محمد هاشم "ميريت": حدوتة مصرية

نشرت لاول مرة جريدة الشروق - 13 ديسمبر 2025

(1)

خبر صادم وحزين جدًا لكل من اتصل بالحركة الثقافية والاجتماعية المصرية، والكتابة والإبداع، وعموم النشاط الثقافي والفني في مصر والعالم العربي في ربع القرن الأخير.

كان من المقرر أن أواصل الحديث عن الكتابات التي اعتنت بموضوع "الهوية المصرية" من مداخل عدة في القرن العشرين،

وصبيحة الجمعة الماضي، وأثناء كتابة المقال، فجعني خبر رحيل الناشر والمثقف المصري الكبير محمد هاشم (1958-2025) فغيرت خطط الكتابة، فلم يكن هاشم بالشخص الذي يمر رحيله مرور الكرام، ولا الدور الذي لعبه في تاريخ الثقافة المصرية والعربية بالهين، ولا الكتب التي أصدرها، ولا الأسماء التي ارتبط ظهورها وعلو نجمها بميريت بالكم المهمل أو العابر أو العادي.. أبدًا لم تكن كذلك، وهو -رحمه الله- لم يكن كذلك أبدًا.

(2)

مثَّل محمد هاشم (1958-2025) نموذجًا فريدًا وفذًّا، نموذجا غريبا وعجيبا ومدهشا ومتناقضًا أيضًا، "حدوتة مصرية" بكل معنى الكلمة، جمع بين إهابه بين المثقف المشاغب، والناشر الطليعي، والمناضل السياسي المشاكس، والمعارض "المقاوح"، وخصال وسمات أخرى كثيرة جدًا من الصعب أن تجتمع في شخص واحد.

حالة فريدة من نوعها، قد تختلف معه وقد تنفر منه، وقد تدير وجهك عنك مستاء أو غاضبا أو رافضا.. لكنك لا تستطيع أن تتغاضى عن طفوليته وقلبه الأبيض وإنسانيته التلقائية المتدفقة، ولا تستطيع أن تتصور المشهد الثقافي المصري "الحي" النابض بدونه!

قدم محمد هاشم للثقافة المصرية والعربية دار نشر تسمى "ميريت"، ظهرت للوجود عام 1998، ومنذ ظهورها وحتى رحيل صاحبها الفاجع، لعبت هذه الدار أهم وأخطر الأدوار في نشر الإبداع والفكر والثقافة من منظور تقدمي "تحرري" بكل معنى الكلمة، واستوعبت الموهوبين والجادين من أصوات المهمشين والخارجين على الخطوط والحدود، وفتحت الباب واسعًا أمام كل صاحب قلم، وفكر وتيار مناوئ ونقد عميق ورصين (أدبي، سياسي، اجتماعي، تاريخي، نفسي، .... إلخ).

واستطاعت "ميريت" طوال ما يزيد على ربع القرن، بفضل طاقة وحماس وجرأة صاحبها أن تلعب الدور الريادي و"الطليعي" في حركة النشر المصرية والعربية، منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، وحتى السنوات العشر الأخيرة.

(3)

وأتصور أنه لا يمكن كتابة تاريخ دقيق وأمين وموثق لتاريخ الثقافة المصرية وحركة النشر في مصر والعالم العربي في ربع القرن الأخير، من دون أن تحتل دار "ميريت"، واسم محمد هاشم مساحة لا يستهان بها، أبدًا!

لعل هذا ما قصدته الناقدة الكبيرة شيرين أبو النجا عندما كتبت تقول إنه عقب انطلاقة دار "ميريت" المصرية عام 1998 وقدمت أول إصداراتها عام 1999، نجحت -بعد فترةٍ وجيزة للغاية- في أن تصبح الدارُ معروفةً في أرجاء العالم العربي كله بصاحبها محمد هاشم، ذاك الشخص الذي لا يهدأ في مكان، ولا يؤمن بالثبات، فالثبات بالنسبة له يعادل الموت، يضحك ويبكي في آن، ينفعل ويهدأ في اللحظة نفسها، مناهض بطبيعته لكل أشكال قمع الحريات، ناهيك عن حرية التعبير.

وبالرغم من هذه الولادة الحديثة للدار مقارنة بدور أخرى عريقة، فإنها نجحت فورًا في مراكمة رأس مال رمزي ضخم ولافت،

وتؤكد أبو النجا في حديثها عن محمد هاشم و"ميريت"، أنها انخرطت بعد عام واحد فقط من تأسيسها في نشر الإبداع، وبخاصة للشباب المبدعين، وقامت بنشر كتبٍ لمفكرين خارج الدائرة الرسمية المؤسسية، وقلة ممن هم محسوبون على المؤسسة، وبذلك أوجدت لنفسها توجهًا لا يخضع مطلقًا لشروط السوق، ودشنت في عام 1999 سلسلتها "مختارات ميريت" التي قدمت نصوصًا لكل من: عاطف كشك، السيد ياسين، سليمان فياض، سيد خميس، هالة مصطفى، أحمد جودة، مجدي نصيف، رجائي فايد، أحمد بهاء شعبان، شريف يونس، سيد البحراوي، مجدي جرجس، عماد أبو غازي.. وغيرهم كثير.

(4)

استطاعت "ميريت" أن تكون واحدة من دور النشر الطليعية التي تعبر إصداراتها واختياراتها (بالإضافة إلى أغلفتها المذهلة بتوقيع أحمد اللباد) عن النبض الحي المتجدد لتيارات الثقافة المصرية والعربية، ومن حيث كون الأعمال الإبداعية التي تنشرها رأس الحربة الفتية للإبداع المصري الشاب الذي انحازت له "ميريت"، وأخذت على عاتقها توصيله إلى القراء،‏ غير مغفلة بعدها "القومي" الذي جعلها تفتح منشوراتها للإبداع الواعد على امتداد الأمة العربية كلها‏.‏

ومن المؤكد أن عددًا غير قليل من كبار المثقفين المصريين أدركوا أهمية الدور الذي تقوم به هذه الدار،‏ أو تتطلع إلى القيام به،‏ فدعموها منذ البداية،‏ ومنحوها كتبهم التي لا تزال إنجازا أصيلا وحرا،‏ وتأكيدًا لأهمية حق الاختلاف الذي هو أصل من أصول الدولة المدنية الحديثة..

لم تتردد "ميريت" في اقتحام التابوهات التقليدية،‏ وانطاق المسكوت عنه من الخطاب الاجتماعي والثقافي والسياسي،‏ ملحة على تأسيس أشكال جديدة من "الكتابة" التي تبرز الحضور العفوي لهذه الأجيال الواعدة،‏ وتميزها عن غيرها من الأجيال السابقة..

رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته..