القصة الصحفية فى ليبيا هدرزة قهاوي لـ ( جمال الزائدي ) أنموذجاً

مــــدخــــل:

بداية الكتابة حول موضوع يُعنى بالسرديات يبقى من أصعب التحديات التي تواجه الباحث، والبحث عن عنوان يتناسب ودراسة ظاهرة أدبية معينة ووضعها في إطارها الصحيح ليست مهمة سهلة ولا بسيطة كما يعتقد البعض فهي مهارة لا بد للباحث من اكتسابها بالممارسة ولا يكفي معها شغف القراءة ولا الكتابة ؛بل من الضروري أن يرافقها الصبر والتركيز وامتلاك أدوات البحث المناسبة، فالملاحظ أن الساحة الأدبية في ليبيا تشهد تطور مخيف ومتزايد في عدد الإصدارات لمختلف الأجناس الأدبية، وهذا سبّبَ تداخل واضح في المفاهيم وساهم أيضاً في انتعاش بعض الظواهر الأدبية وبروز أخرى دون غيرها لا سيما مع اتساع دائرة وسائل التواصل الاجتماعي، وقد كان للصحافة في السابق الدور الأكبر في انتشار بعض هذه الأجناس الأدبية لعل أبرزها "القصة القصيرة"، اما في الوقت الحاضر فإن وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور لا يُستهان به في تقديم القصة والرواية بصورة أكثر اتساع وشمولية، وهذا ساعد في ظهور ما سُمي بالرواية الالكترونية، بروز الرواية غيّب بشكل واضح حضور القصة وأصبحت الأضواء مسلطة على الرواية بشكل لافت دون القصة التي تُعد الأساس الذى انطلقت منه السرديات. يعتبر خليفة التليسي أن القصة هي أدب العصر الحديث؛ وأن القصاص الحديث أعمق فهماً وأكثر إدراكاً وأقدر على تصوير حقيقة الصراع الإنساني(1) فالقصة بما تتميز به من تكثيف تُناسب طبيعة العصر المعاصر أيضاً؛ ذلك لأن إنسان هذا العصر أصبح يميل إلى الاختصار والايجاز في كل شيء الحقيقة هذه إشارة مهمة بمثابة تنبؤ إلى إمكانية تراجع اقبال القارئ على "الرواية" في السنوات القادمة إذ من الطبيعي أن يُصبح القارئ أكثر ميولاً للقصة القصيرة تحديداً لما تحويه من سرعة في الوصول إلى حقيقة الحدث وبُعدها عن الإسهاب الذى يُعد أحد مميزات الرواية.

الـجـنـس الأدبي لـلـهــدرزة :

تحديد الجنس الأدبي للنص هي أحد أهم مهام النقد، على ذلك وقبل الولوج في تحليل هذا النص يجب تحديد إلى أي جنس أدبي أو صحفي تنتمي "هدرزة قهاوي"، خاصةً وأن الناشر لم يُشر في معلومات النشر التي ضمنها الصفحة الأولى من "هدرزة قهاوي" إلى نوع السرد الذي تُصنف تحته هذه الهدرزة واكتفى فقط بالتنويه إلى أنها "سرد"! في الحقيقة أنا لا ألوم صاحب دار النشر ولا ألوم أولئك الذين يتخبطون من خلال القراءات القليلة حول هذا النص لتحديد الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه ؛ فلغة النص لغة صحفية وصاحب النص صحفي يُتقن هذه اللغة جيداً واستطاع من خلال هذا النص توظيفها لنقل جزء من واقع معاناة المواطن الليبي ،الذي أصبح أسير المقاهي وأحاديثها ليجعل بذلك من العنوان رمزاً صريحاً دالاً عن حاجة المواطن ليُفرغ ما في صدره من هموم، حيثُ أن لفظة هد رزة لفظة تُستعمل في اللهجة الليبية ويُقصد بها الأحاديث المتنوعة، والهد رزة عند الليبيين قد تكون أحاديث عابرة "توسيع خاطر" كما يقولون أي ترويح عن النفس لينسوا من خلال هذه "الهدرزة" بعض همومهم. السؤال المهم هو: لماذا اعتبر البعض من المهتمين بالأدب والسرد الليبي هدرزة قهاوي رواية.؟، هدرزة قهاوي واقعية جداً بل هي نقل حرفي للواقع بكل تفاصيله، ربما على اعتبار أن الصحافة هي التي أوجدت الرواية الواقعية في الأدب اعتبر البعض أن هد رزة قهاوي رواية، وهذه رؤية تُحترم خاصة وأن الواقعية طاغية على النص، حقيقة من وجهة نظري هذا السرد لا يُمكن أن يكون رواية، ذلك لعدة أسباب، من بينها غياب تسلسل الأحداث والشخصيات بالإضافة إلى أن الأحداث داخل الهدرزة تفتقد إلي التنوع؛ بل هي أحداث شديدة الرتابة، هذا إلى جانب أن الراوي في الرواية يكون داخلياً أو خارجياً أو متعدداً أما في هد رزة قهاوي فهو راوٍ وحيد مشارك في الأحداث، من أولها إلى آخرها ومن جهة أخرى فإن لغة الرواية تميل إلي الإسهاب في الوصف في أحايين كثيرة وهذا ما لا يتوافر في هد رزة قهاوي فلغتها بسيطة ومباشرة وآليات الوصف فيها محدودة. سؤال آخر: إذا لم تكن هد رزة قهاوي رواية فهل تكون قصة.؟ وإذا ما كانت قصة فهل هي قصة أدبية أم قصة صحفية.؟ القصة في عمومها تعتبر أثر من آثار الصحافة، وعلى الرغم من ذلك فإن هناك ما يُسمى بالقصة الأدبية التي تتميز بالتكثيف ومن مكوناتها الأحداث، الشخصيات، الحبكة، البيئة ، السرد الوصف والحوار، كل ما سبق ذكره يحفل بالتكثيف، بالإضافة إلى إسقاطات خيالية داعمة لزيادة قوة الحبكة أما القصة الصحفية فهي شديدة الواقعية؛ ليس للخيال دور واضح فيها؛ لأن الفن الصحفي ابتعاد تام عن الذاتية التي يتصف بها الأدب(2) على ذلك لا يعتمد الكاتب في كتابتها على ذاتيته، والقصة الصحفية أنواع من بينها القصة الخبرية، المقال، التحقيق الصحفي وكل ذلك يُنشر على صفحات الصحف اليومية أو الأسبوعية أو الشهرية، وهذه الهدرزة تركيبة فريدة قصة صحفية متكاملة جُمعت بين دفتي كتاب واحد، وقد يكون هذا ليس بالشيء المعتاد السؤال المُباح طرحة هو: هل يجب أن نُطلق اسم القصة الصحفية على كل ما يُنشر على صفحات الصحف فقط .؟ يُقال:"الصحافة بنت الأدب والقصة بنت الصحافة" فالذي يجعل من القصة صحفية هو أسلوب الكتابة والمفردات التعبيرية المستخدمة من قبل صاحبها، وليس كونها نُشرت على صحيفة أو على غير ذلك من وسائل النشر، فهدرزة قهاوي نُشرت أول ما نُشرت على الصفحة الخاصة بجمال الزائدي على الفيس بوك، ثم أعيد نشرها من قبل دار السراج للنشر، وهذا ما جعل تصنيفها يدخل ضمن " أما قصة "أدبية" قصيرة أو رواية"، لكنها في الحقيقة هي ليست كذلك.لغة الصحافة كما هو معروف لها مفردات خاصة من الصعب أن يتنصل منها الصحفي في حالة ما إذا قرر الكتابة السردية" قصة – رواية"، الصحفيون لهم القدرة على مواكبة الأحداث ووصفها، وتأجيج الرأي العام، إذا ما أرادوا ذلك وقلب الكثير من الموازيين فهم السلطة الرابعة؛ لذلك نجد الزائدي يستخدم العبارات الصحفية التي اعتاد استخدامها من خلال عمله الطويل في مجال الصحافة ابتداءً بالعنوان فهو عنوان جذاب موجز يُخبر القارئ بفحوى النص قبل أن يغوص في غياهبه، بالإضافة إلى اعتماد الزائدي على طرح الأسئلة داخل النص وهذا أسلوب تعبيري صحفي كقوله :"ما يحيرني أنه ما دامت كتابتي وآرائي لا تروقه لماذا يصر على أن نكون أصدقاء على هذا الفضاء؟"(3)،ويستخدم الزائدي السؤال الذى طرحته عن ماهية الجنس الأدبي الذى تنتمي إليه هذه الهدرزة بتكنيك صحفي نقدي داخل النص وذلك بتقديمه كسؤال بديهي قد يخطر ببال القارئ لنصه وإسقاطه على فعل يقوم به ضمن أحداث الهدرزة بقوله: "اتخذت مجلسي أشعلت سيجارة وشرعت في التهام سطور الكتاب غرقت حرفياً في فخ الكتاب الصغير الذى لا اعرف له تصنيفا...أهو رواية تتقمص وجه النثر الشعري...أم مجرد هذيان بلا معنى يحاول صاحبه ان يوحي للقارئ بعبقريته...؟"(4) ما فعله الزائدي بطرحه لهذا السؤال هو بمثابة صراع داخلي بين كونه صحفي ويجب عليه الابتعاد عن الذاتية، وبين رغبته في إظهار الروح الأدبية التي نشأة داخله نتيجة لتعدد القراءات وتنوعها عبر مسيرته الحياتية والمهنية الطويلة.

مقدمة سالم الهنداوي:

المقدمة التي تُوضع عادة كتمهيد تقديراً لقيمة النص واهميته ، هي نفسها توضع أحياناً كمجاملة بين بعض الكُتاب، وهذه المقدمة التي كتبها الهنداوي لهدرزة قهاوي وضمنها عنوان "كتابات في غربة الداخل" لم تكن مجاملة على الإطلاقً، وقد يظهر للوهلة الأولى أن العنوان دلل به الهنداوي على الاغتراب الذى يعيشه الزائدي ؛ ولكن في الحقيقة أن كل من جلس في مقهى الزائدي كان يُعاني غربة وعلى اعتبار أن الزائدي واحد من هؤلاء، فإنه يُعاني مثل معانتهم "غربة"، وليس اغتراب أو استلاب فالاغتراب صفة باتت ملاصقة بكل مُبدع، وقد خلق هذا نوع من الفوقية جعلت من المبدع بعيد عن الواقع المعاش، وكما هو معروف فإن هناك فرق بين الغربة والاغتراب وقد قصد الهنداوي الغربة بمعناها ولم يقصد الاغتراب، لعله فعل ذلك على اعتبار أن داخل كل إنسان وطن بعيد يقطن داخله يهرب إليه في أحايين كثيرة، وهذا ما يؤكده التعريف الذى قدمه الهنداوي لما أسماه "قهوة جمال الزائدي"، على حقيقة الغربة التي يعيشها الزائدي وكل من جلس معه حيث يقول في تعريفه: "هي قهوة كُل الناس الذين عرفهم في الحياة"(5) الجدير بالذكر أن جمال الزائدي شخصية معروفة في الوسط الثقافي والاجتماعي الليبي؛ ولكنه بكل أسف شخصية لم يتعرف عليها الوسط الأكاديمي ولم يقترب منها ليدرس تجربتها الصحفية والأدبية ؛حقيقة لا أعرف جمال الزائدي شخصياً، ولا علاقة تربطني به إلا من خلال ما يكتبه على صفحته الخاصة، من سلسلة "أفيكوات"، التي أصبحت تُمثل بالنسبة لي على الأقل صحيفة صباحية أبدأ بها يومي، هذه الأفيكوات يتعرف القارئ من خلالها على جمال الزائدي الإنسان المثقل بهموم يومه ووطنه ومهنته "الصحافة" التي انظم إلى مؤسستها عام1998، ما جعل من مهمة الكتابة عن هدرزة قهاوي مهمة صعبة وأخذت مني وقت أطول من المتوقع ؛ حيث يجب أن أقدم شيء يليق بحفاوة الحزن وألم الواقع ولغة الوجع التي كتب بها الزائدي هذا النص.لخصت المقدمة التي كتبها الهنداوي الوجع الذي انطلق منه الزائدي للكتابة، لعل القارئ للنص لا يلحظ أي أخيلة اصطنعها الكاتب، بل أعتمد الزائدي على فلسفة نقل الواقع بحذافيره بكل أوجاعه، وهذا ما جعل النص "قصة صحفية"، الهنداوي يُؤكد ذلك بقوله عن الشخصيات التي اختارها الكاتب لتجلس معه في المقهى وتشاركه الهدرزة:"كان رفاق جمال الزائدي يشبهون بعضهم في الكدر، ويشبهونه في الوجع والهذيان"(6)، الهذيان كلمة استخدمها الهنداوي ربما "تقية" يحمي بها الزائدي من أعداء البوح بالوجع، وهو الذي يعلم جيداً تبعات ذلك. استخدمت الأنظمة الحاكمة في ليبيا قبل فبراير وبعدها (بو سليم) سلماً تستغل به قلة حيلة المعوزين والمحتاجين والمهضوم حقهم، وقد اعتبر الهنداوي جمال الزائدي محظوظاً بخروجه من هذا الحي البسيط داخل مدينة طرابلس؛ ليُعبر عن معاناتهم وحقهم في الحياة الكريمة يقول:"وجمال الزائدي كان محظوظاً دون سواه بخروجه الاستثنائي من حي بو سليم حافياً مع الحُفاة، بحثاً عن حذاء يدخل به المدينة"(7)، استخدم الهنداوي كلمة "الحذاء" هنا للدلالة على بحث الزائدي عن وسيلة فلسفية كونية إن صح التعبير تحميه من المخاطر وهو يسلك طريق الحرية الفكرية للتعبير عن ما يعانيه أبناء حي بو سليم وغيرهم من الأحياء البسيطة، كما استخدم الكاتب الليبي سالم الهنداوي "الحذاء" وجعله اسما لقصةٍ قصيرة كتبها أسماها "ماسح الأحذية، ضمن مجموعته القصصية "ضلال نائية" الصادرة في بيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر1999؛ ولكن جاء استخدامه للحذاء في هذه المجموعة القصصية تعبيراً منه عن تغريبته على الأرصفة المختلفة(8) واستخدام الهنداوي للحذاء هنا في هذه المقدمة قد يكون هو أيضاً تعبير منه عن التغريبة التي يعيشها الزائدي والبسطاء الذين يتحدث باسمهم على أرصفة شوارع وطنهم "ليبيا"، وبذلك يربط الهنداوي بين عنوان المقدمة وقصدية الزائدي من هذا النص بحرفية أدبية عالية.

وقوع القصة الصحفية ضمن دائرة التكرار:

بقصد أو غير قصد وقعت القصة الصحفية "هدرزة قهاوي" ضمن دائرة التكرار(9) التى تُعد من أبرز النتائج المهمة التي توصلت إليها دراستي حول الواقعية السحرية في الرواية الليبية، حيث تتبعت الدراسة الواقعية السحرية في رواية ثلاثية الفينيكس لـ(محمد المغبوب) محاولة الإجابة عن سؤال ارتكزت علية إشكالية البحث هو: لماذا يقع النص العجائبي ضمن دائرة التكرار.؟ وقد يتعجب القارئ ويسأل ما علاقة هدرزة قهاوي بالعجائبية والواقعية السحرية.؟ مبدئياً التكرار تقنية ممكنة الاستعمال في النصوص السردية كافة سواء أكانت رواية أم قصة ويستعين الكثير من الكُتاب بالتكرار اللفظي على وجه الخصوص ليُدللوا به عن رتابة الحياة أو على الغربة والاغتراب الذي يُعانيه المبُدع وهذا ما فعله الزائدي فقد اعتمد على التكرار بشكل لم يُبالغ فيه بل جعله في حدود المعقول المقبول كل ما فعله هو تكرار بعض الألفاظ التى عبر بها عن رغبته في الحياة ورؤيته لبريق الحب وحلمه بأن يعم السلام ربوع ليبيا، من الكلمات التي كُررت بشكل ملحوظ داخل النص "الحياة، الحب، السيجارة، مقهى الاورورا، الخوف، الموت، النار، الحزن." بالإضافة إلى قهوة الزائدي "المعدلة"، كأس القهوة ومقهى الاورورا بالذات أوجدا للنص مركز اتصال مباشر بالواقع، قد لا يعي الزائدي أن هدرزته هذه تلامس حساسة روح المتلقي وتدفع بالقارئ عنوتاً للنظر إلى قاع الواقع المرير الذى يحاول أن يتعايش معه مُرغماً. اللمسات السحرية في الهدرزة حاضره لكنها ليست بالشكل المعتاد، فرضت السحرية حضورها في ذهن القارئ، تُلامس حساسة روحه بواقعية النص الصارخة، في وجه الحقيقة التي يُحاول الكثيرون غض الطرف عنها وتجاهلها، الهدرزة تبين كيف أصبحت الحياة السعيدة الهنية تُعد حياة عجائبية بالنسبة للمواطن الليبي الكادح، يظهر ذلك من خلال أنماط السرد العجائبي التي تصادف القارئ داخل النص، وانماط السرد العجائبي أنواع منها:1-السرد اللاحق.2- السرد المتقدم.3- السرد المتزامن.4- السرد المدرج. (10)، وفى هذه الأنماط تتحقق البِنية السردية للنص العجائبي (11) لعل أكثر ما يُصادف القارئ عند اطلاعه على هدرزة قهاوي من هذه الأنماط هو السرد اللاحق أو ما يُسمى بالسرد "الاستذكاري" ونشأ هذا النوع من السرد من الملاحم القديمة وأنماط السرد الكلاسيكي(12)، نجد هذا النمط في الصفحة115 عند قول الراوي: "الآن وانا أجلس وحيدا إلى طاولتي بالمقهى الجديد الذي اكتشفته مؤخرا محاولا استرجاع تفاصيل حلم الليلة البارحة.." يقابله قوله في الصفحة117: "فيما المطر والريح في الخارج يشكلان خلفية مناسبة، أشعلت سيجارة أخرى وطلبت قهوة جديدة محاولا استحضاره من غبش الحلم الذي راودني الليلة البارحة.. كنا متقابلين بيننا طاولة صغيرة.. لأول مرة يأتيني أبي جمعة الزائدي في منامي مبتسما طلق المحيا.."،هذا النوع من النمط "السرد اللاحق" يساهم بشكل كبير في اتساع دائرة التكرار داخل النص السردي وذلك لأنه يُستخدم بغرض التذكير(13) لعل هذا ما أوجد مجالاً للتناص مع العديد من السور القرآنية داخل الهدرزة منها التناص مع سورة يوسف وسورة القصص في قول الراوي داخل النص: "إن من أعاد لروحي بعض سلامها هذا المساء قادر على أن يعيد ليبيا من غيابات الجب.."هذا القول هو تناص مع أول قوله تعالى في سورة القصص:﴿إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٖۚ ٖ٨٥﴾ [القصص: 85] وقوله تعالى في سورة يوسف:﴿قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ لَا تَقۡتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلۡقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ يَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ١٠﴾ [يوسف: 10] ، وهذا تناص قرآني مركب، والسرد اللاحق هو استذكار لغرض التذكير وهذا ما تقوم به العديد من الآيات القرآنية، نجد نموذج آخر للتناص القرآني وكان تناص مع سورة الأنبياء في قوله تعالى:﴿يَوۡمَ نَطۡوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلۡكُتُبِۚ كَمَا بَدَأۡنَآ أَوَّلَ خَلۡقٖ نُّعِيدُهُۥۚ وَعۡدًا عَلَيۡنَآۚ إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ١٠٤﴾ [الأنبياء: 104] وذلك في قول الراوي داخل النص فى الصفحة58:"حتى إننا نتمنى عن جهل ورعونة أن تطوى الليالي نفسها كطي السجل للكتاب"، وتناص مع الحديث النبوي الصحيح"يا أيها الناس ألَا لَا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى" في قول الراوي في الصفحة143:"لا فضل لغرباوي على شرقاوي ولا لشرقاوي على فزاني ولا لفزاني على غرباوي إلا بالانتماء والانحياز لقيم المدينة والوطنية..." كل ما سبق من تناص هو للتذكير والعضة وهذا ساهم في سهولة إيجاد نمط من أنماط السرد العجائبي وهو "السرد الاستذكاري" لذلك كان النص عجائبياً.

خــــــتـــــامـــــاً:

هدرزة الزائدي مليئة بالأرقام التي تُعد سيمائياً رموز يجب تحليلها، أتمنى أن يهتم الباحثون بذلك فهذا المقال رغم محاولتي من خلاله الغوص في أعماق النص، إلا أنه جاء مختصراً من وجهة نظري، حتى أني فكرت كثيراً في تحويله إلى ورقة بحثية، عموماً استثمر الزائدي اللغة الصحفية التي يُتقنها استثماراً جيداً؛ ليلفت بذلك الانتباه إلى جنس أبداعي يُعتبر مسكوت عنه في ليبيا ، وهو "القصة الصحفية"، حقيقة يحتاج القارئ الليبي لهذا النوع من الكتابات التي تُعبر عن واقعه المعاش، المشكلة التي قد تواجه القارئ الناقد عند تعامله مع هذا النص هو رغبة الزائدي التي تظهر جلية منعكسة فيه، في أن يكتب رواية أساسها قصة قصيرة، وهذا ما لامسته من خلال قراءتي وما أكده الزائدي من خلال تدوينة كان قد تداولها على صفحته الخاصة عبر منصة الفيس بوك يوم 29 ديسمبر2025، في الحقيقة أن ما يكتبه الزائدي قصة صحفية لا تخلو من السمات الأدبية، وهذا واضح من خلال أنماط السرد العجائبي التي تم رصدها من خلال هذا المقال، على كل حال يبقي النص رهن إشارة القارئ يقلبه يحلله يفككه كيف ما شاء، أما تحديد جنسه فهي مهمة نقدية لا يمكن تجاوزها بأي شكل من الأشكال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- خليفة التليسي - رحلة عبر الكلمات -ط2-1989 – الشركة العامة للنشر والتوزيع.
2- إبراهيم الطائي - بين القصة الصحفية والقصة الأدبية – رسالة ماجستير – ص6.
3- جمال الزائدي – هدرزة قهاوي - ط1 2023- دار السراج للنشر والتوزيع- ص112
4- نفس المصدر السابق – ص102.
5- نفس المصدر السابق -ص4.
6- أحلام العيدودي - رسالة ماجستير- فاعلية الواقعية السحرية في الرواية الليبية دراسة نقدية ثلاثية الفينيكس لـ (محمد المغبوب) أنموذجاً.
7- ينظر نفس المصدر السابق.
8- نفس المصدر السابق.
9- نفس المصدر السابق.
10-السرد الغرائبي والعجائبي في الرواية والقصة القصيرة في الأردن من عام 1970إلى2002-ص26.
11-ينظر رسالة ماجستير- فاعلية الواقعية السحرية في الرواية الليبية دراسة نقدية ثلاثية الفينيكس لـ (محمد المغبوب) أنموذجاً.
12-نفس المصدر السابق.
13- نفس المصدر السابق.