قبل أن تخرج من غرفتها، توقفت عند الطاولة الصغيرة قرب السرير. تناولت إطارًا خشبيًّا فيه صورة تجمعها مع رجل. كانا يقفان جنبًا إلى جنب، مبتسمين، وخلفهما شجرة بنسيانا مُزهرة. على حافة الصورة كُتب: صيف ٢٠٢١. حدّقت في الصورة لحظة، بابتسامة تعلو وجهها، مرّ إصبعها فوقها بهدوء، ثم أعادتها إلى مكانها برفق.
ارتدت ملابسها، وذهبت لتمشي معه في الحديقة القريبة من بيت والدتها. الشمس تطلّ من بين السُحب الرمادية، والعشب لا يزال مبللًا بعد مطر خفيف. جلسا على المقعد الخشبي القريب من النافورة. أخرج من جيب معطفه قطعة شوكولاتة مغلّفة، وقال مبتسمًا:
لا أفهم كيف سنمضي ما تبقى من عمرنا سويا دون أن تقتنعي بالشوكولاتة.
ابتسمت، تناولتها منه، وقالت:
وأنا لا أفهم كيف ستتزوجني وأنت لا تستطعم الشاي بالنعناع.
لم أحب النعناع، صحيح... لكنني بدأت أعتاد عليه، مثلك تمامًا.
ضحكت، ثم صمتت لحظة. مالت برأسها قليلًا وقالت:
شريف… لم يكن قبلك أحد. لا علاقة، لا حب، لا تجارب.
كنت أظنّ أن الأمر لا يعنيني… حتى عرفتك.
نظر إليها طويلًا. أمسك يدها وأبقاها بين كفّيه. وقال:
اعرف.
همست بعد لحظة:
ربما تأخّرت، أو تردّدت، أو كنت خائفة…
لكني الآن… لست خائفة.
ابتسم، ثم قال:
وأنا أيضًا… لست خائفًا.
في صباح ليلة الزفاف، وضعت الماء ليغلي. سكبته في كوب زجاجي. أضافت الشاي وقليلًا من السكر، ثم حملته إلى الشرفة. اقتربت من إناء الفخار الذي ينمو فيه النعناع. مالت بوجهها عليه، استنشقته، ثم قطفت عودين. مرّت أصابعها ببطء على الأوراق بعد أن قطفتها. وضعت أوراق العود الأكبر في الشاي، وأبقت العود الأصغر بين أصابعها. تستنشقه وهى تشرب رشفة، ثم أخرى. عندما انتهت، وضعت العود الأصغر بجانب الكوب الفارغ.
في المساء، كانت ابتسامة وضحكة شريف حاضرة طوال الحفل. بدت تضحك كطفلة منتشية. تحرّك نحوها وهمس من وقت لآخر، وضغط على كفّها. انطفأت الأضواء في القاعة، وهدأت أصوات التهاني. قبل مغادرة القاعة، اقتربت منها والدتها، وضبطت طرحتها وهمست لها بشيء لم يُسمع.
في جناح الفندق، خلع سترته بسرعة، ثم توجّه نحوها ورفعها. صدر منها صوت ضحك، ثم أخفت وجهها في عنقه. أغمضت عينيها وهي تستلقي رويدًا على الفراش.
في الصباح، استدارت ببطء. انسحب من الفراش. لم يصدر منه أي صوت عالٍ. ارتدى ملابسه، وجلس على الكرسي الجانبي، ينظر إلى الأرض. سألها بصوت منخفض:
ليلى… أأنا لست الأ…؟
لم يُكمل سؤاله. لم تُصدر صوتًا. حرّكت يدها قليلًا فوق الغطاء، ثم ثبتت أنظارها في نقطة غير واضحة. مرّت الدقائق صامتة. قال أخيرًا:
ينبغي أن نذهب إلى طبيبة. أريد أن أتأكد.
وقفت عند حافة السرير. لم تُجب. لم تظهر عليها علامات بكاء. لم تُصدر كلمات دفاع. حين دخل إلى غرفة الملابس، تعلّقت عينه ببطاقته الشخصية الموضوعة على الطاولة، فتناولها ووضعها في محفظته، ثم خرج.
دقائق، باب الغرفة فُتح. عاد، وقال:
هيا، الموعد بعد نصف ساعة.
لم ينظر إليها وهو يتكلّم. خرج قبلها.
في العيادة، جلست الطبيبة أمام ليلى. عيادة واسعة، جدرانها بيضاء مزينة بلوحات تجريدية. الطبيبة، سيدة خمسينية، ذات حضور قوي ونبرة هادئة، طلبت من شريف الانتظار في الخارج، قائلة:
أفضّل أن أتكلم معها وحدها أولًا.
جلس شريف في الخارج على مقعد جلدي بني، بين امرأة تمسك بطفلها النائم، ورجل منشغل بهاتفه. عينه لا تفارق باب غرفة الكشف.
في الداخل، بعد فحص قصير، نزعت الطبيبة قفازها وقالت وهي تنظر في عيني ليلى مباشرة:
لا داعي للقلق... أنتِ ما زلتِ عذراء. بعض النساء يبقين كذلك حتى بعد الزواج.
ابتسمت ابتسامة قصيرة، ثم أضافت:
هذا أمر شائع أكثر مما تظنين، لكنه يحتاج إلى فهم وصبر... من الطرفين.
كتبت شيئًا في الملف الورقي أمامها، ثم ضغطت على زر وطلبت من مساعدتها إدخال شريف. حين دخل، وقفت الطبيبة، نظرت إليه نظرة مختصّة، وقالت:
كل شيء على ما يرام. لا يوجد ما يدعو للقلق.
عند خروجهما من العيادة، لم يتحدث أي منهما. في المصعد، استدار نحوها، وحاول أن يمسك يدها. تركت يدها تتدلّى. قال بصوت خافت:
أنا آسف... لم يكن ينبغي لي أن أشكّ بكِ.
نظرت إليه، ثم تركته ومشت.
في المساء، طرقت أمّها الباب بلطف ثم دخلت الغرفة. رفعت ليلى عينيها نحوها، ثم قالت بصوت منخفض:
نعم، أمي، أنا على ما يرام.
اتجهت بعدها إلى الشرفة. دفعت الباب الزجاجي بهدوء وخرجت. المقعد الخشبي القديم في اليمين، تعلوه مخدّة رقيقة فقدت صلابتها، باهت لونها بفعل الشمس. إلى جانبه منفضة سجائر بها عدة اعقاب، وكوب زجاجي في قاعه أثر شاي جاف، تطفو على سطحه أوراق نعناع فقدت لونها. وقفت أمام المقعد. لم تجلس. نظرت إلى الكوب، ثم حركته قليلًا. لا صوت سوى حركة الهواء بين أوراق النعناع القريبة، ولا حركة في ملامحها. ظلت واقفة، وعيناها تتنقلان بين حافة المقعد، وطاولة صغيرة فقدت إحدى قوائمها. لم تنظر إلى الداخل، ولم تنظر إلى السماء.
في الصباح، وضعت الماء في الغلاية على النار، وسكبته في كوب. اقتربت من إناء النعناع، قطفت عودًا واحدًا، وضعت أوراقه في الشاي، ثم شربت. لم تتغيّر ملامح وجهها، ولم يرتفع صوت. الأوراق التي بقيت في الكوب ظلّت تطفو على السطح حتى أصبحت بلا لون. بعد دقائق، وضعت الكوب الفارغ على الطاولة، وسارت مبتعدة عن الشرفة.