تخيّل مشهدًا متكررًا في أي فصل دراسي: معلم يشرح درسًا، وطالب يرفع يده فجأة، لا ليجيب عن سؤال المعلم، بل ليسأل سؤالًا خارج سياق الدرس تمامًا، سؤالًا وُلد من دهشة حقيقية أمام فكرة عابرة. في تلك اللحظة بالضبط، يقف المعلم أمام خيارين: أن يتوقف عن خطة الدرس ويلاحق هذا الفضول أينما ذهب، أو أن يبتسم بلطف ويقول: "سؤال جميل، لكن لنُكمل الدرس أولًا"، ثم لا يعود إليه أبدًا. وفي الغالبية الساحقة من الفصول حول العالم، يُختار الخيار الثاني، لا لأن المعلم لا يبالي، بل لأن النظام التعليمي بأكمله، بمناهجه وجداوله وامتحاناته، مبنيّ على منطق لا يترك مساحة حقيقية لهذا النوع من الانحراف الجميل عن الخطة.. هذا المشهد الصغير يختصر مفارقة أعمق تستحق التوقف عندها: نحن نُصرّح دائمًا بأن الفضول هو جوهر التعلّم، وأن السؤال أثمن من الجواب، لكننا في الممارسة اليومية داخل الفصول نُكافئ من يحفظ الإجابة الصحيحة، ونتجاهل، أو نُؤجّل، أو نُعاقب أحيانًا، من يطرح سؤالًا لا إجابة جاهزة له. فهل هذا التناقض عارض يمكن إصلاحه بتعديلات طفيفة، أم أنه بنية أساسية في فكرة "المدرسة" نفسها كما نعرفها؟
الفضول الذي يذبل بصمت
ليست هذه ملاحظة انطباعية أو شكوى معلم متعب، بل ظاهرة رصدتها دراسات تربوية دقيقة. فقد قضت الباحثة التربوية سوزان إنجل من كلية ويليامز الأمريكية شهورًا في ملاحظة فصول دراسية بحثًا عن لحظات الفضول لدى الأطفال، لتكتشف أن معدل طرح الأسئلة لدى الأطفال ينخفض بشكل حاد بمجرد دخولهم المدرسة؛ فبينما يطرح الطفل في المنزل ما يقارب سؤالًا كل دقيقتين، ينخفض هذا المعدل داخل الفصل الدراسي إلى أقل من سؤال واحد كل ساعتين (1). لم يكن السبب، بحسب ملاحظاتها، نقصًا في فضول الأطفال أنفسهم، بل أن المعلمين، مثقلين بخطة درس محددة سلفًا، كانوا يستجيبون لهذه الأسئلة استجابة عابرة سريعة، قبل أن يعودوا إلى "الدرس الحقيقي"، فيتعلم الطفل، بلا أن يُقال له ذلك صراحة، أن السؤال العفوي أقل قيمة من الإجابة المطلوبة. والمفارقة أن هذا الانخفاض لا يحدث لأن الفضول "موردٌ محدود" ينضب مع التقدم في السن، بل لأن البيئة المدرسية، بتصميمها الحالي، لا تمنحه الغذاء الذي يحتاجه كي يستمر وينمو. فالفضول، مثل أي ميل إنساني فطري، يحتاج إلى من يستجيب له، لا من يتجاوزه بلطف. وحين يتكرر هذا التجاوز آلاف المرات عبر سنوات التعليم، لا يعود الطفل يرى في السؤال العفوي قيمة تستحق أن يخاطر بطرحها أمام الجميع.
منطق المكافأة: حين يصبح التعلّم صفقة
للإجابة عن سؤال "لماذا يحدث هذا؟"، لا بد من فهم المنطق الخفي الذي يحكم أغلب أنظمة التعليم: منطق المكافأة الخارجية. فالدرجة، والثناء أمام الصف، والمركز الأول، جميعها حوافز خارجية تُمنح مقابل إنجاز محدد ومقيس سلفًا: إجابة صحيحة، حل تمرين، حفظ نص. وهذا النوع من التحفيز، على عكس ما قد يبدو بديهيًا، ليس محايدًا أو بلا كلفة؛ فقد أظهر تحليل شامل ضم 128 دراسة تجريبية، نُشر في إحدى أبرز الدوريات النفسية العالمية، أن المكافآت المرتبطة بإنجاز مهمة محددة أو بمستوى أداء معين تُضعف بشكل ملموس الدافعية الداخلية للفرد نحو تلك المهمة ذاتها (2). أي أن الطفل الذي يتعلم من أجل الدرجة، يفقد تدريجيًّا الدافع الذي كان يدفعه للتعلم من أجل المتعة أو الفضول الخالص؛ لأن عقله يعيد تصنيف الفعل نفسه: لم يعد "استكشافًا"، بل أصبح "صفقة" ينفّذها مقابل عائد محدد. وهنا تكمن جذور المفارقة التي بدأنا بها هذا المقال: حين تُبنى منظومة التعليم بأكملها على مبدأ "افعل كذا تحصل على كذا"، فإنها تخلق، بحكم بنيتها لا بسوء نية أحد، بيئة تُكافئ سلوكًا محددًا قابلًا للقياس (الإجابة الصحيحة، حفظ المعلومة)، وتترك خارج دائرة المكافأة كل سلوك لا يمكن قياسه بسهولة، وعلى رأسه: طرح سؤال لا إجابة نموذجية له. فالفضول، بطبيعته، فوضوي وغير متوقع ولا يخضع لجدول زمني، بينما تحتاج المدرسة، لتُدير فصولًا مكتظة وامتحانات موحدة، إلى نظام يمكن التنبؤ به وقياسه؛ وهذا التعارض البنيوي هو ما يجعل الفضول، مهما كانت النيات الحسنة للمعلمين، الطرف الخاسر دائمًا في هذه المعادلة.
حين يصبح السؤال خطرًا لا فضيلة
ثمة بعد آخر لهذه الأزمة، ربما أكثر قسوة من مجرد التجاهل: أحيانًا لا يُهمَل السؤال فحسب، بل يُعاقَب ضمنيًّا. فالطالب الذي يسأل سؤالًا "خارج المنهج" في وسط حصة مزدحمة بالوقت، قد يشعر أن معلمه ضاق به، أو أن زملاءه يرمقونه بنظرة استغراب لأنه "أضاع وقت الحصة". وفي بيئات تربوية أكثر صرامة، قد يُنظَر إلى كثرة الأسئلة على أنها علامة على عدم الانضباط أو تحدٍّ لسلطة المعلم، لا كعلامة على عقل يقظ يبحث عن معنى.
والأخطر أن هذا النمط لا يقتصر على الفصل الدراسي، بل يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك: علاقة الطفل بالأسرة نفسها. فحين تركّز الأسئلة المتكررة التي يوجهها الأهل لأبنائهم بعد المدرسة على "كم أخذت من درجة؟" بدل "ماذا أثار اهتمامك اليوم؟"، فإنهم يُرسلون، دون قصد، الرسالة ذاتها التي ترسلها المدرسة: أن النتيجة القابلة للقياس هي ما يستحق الاهتمام، لا الدهشة التي لا تُقاس بدرجة. وقد لاحظت الأبحاث ذاتها أن الانخفاض في مستوى الفضول لدى الأطفال يكون أكثر حدة تحديدًا في البيئات التي يُركّز فيها الحديث المنزلي على الدرجات أكثر من التركيز على اهتمامات الطفل الشخصية، وهو ما يؤكد أن ذبول الفضول ليس مسؤولية المدرسة وحدها، بل نتاج منظومة قيم أوسع تُشارك فيها الأسرة والمجتمع كليهما.
الحفظ ليس عدوًّا... لكنه ليس غاية
قد يبدو من هذا الطرح أن المطلوب هو إلغاء الحفظ من العملية التعليمية، لكن هذا استنتاج متسرع لا يخدم الفكرة. فالحفظ، في حد ذاته، أداة معرفية ضرورية؛ إذ لا يمكن لعقل خالٍ من المعلومات الأساسية أن يُنتج تفكيرًا نقديًا حقيقيًا حول أي موضوع. فحتى يسأل الطالب سؤالًا عميقًا عن الخلية أو عن التاريخ أو عن اللغة، يحتاج أولًا إلى قاعدة معرفية يبني عليها سؤاله. المشكلة الحقيقية إذن ليست في وجود الحفظ، بل في تحوّله من "وسيلة" إلى "غاية نهائية" للعملية التعليمية بأكملها؛ حين تصبح قيمة المعرفة مرتبطة فقط بقدرة الطالب على استرجاعها في ورقة امتحان، لا بقدرته على توظيفها في طرح أسئلة جديدة أو ربطها بسياقات لم يتوقعها أحد.
وهذا بالضبط ما يفسر لماذا يمكن لطالب أن يحصل على أعلى الدرجات في مادة العلوم، دون أن يكون قد شعر يومًا بذلك الفضول الذي دفع العلماء أصلًا لاكتشاف ما يحفظه الآن؛ لأن المنظومة قاسته على "معرفة الجواب"، لا على "قدرته على طرح سؤال جديد لم يُطرح من قبل". والفارق بين الاثنين، وإن بدا دقيقًا، هو الفارق بين تلميذ يتقن استرجاع العلم، وعالم يُنتج علمًا جديدًا.
من سقراط إلى الفصل الدراسي: تراث السؤال المنسي
ليست هذه الإشكالية جديدة كليًّا على الفكر الإنساني؛ فقد قام التقليد الفلسفي السقراطي بأكمله على فكرة أن المعرفة الحقيقية لا تُمنح، بل تُستولَد عبر سلسلة من الأسئلة المتلاحقة التي تدفع المتعلم إلى اكتشاف تناقضاته الخاصة قبل أن يصل إلى فهم أعمق. لم يكن سقراط يمنح تلاميذه إجابات جاهزة، بل كان يزرع فيهم قلقًا معرفيًّا يدفعهم للبحث بأنفسهم؛ وهو نموذج تعليمي يقوم بالكامل على تقديس السؤال لا الجواب.
وفي التراث العربي الإسلامي أيضًا، نجد أن حلقات العلم التقليدية كانت تقوم على الحوار والمساءلة بين الشيخ وتلاميذه، حيث لم يكن الطالب مجرد متلقٍّ سلبيّ، بل مُحاوِرًا يُفترض فيه أن يسأل ويُراجع ويعترض قبل أن يُسلّم بالمعلومة. والمفارقة أن هذا التراث الطويل من تقديس السؤال، سواء في الفلسفة اليونانية أو في حلقات العلم العربية، يبدو اليوم غريبًا عن واقع كثير من فصولنا الدراسية المعاصرة، التي تحوّلت، تحت ضغط المناهج المكتظة والامتحانات الموحدة، إلى مساحات لنقل المعلومة بأسرع طريقة ممكنة، لا لاستيلاد الفهم عبر السؤال.
نحو مدرسة تُكافئ الدهشة كما تُكافئ الدقة
إذا كانت جذور المشكلة بنيوية بهذا العمق، فإن الحل لا يكمن في نصيحة عابرة للمعلمين بأن "يشجعوا الأسئلة"، فهذا حل سطحي لا يمس جوهر المشكلة. الحل الحقيقي يبدأ بإعادة النظر فيما تقيسه المدرسة أصلًا، وما تعتبره "إنجازًا" يستحق الاحتفاء به. فحين تُخصَّص لحظات ثابتة في الحصة الدراسية لا لشرح المنهج، بل لملاحقة سؤال طرحه أحد الطلاب مهما بدا بعيدًا عن الدرس المخطط له؛ وحين يُصمَّم جزء من التقييم ليكافئ جودة السؤال الذي يطرحه الطالب لا فقط دقة إجابته؛ وحين يعتاد الأهل أن يسألوا أبناءهم عمّا أدهشهم اليوم أو أثار فضولهم قبل أن يسألوا عن درجاتهم، عندها فقط يبدأ التوازن في التحول لصالح الفضول من جديد. هذا لا يعني التخلي عن الدقة والانضباط الأكاديمي الضروريين لبناء معرفة متينة، بل يعني أن نتوقف عن معاملة الفضول والانضباط كخصمين يتنازعان الحيز نفسه، وأن نبحث بدل ذلك عن الطريقة التي يخدم بها كل منهما الآخر: انضباط يمنح الفضول أدوات البحث، وفضول يمنح الانضباط معنى يستحق أن يُبذل من أجله الجهد.
خاتمة: السؤال الذي لا يُقاس ثمنه الحقيقي
في نهاية المطاف، لا يُقاس أثر التعليم الحقيقي بعدد الإجابات الصحيحة التي يحفظها طالب في مسيرته الدراسية، بل بعدد الأسئلة التي ظل قادرًا على طرحها بعد أن أنهى هذه المسيرة. فالمعرفة المحفوظة تشيخ وتتقادم، أما القدرة على التساؤل، والدهشة أمام المجهول، فهي التي تصنع، عبر الزمن، العلماء والمفكرين والمبدعين الذين يغيّرون مسار المعرفة الإنسانية بأكملها.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل من يعمل في التعليم اليوم ليس "كيف نرفع درجات طلابنا في الاختبارات؟"، فهذا سؤال أصبحت له إجابات جاهزة كثيرة، بل سؤال أكثر إزعاجًا وأصعب قياسًا: "كم من الأسئلة الجميلة أطفأنا اليوم في سبيل إنهاء الدرس في وقته؟" فإذا كنا صادقين في إجابتنا عن هذا السؤال، فقد نكتشف أن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه معلم في يوم دراسي عادي، ليس أن يُنهي كل بنود خطته، بل أن يترك طفلًا واحدًا يخرج من حصته وهو يحمل سؤالًا لم يكن يحمله حين دخل.
هوامش وإحالات
1 Engel, S. (2013). The Case for Curiosity. Educational Leadership; TIME: "Many Kids Ask Fewer Questions When They Start School. Here's How We Can Foster Their Curiosity" (2021). https://time.com/5941608/schools-questions-fostering-curiousity/
2 Deci, E. L., Koestner, R., & Ryan, R. M. (1999). A Meta-Analytic Review of Experiments Examining the Effects of Extrinsic Rewards on Intrinsic Motivation. Psychological Bulletin, 125(6), 627–668. https://www.selfdeterminationtheory.org/SDT/documents/2001_DeciKoestnerRyan.pdf