إِلَى صَلَاح... أَيْنَمَا وُجِدَتْ رُوحُه

بَيتي القَديمُ، وحَبيبي القَديمُ، وسُلَّماتٌ أتابعُ صُعودها فَتَتَهاوى، ولا يَبقى مِنَ المدينةِ سوى ما قَبضت عليه رُوحي وأنا أَعدو خَلف الأَيامِ التي تَكلَّست في خَيالي.

يَتفشَّى الحنينُ في لياليَّ لمجردِ وُقوفي مُلتصقةً بجدارِ بَيتِنا، أُخفي وَجهي بِيَدَيَّ ويَجري الصحابُ، يَختبِئونَ في أماكنَ نَعرفُها جميعًا، وفي كل مرةٍ نَصنعُ مُفاجأةً ونَضحك، وفي كل مرةٍ أَجري وأَختبئُ عندَ بَيتكَ يا صلاح. تَأخذني من يدي ونَهرب في زَمَنٍ كانت كُلُّ مشاكِلِنا فيهِ أن تُناديَنا أمهاتُنا فنَتخبى بالحُججِ لنَبقى دقائقَ معًا.

دقائقُ ما كانت لِتُكلِّفَ المدينةَ شيئًا، لكنَّكَ كنتَ تتركني عند بابِ بَيتنا، تُناديني جَدتي فأستترُ بالحكايا من بُعدكَ.

تأخذني الغُربةُ خمسةً وعشرين عامًا، لم تُسكّنْ هَدهداتُ أمواجِها بَراكينَ الغضبِ من مدينةٍ لفظَتني عندَ بداياتِ الفرحِ البِكر وأغلقت بابَ الطفولةِ دونَ طفولتي.

أشقُّ عَتمةَ السنواتِ وأَخرجُ متلصِّصةً. عند المنحنى أجدُكَ فارِدًا عُيونَكَ على كلِّ المخارجِ التي يُمكن أن تَحملني إليك، تَمدُّ يدكَ وتأخذُ مني أَصابِعَ الملبَّنِ والعَيشِ المُقرمشِ، تَقضمُ، وبنظرةٍ جانبيةٍ تَلمحني وأَلمحكَ. أُحاول جاهدَةً أن أُدسَّك في ذاكِرةِ طفولتي وعمري، فأَحفِرُ الأحداثَ حولَ ملامحكَ وأَعدو إلى أماكنِنا التي تَعرفنا، فيَنتفضُ ظلُّك السارحُ في شقاواتي.

أَمدُّ ذراعيّ في كلِّ الجهاتِ ولا أجدكَ بانتظاري، فتَضجُّ الطرُقاتُ بالحنينِ والفقدِ.

أَذكرُ عينيكَ اللتينِ سَهرتا في الشُرفةِ البارِدةِ مُنتظرًا موعدَ المدرسة، تَأخذني في يَدكَ وتَحملُ حقيبتي وتَربطُ أحزمةَ خَصري وشَرائطي التي كنتُ أتعمدُ فكَّ عَقداتها. تأخذني من يَدي، نَعبُر الطرُقاتِ جَريًا ونَلوذُ بمخبئِنا المُنفتحِ على بَراحِ البَراءة.

تَخطُّ على الرملِ حكاياتٍ ليسَ من بَينها الفقدُ، وتَرسُمُ وُرودًا وبِنتًا تُشبهني وتُعطيني ورقًا كثيرًا وتَقول: "اكتبي"، وأنا لم أَكتب من قبلُ يا صلاح. تُمسك يَدي وتُمررها بالقَلمِ على نِقاطٍ أنتَ صَنعتَها، تُشكِّلُ حروفَ "و ر د"، وتُعلمني أن أُوقِّع الأوراقَ وأَتباهى كثيرًا باسمي.

أفكُّ حُزَماتِ الوَقتِ وأصنعُ طريقًا للسويس. على المَشارف أَلمحُ كُتلةَ اللهبِ ساكنةً في الفراغ، وعُيونكَ هناكَ مُنطفئةٌ وعالقةٌ بروحي، وشظايا قلبي تَحومُ في الخَلاء، وأَلمحُ رُؤوسَ النخلاتِ المجهولةِ تَهربُ من عُيوني السائلةِ عَنك. أَعلم أن جذورها ضاربةٌ في رُفاتكَ، وأن جُذوعَها نثرت آثارَنا المَرحة، وأنها مَلَّت بَصماتِنا الطرية.

هي النخلاتُ نفسها يا صلاح التي استرحنا تحتها من تعبِ الركضِ نَجمعُ البلحاتِ الحُمرَ والصُفر، تَمسحُها بملابسك وتَدعني آكلُ وأَطير.

النخلاتُ نفسها تَغذَّت على بَشرتك التي مازلتُ أَحسُّ طَراوتها على يَدي.

ها أنا أَفكُّ الرتجاتِ وأَنثرُ خمسةً وعشرين عامًا في الفراغِ وأَعودُ إليك. وما زالت نَظراتُكَ الجانبيةُ وفي يدكَ الملبنُ والقَلمُ تُراوغني، فأضحكُ وأَتمنّاك.

يستطيلُ الطريقُ إلى السويس، أُحاول ألَّا أَبكي كَي لا أَسقُطَ ملامحكَ التي خَبأتها من السنواتِ على بُرودةِ الطريقِ المُحايد.

"لماذا الطُرقُ إليكَ مُحايدةٌ يا سويس، مع أنَّكِ فيضانُ أَلَمٍ وطُغيان؟"

وها أنا أَحسبُ المسافةَ لعَودةٍ مُجدبة، بلا أملٍ في أن أَلقاكَ عند بابِ بيتكم. تَصنع من البوصِ والورقِ طائرةً بلا خيط. فأفكُّ شَرائطي وأَحزمتي وأَهبها لكَ فلا تَرتفعُ نَظراتكَ عن سَفحِ طُفولتنا، وتَجري وأنا خَلفكَ بالسِنواتِ القاحلة، فلا طائرتنا ارتفعت ولا عيونكَ فاضت بالنَّماء.

أَحسُّكَ في قَلبي مُرتعشًا. أَهبُك تفاصيلَ جُوعي وخوفي، وأُشبكُ نَظراتي باللهبِ الذي يُحرِسُ المدينةَ من الانخِطاف، وأَستدعي وَلَهكَ بالأرقام، فأَعدُّ خمسةً وعشرين عامًا ولا أَجدكَ عند وَرشةِ القِطاراتِ بانتظاري، فأَعدو إلى مَكاننا، ولا أَجد البَراحَ ولا آثارَنا التي خَنقتها الطرُقاتُ الإسفلتيةُ وبُيوتُ الناسِ الساهِمين.

أَعدو فترتعشُ النَّملاتُ التي حَفرت بُيوتها في عِظامكَ وتَجري إلى حيثُ ما تَبقّى منك يُحاولُ أن يَعرفني. وأَلمسُ وجهَ الأرضِ فتَسقُطُ النَّملاتُ عند بداياتِ الحَفر. ولا يَذكرني الرملُ والهواجسُ العالقةُ بالأرقام. أَحفرُ فتَجرحكَ أَظفاري التي نَبَتت بعيدًا عنكَ فلم تتعرَّف على طَراوة بَشرتك.

كيفَ آتي بكَ إلى هُنا والقَلبُ صَدِئٌ والحكايا مُقفرة؟

وأنا لم أُحدِّث عنكَ الصحابَ أو القاهِرة، فهناك كُلُّ شيءٍ عاديٌّ، ولا يَعرف عُيوني كلُّ العابرين، ولم يتفحَّصكَ أحدٌ داخلي. كلُّهم رأَوني هكذا: "بِنتٌ فكَّت ضفائرها وخافت جدًّا". والسِّنواتُ كثيفةٌ، ولها حوافٌّ كحدِّ الشَّظايا التي اخترقت جسدَكَ المُرتعشَ الصَّامت.

هل بَكيتَ يا صلاحُ من عَتمةِ القبر وتَذكَّرتني؟ هل تُعاني من كَثافةِ الأرضِ وثِقل البشرِ ونَخر النَّملاتِ وامتداد الجُذورِ من قلبكَ إلى حيثُ اللهبِ عند أبوابِ المدينة؟

هل أُعيرُكَ قَلبي لتَصحو بضعةَ أيَّام، تَمسك يدي وتُعلِّمني العَدَّ إلى ثمانية كما اتَّفقنا، وتَربط أحزمةَ خَصري وتَصنع لي ضَفائر جديدة من جُذورِ جَسدك وتَردّ لي شَرائطي، ثم نُكمل طائرتنا؟

ها أنا أتيتُ لكَ بخَيطٍ طويلٍ وشاقٍّ لسَرد الحكايا، فأَفردْه إلى ما لا نِهاية، ليَأخذنا الورقُ إلى حيثُ نتجاوز نِيرانَ مَدينتنا.

 14 طوبة 6267

في محبة السويس بلدي التي وُلدت فيها وتركت فيها إحدى أرواحي الحقيقية.