ليلى العندليب

لم تكن "ليلى العندليب" تمشي على الأرض؛ بل كانت تطفو فوق سجاد أحمر يمتد من القاهرة إلى عواصم الضباب والجمال. في تلك الليالي، كانت دار الأوبرا الكبرى ترتجف قبل أن تطأ قدماها خشبة المسرح. امتزجت رائحة البخور الفاخر بعطرها الفرنسي، ذلك العطر الذي صُمم خصيصاً لها.
​حين كانت ترفع يدها، يصمت الآلاف. وحين تغني، يصبح ذلك الصمت مقدساً. كانت العناوين تقول: "ليلى.. المرأة التي سرقت حنجرة الملائكة". لم تتخيل قط أن هذا التصفيق، الذي كان يدوي كرعد الشتاء، يمكن أن يخبو يوماً.
​بدأ الأمر ببحّة بسيطة، وصفها الأطباء بأنها مجرد إرهاق. لكن ليلى شعرت بشيء ينكسر في الداخل. لم تكن الملوحة في صوتها فحسب، بل في روحها أيضاً. ثم ظهر "منتج شاب" بإيقاعات صاخبة وسريعة، وبدأت ذائقة الجمهور في التحول.
​قالت لمدير أعمالها ببرود: "الجمهور لا يخون يا عزيزي، إنه فقط متقلب المزاج". لكن حين وقفت في حفلها الكبير الأخير، رأت مقاعد فارغة في الصفوف الخلفية؛ بدت تلك المقاعد وكأنها ثقوب سوداء تنتظر ابتلاع تاريخها بالكامل.
​تسارعت الأحداث كقطع الدومينو المتساقطة. زواج فاشل من رجل أعمال سلبها نصف ثروتها قبل أن يختفي. قضايا ضرائب تراكمت كالغبار على تيجانها القديمة. أُجبرت على بيع فيلتها في الزمالك، ثم سيارتها المرسيدس التي كانت شوارع المدينة تحفظ تفاصيلها عن ظهر قلب.
​انتقلت إلى شقة صغيرة في حي شعبي مزدحم، محتفظة بفساتينها الحريرية في حقائب جلدية متهالكة. كانت لا تزال تضع أحمر الشفاه الزاهي حين تفتح الباب لمحصلي الكهرباء، وكأنها تستقبل وفداً صحفياً.
​جاءت نقطة التحول في ملهى ليلي من الدرجة الثانية، حيث اضطرت للغناء لتسديد إيجارها. وقفت تحت ضوء نيون يرتعش، وحاولت الوصول إلى تلك النغمة العالية التي كانت تهز القلوب، لكن ما خرج كان صرخة مخنوقة وجريحة.. صوت طائر ينازع.
​ضحك سكير في القاعة وصرخ: "اعتزلي يا ست! زمانك انتهى!". سقط الميكروفون من يدها، ولم يكن هناك أحد ليتلقفه.
​مر عامان. توقف الهاتف عن الرنين. والأصدقاء الذين كانوا يزدحمون في غرفتها تبدلت أحوالهم وأصيبوا بـ "فقدان ذاكرة جماعي". جفت الموارد، وطُردت من شقتها.
​خرجت بحقيبة واحدة تحتوي على فستان واحد مرصع بكريستال زائف، وبضع صور بالأسود والأبيض لملوك ورؤساء يصفقون لامرأة تشبهها، لكنها لم تعد تعرفها.
​الشارع لا يرحم من اعتاد سجاد الحرير. في ليلتها الأولى تحت كوبري قصر النيل، نظرت إلى النيل—النهر الذي غنت له يوماً "يا واهب الخير". الآن، بدا النيل كوحش أسود يتربص بالوحيدين.
​استلقت على قطعة كرتون وغطت وجهها بشال قديم. لم تنم؛ بل كانت تستمع لخطوات المارة، مرعوبة من أن يتعرف عليها أحد.. ومرعوبة أكثر من ألا يفعل أحد.
​مع مرور الشهور، تغيرت ملامح ليلى. غزا الشيب شعرها الذي كان يلمع كليل الصيف، ويدها التي كانت تُقبل في المحافل المخملية أصبحت مشققة وخشنة. صارت "المرأة المجنونة" التي تجلس بجوار محطة المترو.
​كانت تغني بصوت خفيض جداً—همهمات غير مفهومة. كان الناس يلقون العملات المعدنية في حجرها شفقة على "متسولة"، دون أن يدركوا أن اليد التي تتناول القروش هي نفسها التي تسلمت أرفع أوسمة الفن.
​ذات يوم، توقفت سيارة فاخرة أمامها. نزل منها مطرب شاب—نجم "التريند" الحالي. كان يرتدي نظارات شمسية ليخفي وجهه. وضع ورقة نقدية كبيرة في يدها دون أن ينظر إليها.
​نظرت ليلى إلى وجهه وتذكرته؛ كان طفلاً في فرقتها الموسيقية ذات يوم. أرادت أن تنادي باسمه، أن تقول: "أنا ليلى يا بني"، لكن لسانها اعتاد الصمت، والكبرياء المتبقي في رمادها منعها.
​في ليلة شتاء قارسة، شعرت ليلى أن الستار على وشك الإسدال. لم تعد تشعر بأطرافها، لكن حنجرتها استعادت فجأة نقاءها القديم. وقفت في منتصف الشارع الخالي في منتصف الليل.
​بدأت تغني أجمل أغانيها: "وداعاً لأحلامي". تردد صدى صوتها في أزقة "وسط البلد"، قوياً ومجلجلاً كما لو كانت في الأوبرا من جديد. فتح السكان نوافذهم بذهول: "من هذا الصوت الملائكي في هزيع الليل؟". لكن ليلى لم تكن تغني للأحياء؛ كانت تغني للسماء.
​في الصباح، وجدوا امرأة عجوزاً مستلقية بسلام على الرصيف. كانت تبتسم، وتحتضن صورة قديمة باهتة لامرأة تتوهج تحت أضواء المسرح.
​لم يعرف أحد من هي. نُقلت في سيارة إسعاف كـ "جثة مجهولة الهوية". وفي مساء ذلك اليوم، كان راديو في مقهى مجاور يبث أغنيتها الشهيرة: "أنا التي لا تموت.. أنا الباقية في قلوبكم"، بينما كان جسدها يوارى الثرى في قبر الفقراء—بعيداً عن الأضواء، وقريباً جداً من الحقيقة.