بقلم: عبد اللطيف مبارك
كانت السماء فوق القدس تتشح بظلال رمادية كئيبة حين انطلقت صافرات الإنذار. لم يكن مجرد صوت؛ بل كان نصلاً يمزق الصمت الثقيل في الزقاق الضيق. بالنسبة لـ "آرثر"، لم يكن الصوت جديداً، لكنه في هذه المرة حمل وزناً مختلفاً—ثقلاً جذب عظام نفسه قبل جسده.
اتكأ بكل قوته على عكازه المعدني، ذلك الرفيق البارد الذي بات جزءاً دائماً من هويته الجديدة. ارتجفت ساقه اليمنى بطاقة عصبية، بينما على اليسار، كانت ثنية سرواله ترفرف بخواء فوق الفراغ. بدأ يهرول نحو الملجأ القريب، ووقعُ اصطدام المعدن برصيف الحجارة يضبط إيقاع ذعره.
كانت كل خطوة بمثابة معركة ضد الجاذبية. تصبب العرق من جبينه، وبحثت عيناه بيأس عن الباب الحديدي الثقيل للمخبأ. مرّ به المشاة كأطياف عابرة—أجساد كاملة، تتحرك بسلاسة لم يعد يمتلكها. كان سجيناً في بطئه الخاص.
أخيراً، وصل إلى المدخل الضخم. ألقى بثقله عليه، لكن يده انزلقت على السطح البارد، وسقط على الأرض الصلبة. في تلك اللحظة، تسمرت عيناه على بقعة داكنة على حافة الباب الحديدي—بقعة صدأ تشبه بشكل مرعب دماءً جافة. تجمد آرثر؛ لم يعد يرى الملجأ، بل رأى غزة.
انهار الزمن، جره إلى الوراء لأشهر خلت. كان الضجيج هناك مختلفاً؛ لم يكن عويل صافرات رتيب، بل كان عواء الطائرات وهدير الدبابات التي كان يقودها يوماً ما. داخل الهيكل الفولاذي لدبابة "ميركافا"، شعر آرثر بأنه لا يقهر، يشاهد العالم عبر عدسات تقنية عالية كأنها لعبة رقمية.
تذكر زقاقاً بعينه في الشجاعية. كان الهواء كثيفاً بخرسانة مطحونة، والبيوت تتهاوى كأنها بيوت من ورق.
توقف خلف منظاره الحراري، ليرصد حركة وسط الضباب. طفل، لا يتجاوز السادسة، كان يجلس فوق كومة من الحجارة كانت يوماً غرفة معيشة. كان الصبي يبكي بنحيب صامت ومروع، متشبثاً بطرف ثوب يبرز من تحت كتلة خرسانية ضخمة. كان ثوب أمه؛ التي اختفى صوتها قبل دقائق. وبجانبها، كانت يد والده ظاهرة، وقد تحولت للرمادي بفعل الرماد المتساقط.
لم يشكل الطفل أي تهديد؛ كان مجرد شظية من حطام بشري. لكن الأوامر كانت "تطهير المنطقة". ضغط آرثر على الزناد. لم يشعر بارتداد الرشاش؛ بل شعر ببرودة مفاجئة وجوفاء وهو يراقب القوام الصغير يتلاشى في سحابة جديدة من الغبار والموت.
بينما كان آرثر يطل لاحقاً من فتحة الدبابة، منتشياً بشعور زائف بالتفوق، لم يلحظ الظل المتسلل من خلف جدار محطم. لم تكن طائرة أو صاروخاً؛ بل كان شاباً يحمل عبوة بدائية وروحاً لا تعرف الخوف.
أُلقيت القنبلة. سقطت بدقة جراحية داخل الفتحة المكشوفة. في تلك الأجزاء من الثانية، رأى آرثر وميضاً أبيض خاطفاً، وسمع هديراً أسكت كل صوت آخر في العالم إلى الأبد.
استيقظ في المستشفى ليجد أن عالمه قد تقلص. لم يعد ذلك الجندي الذي يهز الأرض بخطواته؛ بل صار بقايا إنسان. بتروا ساقه من فوق الركبة لأن الشظايا لم تترك للجراحين خياراً آخر.
كان "الألم الشبحي" في طرفه المفقود يذكره كل ليلة بصرخة الطفل الصامتة. ركام ذلك المنزل صار ضريحاً لعائلة، وسجناً لعقله.
وبالعودة إلى القدس، ظل آرثر منبطحاً على الأرض أمام باب المخبأ. كانت الصافرات لا تزال تصرخ، لكنه توقف عن محاولة النهوض. تمددت بقعة الصدأ على الباب في مخيلته، لتصبح بحراً من الدماء يلطخ يديه.
شعر أن ساقه المفقودة كانت الثمن—لكنه ثمن بخس—مقابل الأرواح التي أزهقها. كلما حاول الاتكاء على عكازه، شعر كأنه يغرزه في صدر الصبي الذي قتله.
همس لنفسه: "لماذا فعلت ذلك؟" بينما كان الناس يتخطونه للوصول إلى الأمان. الأمان؟ أي أمان يوجد لقاتل يسكن ضحاياه أحلامه؟
تذكر وجوه الوالدين تحت الأنقاض، مدركاً أن الغبار الذي غطاهم هو الغبار نفسه الذي يلطخ ملابسه الآن وهو يزحف على رصيف القدس. لقد أخذت الحرب ساقه، لكن الجريمة بترت روحه.
انحنى رجل عجوز، ممسكاً بيد آرثر ليساعده على النهوض. نظر في عيني آرثر، اللتين كانتا متسعتين برعب بدائي. لم يرَ العجوز بطلاً عائداً من الجبهة؛ بل رأى حطاماً. دخل آرثر الملجأ وجلس في زاوية، يضم عكازه إلى صدره تماماً كما تشبث الطفل بثوب أمه.
توقفت الصافرات، وحل صمت ثقيل داخل المخبأ. لكن داخل رأس آرثر، كان الانفجار مستمراً. أدرك في تلك اللحظة أن الملاجئ تحمي الأجساد من الصواريخ، لكن لا يوجد ملجأ في العالم يمكنه أن يحمي رجلاً من ذاكرته.
جلس هناك، يحدق في الفراغ حيث كانت ساقه، مدركاً أن عرجته الحقيقية لم تكن في جسده، بل في حياة سيطار
دها للأبد دم الأبرياء.