فاسدة أخلاقيا وأفتخر

     بقلم د. منى نوال حلمي

يتكلمون عن حقوق الانسان ، والحريات ، والمواطنة .... يمدحون دور القوة الناعمة فى التميز الحضارى .... لكنهم ينتجون ، ويصنعون ، " مقصا " حادا ، يقطع فى جسد الأعمال الفنية والابداع ، يسمونه جهاز " الرقابة " .

     ماذا تعنى الرقابة ؟. ومنْ يعطى الضوء الأخضر ، لجراحات البتر والقص والاستئصال ؟.

انها ثقافة " الخِتان " نفسها ، التى تنتهك وتشوه جسد الطفلة الأنثى ، للسيطرة على قدراتها وشهوتها الجنسية ، وتحويلها الى المرأة " المثالية " ، قطعة لحم  " مِشفية " ، " مخلية " ، أية شوائب ، يمكنها أن تعوق التهام الذكور ، أو تنغص عليه حقهم الشرعى المقدس " النكاح " مدفوع الأجر مسبقا .

    الرقابة على الابداع والفن ، جريمة " خِتان " مكتملة الأركان ، لها الهدف نفسه ، وهو السيطرة على القدرات والشهوات الفنية المبدعة ، لتصبح العمل " المثالى " ، " المِشفى " "المخلى " ، من " أشياء " تثير حفيظة حُراس الموروث ، و " تستفز مشاعر الجماهير"، وتقودهم الى ما لا يُحمد عُقباه . 

      لا أعرف منْ الذى اخترع جملة " استفزاز مشاعر الجماهير " ، التى أصبحت مؤخرا ، سيفا ارهابيا على الفكر والفن . منْ هؤلاء الجماهير ؟. ومنْ يمثلهم ويتكلم باسمهم ؟. وكيف عرف مشاعرهم .. هل أجرى استطلاعا للرأى ؟. وما هذه  " المشاعر " التى تُستفز من فكرة  ، أو مسرحية أو قصيدة أو فيلم ، أو أغنية ، أو برنامج ، أو صورة ، أو لوحة ، تعرض مادتها علنا ، بشكل سِلمى ؟.

      وماذا عن الناس ، المواطنات والمواطنين ، فى الوطن نفسه ، يتذوقون بشكل آخر ، ولا " تُستفز مشاعرهم " ؟. لماذا نضحى بما يحبونه ؟. لماذا نحرمهم من مشاهدة ابداعات وفنون مصرية ، تثير الأسئلة المحظورة ، تفتح نوافذ الدهشة ، تطلق قدرات محبوسة .

    الناس الذين يريدون خنق الحريات المدنية ، وانتهاك حقوق الانسان ، والمتاجرين بالأديان والأخلاق ، لدينا معهم تاريخ طويل . مثلا ، هم يستخدمون جملة " حتى لا تُستفز مشاعر الصائمين " ، لاصدار قرار يحظر قانونا ، " الجهر بالافطار " ، و" فتح المطاعم " فى نهار رمضان ، وتكون هناك عقوبة الحبس ، ودفع غرامات مالية ، على المخالف .

ويستخدمون " حتى لا تُستفز مشاعر المؤمنين " ، لعدم " الجهر بترك الدين أو الالحاد ". ويستخدمون " حتى لا تُستفز مشاعر الذكور " ، لتغطية النساء ، لتبقى مشاعرهم  طاهرة  نظيفة ، فى الحفظ والصون . ويستخدمون " حتى لا تُستفز مشاعر الزوج " ، عندما  يهاجمون تمرد الزوجة على سحق انسانيتها ، واذلالها .

     الحل المتحضر العادل  ، فى كل الحالات ، هو أن يُعاد ترويض وتربية وتأهيل " المشاعر المستفزة " بحيث تتخلص من الانحيازات الاقصائية ، و النرجسية المريضة ، والميول العنصرية ، والعواطف المتشنجة ، والاستعلاء بدون مبرر .

      المرأة ، والفن ، هما  جناحان الحرية . وهما الحضارة تخلفا ، أو تقدما . اذا أردنا التحكم فى مسارات  المجتمع  ، فما علينا الا السيطرة على النساء ، وفرض قيود على الفن والابداع .

       منذ أيام ، قرأت عدة مقالات  ، تؤيد حق المجتمع فى الرقابة على الفنون والابداعات . لكنها تقترح " الارتفاع قليلا " بسقف الحرية " المسموحة " . ولا أدرى كيف تجتمع الكلمتان المتضادان " الحرية " ، و" المسموحة " ؟. الحرية " المسموحة " ليست حرية .

      ونرجع مرة أخرى ، الى السؤال الأساسى ، منْ بيده " السماح " ؟. منْ يحدد المساحات " المسموح بها " ، والمساحات " المحظورة " ؟.

      لقد انتهت العبودية التقليدية ، أو البدائية ، كنظام سياسى . لكن " جوهرها " موجود ، والذى يستلزم طرف " أعلى "  ، يأمر ، ( الرقابة ) ، وطرفا " أدنى "  يطيع ( الفنان ).

            وتروج الرقابة ، عبر المؤسسات الاعلامية والثقافية والتعليمية  والدينية ، أن " حرية الفنان "، لا تعنى " الفوضى والتخريب والتدمير " . والفن مثل أى نشاط بشرى آخر ، لابد أن يلتزم ب أصول ، وقواعد الفن .

         ان كل فن ، يخلق أصوله ، وقواعده ، من داخله ، وليس من سلطة خارجة عنها . بمعنى آخر ، أن الفنان هو الذى يضع القواعد ، والأصول ، وبسببها يستحق لقب  " الرائد " ، أو " المؤسس " ، أو " الخالق ".

       " قواعد الفن موجودة لكى نكسرها " .. هذا هو رد الفنان التشكيلى بابلو بيكاسو 25 أكتوبر 1881 – 8 أبريل 1973 ، حينما يسألونه عن لوحاته ، التى لا تتوقف عن ادهاش الجميع ، واثارة الأسئلة ، لا تتبع الأصول المعروفة ، ولا تنتمى لأى مدرسة  ، لها قواعد مستقرة .

           الحجة المتكررة ، المستهلكة ، وغير المنطقية ، المستخدمة لغسل المخ ، وترسيخ الوصاية ، والسيطرة الفكرية ، أن  الرقابة ، " فلتر" ضرورى ، للتنقية ضد الملوثات ، وللحفاظ على الفضيلة ، والدين والعادات والتقاليد والموروثات ، والمسلمات  ، وقيم الأسرة ، وسُمعة الوطن . وهذه أمور " تستفز المشاعر " ، فى مجتمعاتنا .

        لا أدرى ،  كيف يمكن لخيال ، أو رؤية فنية  ،  فى فيلم أو  رواية، أو قصيدة، أو حلم فى لوحة تشكيلية، أن يسئ الى الدين، والأخلاق والتقاليد وسُمعة الوطن ، إلا إذا كان الدين، والأخلاق، والتقاليد، وسُمعة الوطن ، ديكورًا من ورق ، شيدته الخرافات الهشة ، والأنظمة غير العادلة ؟؟.

           نتذكر فى هذا السياق ، أنه حدث فى القرن التاسع عشر،  أن قام أحد الناشرين المتشدقين بالفضيلة ،  بطبع مؤلفات كل من موليير ولافونتين وراسين، فى طبعة خاصة بالعائلات " الفاضلات ".  لكن المحاولة باءت بالفشل ، لأن  الأفكار التى تعمّد الناشر حذفها ، حتى لا تفسد الأخلاق ، كانت موجودة سلفًا فى نفوس الناس .

      من الحياة الواقعية ، يتأكد لنا كل يوم ، ان الذين بستمتعون بممارسة  الفساد الأخلاقى ، هم الذين يتهمون الآخرين بافساد الأخلاق . هم فى الحقيقة ، لا تهمهم الأخلاق مطلقا ، من قريب أو من بعيد . هم يخافون من انهيار الأخلاق السائدة ، التى تبرر وتقنن فسادهم ، وتمنحهم امتيازات وسلطات وحصانة  ، تجعلهم فوق القانون ، والمحاسبة .

      " كن فاسدا  كما تشاء .. لكن كله فى الخفاء ". هذه هى الأخلاق التى يحرسها المتشدقين بالفضيلة والأخلاق .

     لا أحد يرانا متلبسين بالرذيلة ، اذن الفضيلة مستتبة ،  رجالنا على الصراط المستقيم ، ونساؤنا بألف خير وعفة .

     عند عدد كبير من النساء والرجال ، يدهشنا كيف أن المرأة " فاسدة الأخلاق " ، لا تعنى فى الحقيقة ، الا المرأة " الحُرة " ، الخارجة عن كتالوج الجوارى والاماء ، ولا تمكن أى ذكر داخل الأسرة ، أو خارجها ، من امتلاكها . والرجل الحر ، الذى يعيش حياته بالطول والعرض ، لا امرأة تملكه ، ولا طابور يحتشد داخله ، يوصف أيضا بأنه " فاسد أخلاقيا " ، ولكن بشكل أقل عنفا وعدوانية .

           اذا كان الفساد الأخلاقى ، يعنى المرأة الحُرة ، فأنا فاسدة حتى النخاع ، وأفتخر.

    والمفارقة ، أن " محظورات " الرقابة ، هى بالضبط ، ما يجب " عرضه " . المحظور والممنوع والخطوط الحمراء ، هى مكمن " الداء " ، المزمن الذى يبقينا فى هذا المأزق الحضارى الفريد فى نوعه ، أننا نعيش بأجسادنا فى القرن الواحد والعشرين ، بينما تنتمى عقليتنا وعواطفنا ، الى القرون الوسطى.                                                                                                                                                                                                           

       ليس من المعقول ، أننا بعد ربع قرن من بداية الألفية الثالثة ، ما زلنا تحت احتلال  مشارط " الحذف " ، و" المسح " ، و" الحجب " ، و" المنع " ، و " الحظر " .

           انه " الخوف " المتأصل ، من " الحرية " ، الذى يجعل الناس نسخ كربونية مرتعشة .

     فى كتابه الممتع ، " الخوف من الحرية " ، أوضح  اريك فروم 23 مارس 1900 – 18 مارس 1980 ، كيف أن الحرية " مخيفة " لأغلب الناس . فالانسان يتخلى عن حريته ، ويرضى الدخول فى الصفوف والطوابير المطيعة ، وأن يخرس صوته الداخلى  المختلف ، من أجل " الأمان " المتحقق من كونه جزءا من القطيع . و" الخوف " من الحرية ، هو ألد أعداء الانسان ، وأكثر المخاوف شراسة ، وخداعا ، وتجذرا فى التاريخ .

        قناعتى أن مرتكب الرذيلة ، أفضل من مدعى الفضيلة . و الجهر بالفعل السئ ، أفضل من اخفائه ، هذا مع اعتبار أن الرذيلة ، والفضيلة ، أمور نسبية ، تتغير حسب الزمان والمكان ، والشخص نفسه . وحتى على مستوى الشخص الواحد  ، تتغير من مرحلة عمرية الى أخرى .

        إن الإبداع الذى لا يصدم شيئًا، ليس إبداعًا. هو تسلية، تعيد إنتاج الواقع  بأمراضه ، وعيوبه ، وتناقضاته . والصدام فى حدوده الدنيا ، غير ممكن ، الا بالحرية . واذا كان هناك اناس ، شغوفين بالأخلاق والفضيلة ، فالحرية كما أراها هى قمة الفضيلة ، وذروة الأخلاق .

     إن حرية الفن ، مثل الصهيل للخيل ، وكالأمواج للبحر . والمدافع عن " الرقابة " ، يريد خيولا بلا صهيل ، وبحرا بلا أمواج ، وهذا أمر مستحيل . وهو أشبه بمنْ يقطع الشجرة ، ليحصل على ثمرة ، أومنْ تمشى عارية لتثبت أنها أنثى ، ومنْ يسطو بالسلاح ليسرق بنكا ، من أجل وجبة العشاء .

    الفن عالم ملئ بالأسرار . بدون الحرية ، لن نستطيع كشف خباياه . وأحد أسرار الفن ، أنه  من نسج خيال المؤلف ، أى " كذبة " . ولكنه يدلنا على " الحقيقة " . وكلما كان الفنان " صادقا فى سرد الكذبة "  ، كلما زادت متعة العمل الفنى . بدأ " نزار " احدى قصائده بالقول : كنت أكذب من شِدة الصدق ... والحمد لله انى كذبت ..