولون أن عليها علامات مروره .
و كان الشيخ ذو اللحية البيضاء يقول بصوت متردد كأنما يخشى ان يوقظ الزمن :
" اِنه بيننا , ربما فقط ينتظر لحظة مناسبة ."
في مساء بارد دخل رجل غريب البلدة , بلا اعلان , بلا موكب , و لا طبول . كان يمشي على مهل , يتلفت بهدوء , كمن يرى أحلاماَ متجمدة . حدق في آثار أقدام اندثرت على الرصيف , في طيف الضوء المتسلل بين شقوق الجدران , و في مصباح خافت يئن في زقاق خلفي .
وقف عند التمثال , تمعن فيه اِن كان يشبه أحداً !
اقترب من دكان الخياط , تطلع الى البدلات المعلقة مثل أجساد فارغة تنتظر أرواحها .
رأى الاطفال يخرجون من المدرسة , يحملون كتباَ ثقيلة بكلمات غائبة .
دخل بهدوء الى الساحة , جلس على المقعد الحجري في منتصفها , و كانت عيوناً تراقبه خلف النوافذ , صامتة , متوجسة .
تطلع الى الجدران , الى الساعة المعطلة , الى الأبواب المغلقة و النوافذ المحفورة بالخوف .
نظر الى العبارة القديمة على الجدار , قرأها متأمِلاً معانيها ,
أحس بشيء غامض , كما لو أنَ الريح همست له : " انك هو ."
لم يتكلم .
و لم يسأله أحد .
و لم يخرج احد للقائه .
و لم تُلق القصائد .
خيَم الصمت على البلدة , و ظلت نائمة كما كانت دائماً , تنتظر .
و في الصباح , حين مالت الشمس على الجدار , كان قد اختفى .
لكن على الجدار نفسه , حيث كُتبت العبارة القديمة , ظهرت كتابة جديدة , بخط واضح , و صارخ في سكونه :
" كنتُ بينكم , لكن لم يستقبلني أحد ."
العبور الفائت
بقلم: مامند محمد قادر - في: الخميس 17 يوليو 2025 - التصنيف: قصص
فعاليات
عرض ومناقشة مسرحية التذكر (Mnemonic)
يناير 24, 2026
تم عرض ومناقشة مسرحية التذكرعبر تطبيق ZOOM ،...
الصوفية ما بين التفكيك والنظرية
سبتمبر 11, 2025
حوار وندوة دينيه وعلميه حول التصوّف ونشأته و...
محمود سعيد رائد الفن التشكيلي
سبتمبر 20, 2025
تمت هذه الندوة يوم السبت 20 سبتمبر، 2025 ، تستطيع...
الجليد لصنع الله ابراهيم
يونيو 26, 2025
تمت مناقشة رواية الجليد 26 يونيو 2025 ونشكر ا...