زفرت الغرفة رائحة الركود؛ مزيج دوائي من مطهرات المستشفيات وغبار ساكن يرقص في حزم الضوء المتسللة عبر شقوق النافذة الخشبية. في الزاوية، كان "عبد الرحمن" ملقىً، مرسيًا فوق سريره الطبي. جسده، الذي كان يومًا صرحًا من الحيوية، استحال إلى مجرد قشرة صامتة. لقد خذله حبله الشوكي، تاركًا إياه أسيرًا لفراش هوائي يئنّ بانتظام، ولضجيج عالمٍ لم يعد يشعر به.
كانت عيناه هما جمرتا الحياة الوحيدتان اللتان لا تزالان تتقدان؛ تجولان في السقف، تحفظان شقوق الطلاء كما لو كانت خطوطًا لخريطة محرمة. لم يكن الصمت هنا سلامًا، بل كان زئيرًا هادرًا من الأفكار التي ترفض الهدوء.
قطع حدة التوتر نقرٌ ناعم ومنتظم؛ صوتٌ يحفظه عن ظهر قلب. انفتح الباب بصرير خفيف، وظهرت "رقية" تحمل صينية من الحساء الدافئ. كانت ترتدي ابتسامة لم تصل تمامًا إلى عينيها المتعبتين؛ قناعٌ من القوة ترتديه يوميًا لترميم روحه المحطمة.
همست وهي تضع الصينية على الطاولة الجانبية: "صباح الخير يا بطل، لقد شممتُ رائحته من الرواق؛ أعددتُ لك طبقك المفضل اليوم".
نظر إليها عبد الرحمن. حاولت شفتاه محاكاة طيف ابتسامة، لكن الأعصاب خانته. قدم لها نظرة ممتنة انطفأت سريعًا حين وقعت عيناه على ذراعيه الملقاتين بجانبه كقطعتين مهملتين من الخشب.
بمجرد مغادرة رقية، عاد الصمت أثقل مما كان. لم يكن فراغًا، بل مسرحًا تُعرض عليه سيناريوهات "ماذا لو" في حلقة مفرغة وشرسة. حدق في النافذة المغلقة، لكنه لم يرَ الخشب؛ رأى نفسه قبل عام من الآن؛ قويًا، سريعًا، ولا يُقهر.
صرخ في داخله: "أنا لست هذا الجسد! لستُ هذه الكتلة الساكنة التي تحتاج لأن تُقَلَّب كصفحة في كتاب لكي لا يذبل الجلد".
اشتد الصراع الداخلي. جزءٌ منه أراد الصراخ في وجه رقية، ليخبرها أن تفاؤلها يبدو كحبل مشنقة يضيق ببطء. وجزءٌ آخر شعر بذنب ساحق؛ فهي تقضي زهرة شبابها في غرفة تفوح منها رائحة المرض بدلًا من الحياة.
في لحظة يأس محموم، أمر يده اليمنى بالحركة. ركز كل ذرة من إرادته، وحبس أنفاسه حتى نبضت عروقه، متوسلًا حدوث رعشة واحدة فقط. لكن اليد ظلت ميتة فوق الملاءات البيضاء. لم يبكِ بعينيه، بل بكى بقلبه، متسائلًا عما إذا كان البقاء على قيد الحياة هدية حقًا أم سخرية قاسية من القدر.
فجأة، اخترق العتمة صوت غير مألوف. لم يكن طرق رقية، بل كان رنينًا مستمرًا ومنتظمًا آتيًا من الحامل بجانب سريره. إنه هاتفه.
أمال رأسه ببطء مؤلم. أضاء إشعارٌ عتمة الغرفة:
"أنا من كنت أقود الشاحنة في تلك الليلة... أريد فقط أن أقول شيئًا واحدًا قبل أن أغادر".
طرق قلبه بعنف. الوحش الذي يطارد كوابيسه يطرق بابه الرقمي. بعد لحظات، تردد صدى خطوات ثقيلة وثابتة في الرواق. دخل غريب؛ رجل في الثلاثينيات من عمره، يرتدي معطفًا باهتًا وتزين وجهه ندبة متعرجة.
لم يقل "أنا آسف". وبدلًا من ذلك، وضع دفترًا وقلمًا أمام عبد الرحمن.
قال الغريب بهدوء: "كنتُ مثلك منذ سنوات، سجين مأساة جنيتها على نفسي. تعلمتُ أن السجن ليس في جسدك يا عبد الرحمن، بل في صمتك".
كانت كلمات الغريب كلسعات النار. اشتعل الكبرياء، وهو آخر ما تبقى لعبد الرحمن. اقتربت رقية قائلة: "أتريد منه أن يرحل؟ ارمش فقط".
لكن عبد الرحمن لم يرمش. حدق في الدفتر، ثم القلم، وأعطى إيماءة غير محسوسة تقريبًا: ضعوا القلم في فمي.
بيدين ترتجفان، وضعت رقية البلاستيك البارد بين أسنانه. شعر وكأنه يحمل جبلًا. صبّ عبد الرحمن كل ألمه في عضلات رقبته. كان صرير القلم على الورق هو الصوت الوحيد المسموع.
بعد دقائق، ظهر خط متعرج غير مستوٍ:
"أنا... لستُ... ضحية".
ابتسم الغريب ابتسامة مريرة وعارفة: "إذًا أثبت ذلك. الضحايا يبقون صامتين، لكن المحاربين ينحتون أسماءهم في الصخر... حتى لو اضطروا لاستخدام أسنانهم".
أصبح الدفتر الأول مقبرة لآلامه. كتب عن المطر، ورائحة البنزين، وصوت العظام وهي تتكسر. لكنه سرعان ما سئم من الركام؛ أراد أن يحلق.
بدأ في كتابة قصة جديدة... قصة خيالية.
"في مدينة الغيوم، حيث الجاذبية أسطورة قديمة، عاش عازف الريح. لم يكن بحاجة لأقدام تلمس الأرض، لأنه يتحرك مع همسات النسيم...".
وبينما كان يكتب، تحول كرسيه المتحرك في مخيلته إلى سفينة فضائية. لم يعد رجلًا يتكئ على سرير، بل ملكًا لمملكة شاسعة أثيرية. لكن الثمن كان باهظًا؛ ففي كل مرة ينهي فيها فصلًا، كان الانتقال من جديد إلى الواقع وإلى أطرافه الساكنة يشبه السقوط من ناطحة سحاب.
عاد الغريب، لكنه أحضر معه هذه المرة بوابة: نظامًا لتتبع حركة العين.
قال الرجل: "سمعتُ أن بطلك يحلق، الآن ستكون عيناك هما يداك".
لم يعد عبد الرحمن بحاجة للضغط على أسنانه. صار ينظر إلى الحروف على الشاشة فتطيعه. اتخذ لنفسه اسمًا مستعارًا: "الروح المحلقة". نشر فصول قصته عبر الإنترنت، وفي غضون أسابيع، أصبح "عازف الريح" ظاهرة عالمية.
أشاد الناس، الذين لم يملكوا أدنى فكرة عن هويته، بوصفه لـ "انعدام الوزن". أدرك حينها أن معرفته اللصيقة بـ "الثقل" جعلت رؤيته لـ "الحرية" أكثر واقعية من أي شخص آخر.
كان الصراع الأخير داخليًا: هل أنا مخادع؟ هل يحبون القصة أم الحقيقة؟
ذات ليلة، اتخذ قراره. طلب من رقية إعداد كاميرا وبدأ بثًا مباشرًا لملايين المتابعين. لم يتحدث بصوته؛ بل رقصت عيناه عبر الشاشة وهو يكتب في الوقت الفعلي:
"أنا عبد الرحمن. هذا جسدي الصامت، وتلك هي الروح التي كنتم تقرؤونها. مرحبًا بكم في عالمي الحقيقي".
لم يرد العالم بالشفقة، بل رد بزئير من الإعجاب والرهبة. أغمض عبد الرحمن عينيه، ولامست ابتسامة حقيقية شفتيه أخيرًا. لم يعد سجينًا؛ لقد كان "عازف الريح"، والعالم أجمع هو سماؤه.