بقلم د. منى نوال حلمى
لست بالطبع أدعو الى اهمال السياحة ، فى بلد مثل مصر ، التى تمتلك نسبة كبيرة من آثار العالم ، ولها من الشواطئ الفيروزية الساحرة المتفردة عالميا ، وحيث الطقس المعتدل طوال السنة .
هذا البناء الداخلى يصنعه البناء الخارجى ، وأقصد به جودة التعليم وارتقاء الثقافة والفنون والآداب ، والعلاج الصحى الكريم ، والسكن الملائم ، وفرص العمل المتوافقة مع التعليم والكفاءات الشخصية .
حتى الدول التى تهتم لزيادة عائداتها من السياحة ، تفعل ذلك حتى تنفق المزيد على بناء المواطنة والمواطن ، وتوفر البناء الداخلى الصلب . بدونه لن نستفيد من السياحة أو أى شئ آخر .
وبناء الانسان ، يعنى أن يدخل شريكا أساسيا فى مقومات النهضة الحقيقية الدائمة الراسخة لأى دولة . وأقصد الانتاج فى كافة المجالات ، الزراعة والصناعة وتشجيع كافة الحرف اليدوية النافعة ، والتعمير والتكنولوجيا .
الانتاج السياحى شئ جامد ساكن موروث من الأقدمين المبدعين . لكن ، ماذا عن انتاجنا الحى المتحرك من صنعنا نحن فى الحاضر ؟؟.
نتكلم دائما عن بناء الانسان المصرى ، باعتباره ضرورة لاحداث نقلة نوعية ، فى العقل ، والمفاهيم ، والسلوك ، وتغييرا حقيقيا يأخذنا الى دولة مدنية حديثة
ناهضة.
ان حال الانسان المصرى ، والانسانة المصرية ، رغم قيام ثورتين أوضحت المعدن الحر الثمين للشعب المصرى ، لا يسر أحدا ، ولا يعكس طموحاتنا ، ولا
يدل على أن مؤسسات الدولة ، تأخذ قضية " بناء الانسان " ، كقضية محورية ، وأساسية . بل انها أكثر من ذلك . قضية " بناء الانسان المصرى والانسانة المصرية " ، قضية حياة ، أو موت . قضية وجود ، أو لا وجود . قضية بقاء مشرف ، أصيل ، على الخريطة الانسانية . بقاء يُلهم الآخرين ، ويعطيهم نموذجا
واقعيا غير مستحيل ، أن القيامة ممكنة بعد الوقوع .. وأن النهضة ممكنة بعد الركود ... وأن الورود ، والسنابل ، والأزهار ، تطلع أحيانا من أرض وعرة .
من هنا أناقش قضية فى صلب بناء الانسان المصرى . وهى أننا نهتم بالآثار التى صنعها الانسان المصرى القديم ، أكثر من اهتمامنا بالانسان المصرى
فى الحاضر .
طوال الوقت تصدمنى المقالات التى ترسخ أن مستقبل مصر فى السياحة ، وأن السياحة هى طوق النجاة . كلام غير واقعى ولا أوافق عليه . أصحاب هذه الفكرة لابد أن يقولوا لنا ، اذا كانت السياحة هى المستقبل ، فماذا سنفعل فى عدد السكان الرهيب ، هل يخدمون السياح الأجانب ، وينسوا التعليم بمجالاته المختلفة ؟؟.
ان اهتمامنا بالآثار كثمرة من ثمار حضارتنا المصرية القديمة ، يفوق اهتمامنا بالانسان صانع الحضارة فى الأساس .
غالبية الناس ، لا يرون الحضارة ، الا تلك الآثار العابرة حدود الزمان .
هم بذلك " يسجنون " الحضارة ، فى قالب من " الحجر " ، أحادى الرؤية ، جامد .
أنا أعتقد ، أن الآثار ، بكل تفردها ، وعظمتها ، هى صدى الصوت ، وليس الصوت نفسه .
أو هى مجرد الاصبع ، الذى يشير الى القمر . لكنها ليست القمر.
أو بمعنى آخر ، الآثار ، هى الجانب " الساكن " ، من الحضارة .
أما الجانب " المتحرك " ، فهو عقل ، وقلب ، الانسان الحى ، " هنا والآن " ، القادر على احداث التغيير ، والابداع . ان حضارتنا ، ليست " تركة " ، جامدة ، من المنحوتات ، والتماثيل ، والمومياوات ، والتوابيت ، والمعابد ، والأهرامات .
لماذا ننحاز الى حضارة " الحجر " ، لا حضارة " البشر " ؟. أو لنقل أن هناك اتجاها " سلفيا " ، فى الفكر الدينى ، كما هو موجود فى الفكر الدينى .
ننشغل ، بحماية ، أنف أبو الهول ، أكثر من حماية الانسان الحى الآن من الفقر والمرض ، والجهل . هل من العدل ، انفاق مبالغ طائلة على
البحث عن قطعة أثرية مغمورة ؟ ولا ننفق شيئا يُذكر عن البحث عن المواهب المغمورة ؟ .
ننفق على " ترميم " ، الآثار . ولا ننفق على " ترميم " البيوت ، التى تتصدع وتقع على سكانها الآمنين . نهب سريعا لو سُرقت عين " توت عنخ أمون ".
بينما لا نفعل شيئا ، حين تُسرق ، كرامة الانسان .
يقف الناس ، يتأملون فى انبهار أحد التماثيل ، الموجودة منذ خمسة آلاف سنة ، ولا ينبهرون بكفاح انسان مصرى ، يناطح الأقدار ، ويتحدى أصعب المعوقات
لمجرد أن يحافظ على بقائه ، لا ييأس من الأزمات ، لا تهزمه التحديات .
أنا أعترض على مقولة " السياحة هى مستقبل مصر " ، يرددها كثيرون ، باعتبار أن مصر تمتلك وحدها ثلث آثار العالم .
عفوا أيتها التماثيل والمومياوات ، والتوابيت ، والمحنطات ، أنتِ لست مستقبل الوطن . يا كل آثارنا الجميلة ، والعظيمة . ان مستقبل مصر ، فى تنمية حقيقية ، وثورة ثقافية ، فى " الانتاج " .. فى الزراعة وفى الصناعة ، وفى تخضير الصحراء وفى الطاقة المتجددة ، وفى الفن الراقى ، وفى تثوير الفكر الدينى ، وفى تحرير النساء من المعتقلات الذكورية .
اذا كان بناء الأهرامات ، عجيبة من عجائب الدنيا ، ولغزا لم يُفسر حتى الآن ، فان " بناء الانسان المصرى " ، هو العجيبة الجديدة ، التى يمكن أن يفعلها الشعب المصرى ، بينما تحاصره عوامل التعرية القاسية ، وظروف مناخية غير قابلة للتنبؤ .
العقل المصرى .... الوجدان المصرى ... الارادة المصرية .. الابداع المصرى ..
هذا هو طريق مصر ، الذى ينتظر مرور أول قطار كهربائى جديد الصنع ، للقفز اليه.