عنوان جديد لكتاب أحمد صفا النقادى الذى يشرح فيه الأبعاد الإنسانية المحتملة فى ظل تسود تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى...
لقد فطرنا على أن الإنسان هو أرقى مخلوقات الكون بما أنعم الله عليه من سمو عقلى وروحى..لكن تأتى التكنولوجيا الرقمية لتزلزل تلك المسلمة الأزلية وتضع مستقبل العقل البشرى على المحك...
هل يزول الأنسان؟ الكتاب يطرح تأملات روحية ووجودية يجب أن ننظر إليها بجدية خلال الشهر الكريم...
منذ عدة سنوات قرأت بحثا هاما عن مستقبل التكنولوجيا الرقمية ودورها فى مستقبل الإنسان: جاء البحث ليشير أنه ليس هناك شىء يمكن أن نطلق عليه معجزة..فالمعجزة مهما بلغ مقدار إدهاشها للبشر،فإنها تنطوى على أسرار علمية خطيرة. دلل البحث على ذلك بإحتمالية أن أعجوبة نقل عرش بلقيس ملكة سبأ من اليمن إلى القدس لم يكن إلا معجزة تكنولوجية رقمية قامت على تحليل وتفكيك جزيئات العرش وإعادة تركيبها مرة أخرى فظهر العرش بنفس شكله تقريبا فى مكان أخر...
انتقل البحث بعد ذلك إلى أن تلك التكنولوجيا يعمل عليها حاليا فريق كبير العلماء وتعرف بــ (...Teleportation)
أى نقل جسم بأكمله من مكان إلى أخر مهما بلغ حجمه ومهما بعدت المسافة بينه وبين المكان الأخر من خلال تلك التقنية..لن أخوض فى التفاصيل لكننى لم أكن أتصور أنها قد تصبح واقعا شبه ملموس فى القريب العاجل ـــ أى أقل من عشر سنوات ــ وذلك بعد أن بدأ العالم يروج ثم يستخدم ما يُعرف الآن بالذكاء الاصصناعى...
بدأ الأمر معى عندما حلت طبيبة بريطانية ضيفة شرف على كلية طب القاهرة وحاضرت عن دخول الذكاء الرقمى فى العلاج الحديث: قالت قريبا جدا تصبح فرشاة الأسنان رقمية بحيث ترشدك فى التو واللحظة عن أى خلل فى الأسنان واللثة والمرحاض يشير من البول والبراز على أى عطب فى جهازك الهضمى..القائمة التى عرضتها لم تكاد تنتهى حتى تركتنا فى حالة من الارتباك..هل صحيح ما تبوح به!
ربما تحقق ذلك بعد سنوات قليلة فى الأوساط التى تتحمل تكلفة التكنولوجيا وفى العيادات والمستشفيات المتقدمة.. لكن اليوم يطل علينا الذكاء الاصطناعى ليستبدل الإنسان بالآلة التكنولوجية فى جميع المجالات: فى الطب يشخص ويعالج..فى الميديا يجمع المعلومات ويحررها ويسوقها ويصنع الوثائقيات التى تصاحب التقارير الصحفية..يقود السيارات والحافلات..يقوم بكل المهام الزراعية فى القرى..يجمع المعلومات لاخراج البحوث ويقوم بالتدريس..يقوم آليا برسم التصميمات المعمارية..القائمة طويلة لا تنتهى ما يدفعنا إلى أن نتساءل:
أين الإنسان وما هى وظيفته فى خضم هذا التقدم المخيف؟
يجيبنا باستفاضه عن هذا السؤال الباحث والصديق الأستاذ أحمد صفا النقادى فى أول كتبه
(ابق إنسانا..ابق سيد الكون..الذكاء الاصطناعى والمستقبل)
ربما كان هذا البحث الأول من نوعه على الأقل بالعربية، الذى يتناول الذكاء الإصطناعى من وجه نظر إنسانية وجودية بحتة فى حين امتلأت أرفف المكتبات بمؤلفات تمد القراء بالمعلومات عن تقنيات تلك التكنولوجيا الجديدة واستخداماتها العملية..النقادى خبير دولى فى الإدارة والحوكمة والإمتثال التجارى،له خبرة تتجاوز الخمس والثلاثين عاما فى مجالى الطاقة والتكنولوجيا عمل خلالها مع شركات عالمية رائدة وتقلد مناصب قيادية على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية..ما أهله أن يسهب فى قضية بالغة الحساسية كهذه: ما مصير البشر على الأرض والذى فاق تعدادهم السبع مليارات إذا ساد الذكاء الاصطناعى !! فى دائرة صفراء على يسار الغلاف كتب داخلها: (إلى أين نحن ذاهبون؟)
الكتاب يبدأ بعرض قصير لأهم محتويات العمل وتلك فكرة رائعة من جانب المؤلف إذ يفك من خلالها هذا التعقيد الذى يكتنف موضوعا جديدا ومعقدا كهذا:شرح مبسط للقضايا التى يتناولها بالتفصيل فى الفصول التالية..أهم ما أشار إليه فى المقدمة بعض ركائز تقنيات الذكاء الاصطناعى المتمثلة فى الأوليات التى نستخدمها حاليا على شاشات الانترنت كالكتابة والتحليل وتصميم الصور والفيديوهات ثم الأساسيات المعقدة التى يعكف الخبراء على العمل عليها حاليا والتى ترسم مستقبل التكنولوجيا الجديدة وتأثيرها على المجتمعات...
تسود رؤية الكاتب مسحة تشاؤمية إذا أصبح لتلك التكنولوجيا اليد العليا: الفرد يشعر بفقدان هويته وتنتشر الأمراض النفسية..تتوتر العلاقات الأسرية وينتشر الحرمان من التعليم..مجتمعيا: يحدث فقر متزايد وتختفى الطبقة الوسطى..سياسيا تهتز الثقة بالحكومات وتتصاعد الحركات الشعوبية..أما على مستوى الاقتصادى فتزداد الانتاجية مقابل إنخفاض حاد فى الاستهلاك.. جميعها تنبؤات تشى بأن تتحول حياة الإنسان إلى نوع جديد من السخرة حيث تُسلب منه قدرتا العقل والقوة البدنية فى آن واحد فيضحى بلا هدف فى الحياة ولا عمل غير ذلك الذى تمليه عليه التكنولوجيا الجديدة...
وهذا تماما ما تعنيه كلمة (الروبوت) أو الإنسان الآلى الذى كان أول شكل من أشكال الذكاء الاصطناعى الذى تطور عبر العقود الماضية بإضافة نسخة من العقل الإنسانى المصنع إلى الآلة لتقوم بكل مهمات الفرد وهو ما يطلق عليه النقادى (الروبوتية الحديثة).. وهى كما ورد فى الكتاب مصطلح يستلهم جذره من كلمة (روبوتا) التشيكية وتعنى السخرة...الكلمة وردت أول مرة فى مسرحية للكاتب التشيكى (تشابك) التى تخيل فيها مجموعة من الكائنات شبيهة بالبشر لا مهام لها سوى العمل الدؤوب دون تعب أو كلل ليحلون محل الإنسان..لا عقل ولا إرادة لهم..وكأن الكاتب بالبحث عن جذر الكلمة وأصلها يشير إلى ما قد يؤول إليه مستقبل الإنسان فى ظل تسود الذكاء الاصطناعى...شىء فعلا مخيف...يقول المؤلف:"الذكاء الاصطناعى الفائق غير المتوائم مع القيم الإنسانية قد يؤدى إلى إنقراض البشر أو إنقراض مستقبلهم بشكل دائم لا رجعه فيه..."
يطوف بنا الكتاب حول قضايا أخرى متعددة ربما لا يتسع المجال هنا للخوض فيها وتتمثل أهمها فى تأثير الذكاء الإصطناعى على مستقبل الرأسمالية التى تعتمد أساسا على اليد العاملة وتوزيع الأجور والأهم ذلك النقاش المستفيض حول إمكانية توحيد كلمة العالم على كود أخلاقى ينظم العمل بالتكنولوجيا الجديدة ويحد من مخاطرها، فهل يأتى إعلان جديد لحقوق الإنسان فى ظل انتشار الذكاء الاصطناعى؟ أشك...
يختتم الكاتب مؤلفه بفصل يحمل عنوان الكتاب ( ابق حرا..ابق إنسانا..ابق سيد الكون)..هو فى رائي نداء يأس إلى عالم أصبح يلهث وراء الأسهل ووراء ما يوفر عليه استهلاك الجهد والطاقة..يشدد الكاتب على أن: "الروبوتات اليوم تستطيع معالجة كما هائلا من البيانات واتخاذ قرارات معقدة ضمن ما برمجت عليه...لكنها لا تمتلك وعيا ذاتيا ولا ضميرا أخلاقيا ولا حياة بيولوجية ولا خبرة شعورية تجعلها تتحمل المسؤولية الأخلاقية كما يتحملها الإنسان..."
بالطبع ذلك من المسلمات إلا لو تمكن الخبراء من إضفاء الشق الروحى إلى عقل الإنسان المصنع وتلك معجزة من معجزات الخالق عز وجل و لا قبل للإنسان بها..ما يشير إلى أن الطريق ما زال عسيرا أو مستحيلا أمام الإنسانية فى أن تنجح فى إنجاز تلك المعادلة..فعلا المخاوف كثيرة والتوقعات مريبة ولكن فى ظل هذ التوجس يمكننى أن أبدى تلك الملاحظات:
أولا: رغم ما نقرأه كل يوم عن بناء صروح مهيبة لأجهزة الذكاء الاصطناعى فى بلدان العالم المتقدم ولدى أثرياء بلدان الخليج، إلا أن جميع ما ستفضى إليه التجربة يبقى فى طى التكنهات..على شاشات الأخبار والبرامج العلمية يُعرض دور تلك التكنولوجيا مصحوبة بعلامات استفهام عديدة حول إمكانية تطبيقها تطبيقا كاملا..على الأقل فى القريب العاجل...
ثانيا: التنبؤات حول أنها أداة الحروب الجديدة للتحكم فى عقل الإنسان! غير أننا نسمع اليوم أنها دخلت المعركة بين إسرائيل وإيران! فهل يعنى هذا أن الحروب ستنتهى مع انتشار الذكاء الإصطناعى؟ لا..فالحروب الدائرة اليوم تهدف إلى التحكم فى الموارد المعدنية والطاقة البترولية المستخدمة فى تشغيل آليات الذكاء الاصطناعى..فكيف يمكن الاستمرار فى عمل تلك الآليات فى حالة غياب هذا الكم الكبير من الطاقة أو فى حالة الصراع الدموى عليه!!!
ثالثا: يشير الكاتب إلى أن الدماغ البشرى يعمل بمقدار 12 -20 واط لإنجاز عمليات معقدة، بينما يستهلك الذكاء الآلى مئات الواطات لإنجاز بعض العمليات المحدودة..وأغلبها حتى الآن يعتمد على شبكة الإنترنت العنكبوتية، فماذا لو نحينا الإنسان جانبا واعتمدنا على الــ (إيه أى) وتعطلت الشبكة نهائيا أو دمرت أو؟ أو؟ أو؟ عندئد سيقف العالم دون إنسان أو آلة ولن نستطيع الرجوع حتى إلى المربع صفر...
رابعا: مع كل التداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المصاحبة للتكنولوجيا الجديدة، هل تسمح الحكومات بالأخص فى دول العالم الثالث بتعميمها؟ أعتقد أن القضية تحتاج إلى بحث متعمق..ثم إن إعلان الكود الأخلاقى الجديد بشأن حقوق الإنسان ما هو إلا ضرب من ضروب الخيال، فالدول الإستعمارية الكبرى فى الماضى واليوم هى التى تصنع آليات الذكاء الاصطناعى ومن الصعب أن نتخيل أنها ستلتزم بمبادىء العدالة وتوزيع الثروات بعدما عكفت قرونا على استعباد وإذلال الشعوب فى آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية...الرؤية ضبابية ولكنها قاتمة...
خامسا وأخيرا: فإذا كان من المتوقع أن تمتلك التكنولوجيا الجديدة تلك القدرات الخارقة، فهل يمكنها أن تبنى لنا أهرامات جديدة كأهرامات الجيزة وتحفر مقابر ذات جدران خلابة كالتى تزخر بها الأقصر وسقارة وترفع معابد كالكرنك ودندرة وتصنع تماثيل عملاقة كالتى تزدان بها أنحاء المتحف المصرى الكبير؟؟؟؟
ربما ولكن هذا قد يرجعنا مئات القرون إلى الوراء..فإذا كان هذا صحيحا، فهل عرف الفراعنة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى!!!
ابق حرا..ابق إنسانا..ابق سيد الكون
بقلم: أحمد كفافى - في: الأربعاء 11 مارس 2026 - التصنيف: عرض كتب
فعاليات
عرض ومناقشة مسرحية التذكر (Mnemonic)
يناير 24, 2026
تم عرض ومناقشة مسرحية التذكرعبر تطبيق ZOOM ،...
الصوفية ما بين التفكيك والنظرية
سبتمبر 11, 2025
حوار وندوة دينيه وعلميه حول التصوّف ونشأته و...
محمود سعيد رائد الفن التشكيلي
سبتمبر 20, 2025
تمت هذه الندوة يوم السبت 20 سبتمبر، 2025 ، تستطيع...
الجليد لصنع الله ابراهيم
يونيو 26, 2025
تمت مناقشة رواية الجليد 26 يونيو 2025 ونشكر ا...
