مذاق لا يشيخ

 حين انطلق القطار من القاهرة، كانت تحمل حقيبة صغيرة مليئة بثياب خفيفة، وصندوقًا خشبيًّا صغيرًا منقوشًا بورود الذكرى. لم تخبر أحدًا أنها قاصدة "ديليس". حتى ابنتها ظنت أنها ذاهبة لتغيير جو على البحر، لا لتستعيد ما تبقّى من نفسها.

في القطار، أسندت رأسها إلى الزجاج البارد، واستسلمت لاهتزاز العجلات على القضبان. كان القلب محملا بما لا يُقال. "ربما لن أجد الركن، وربما لا أجد أحدًا سواي... لكن يكفيني أن أحاول ."

 في العاشرة،  تمسك جدّتها بيدها وتدخل بها محل "ديليس"

والباب الخشبي ينفتح كصندوق حكايا

 كمن يدخل معبدًا عتيقًا.

. معبد الزبد والكراميل، ذاك ما بدا لها المكان، روائح تحكي دون لسان، وأضواء تتراقص على الزجاج الملوّن.

 الجدة تجلس دائمًا في الركن ذاته، تطلب قهوة فرنسية وكعكة تفاح ، ثم تشرع في الحكي: "عمل جدك  مع صديقه الخباز، الجريكى لوكاس،  ... أتصدقين؟ كانوا يخبزون الكرواسون بأيديهم، يلفونه كأنه أمل جديد، تطرق وبنبرة حزينة: للأسف رحل قبل ان يتحول هذا المكان إلى أشهر حلوانى، بل صار صاحبه حلوانى الخاصة الملكية..صمم تورتة تتويج الملك ثم  الحلوى لكل مناسباتهم  وتضحك، ويملأ صوتها المكان. "كان جدك يناديه: يا فنان، وكنت أغار من تلك الصداقة."

 بعد وفاة الجدة، صارت أمها تصطحبها إلى "ديليس"، بنفس الإيماءة، ونفس الركن.  وورثت الأم الطقس ذاته ، ركن، وصمتٌ لا يقطعه إلا ارتشاف أولى رشفات القهوة الاستثنائية.. تقول: "كان والدك يعشق هذا المكان، ومسيو لوكاس يرحب بنا كأننا أسرته... قال لي مرة: مرحبًا ببنت صديقي، واغرورقت عيناه وهو يقول: لا زال طيفه واقفًا أمام الفرن."

وحين كبرتْ، عادت إليه مع زوجها.  يجلسان متقابلَين، يتهامسان، ويشتركان في قطعة جاتوه واحدة لأنه لا يحب الحلويات كثيرًا.يشربا القهوة التى لا مثيل لمذاقها قال لها مرة وهما يراقبان البحر من الزجاج: "أتدرين يا حبيبتي: ديليس يشبهك؛ انيق واصيل" ضحكا، ولم تدرِ أن تلك ستكون آخر ضحكة لهما هنا.

 مضى عامان على رحيله. جربت كل وصفات النسيان، إلا العودة.

والآن... ها هي تمشي بخطوات بطيئة في شارع سعد زغلول. البحر قريب، لكن النبض أقرب. تتوقف أمام الواجهة الزجاجية لـ "ديليس"، تنظر كمن يتحقق من حلم. تغيّر الديكور، نعم... لكنها تعرف الباب. وتلك الرائحة لم تتغير: زبدة، وسكر، وحكاية.

تدخل. يتوقف الزمن لحظة.

"مساء الخير..." صوت ناعم يأتيها من الداخل. تتلفت، تبحث عن الركن. ها هو، كما تركته. تغيرت الكراسي، تغير لون الحائط، لكن الضوء ما زال ينكسر بنفس الطريقة.ومازالت الروائح ذاتها

تجلس.

 بعد دقائق، يقترب منها نادل مسن، يحمل صينية بحذر، وعيناه تتأملانها بشكٍّ مألوف. "قهوة فرنسية وسويسرول بندق، أليس كذلك؟" تبتسم بدهشة، تتأمله جيدًا. وجهه مألوف... الأنف الأفطس، العينان الصافيتان، والبشرة السمراء لأبناء الجنوب.

"سليم؟ أنت ابن عم إسحاق الطباخ النوبي؟" تهتز الصينية من بين يديه.

"كيف عرفتي؟!"

تضحك ضحكة جافة، وتقول: " كيف لى الا اعرفك فى طفولتنا  تلعب معى ونركض ، تسرق لي مكعب شوكولاتة... وتضحك وتجري.ثم رأيتك شابا، وكهلا، هل نسيت اننى لم ابعد عن هذا المكان كثيرا"

ينحني برأسه، يضحك، ثم يجلس على طرف الكرسي المقابل. "سبحان الله... أنا الان ابلغ من العمر سبعين عاما، ومازلت  هنا. أشعر اننى متوحد مع هذا المكان،كما السمك فى البحر، لم اغادر ولا احب."

 . تمضي ساعاتها هناك.. لا تطلب شيئًا إضافيًّا. فقط تشرب ببطء.. تسترجع،

" تتذكر صوت زوجها وهو يضحك هنا، وصوت أمها وهي تحكي، ووجه جدتها وهي تشكر مسيو لوكاس..  . تراقب الأضواء تنكسر فوق الصحون،  … جميعهم هنا، يجلسون حولها، لا يتكلّمون، لكنهم لا يرحلون. ثم تهمس بصوت بالكاد يُسمع: "ها قد عدتُ، وانتم ايضا عدتم ."

تنظر إلى الزاوية البعيدة خلف الزجاج، حيث أدوات لوكاس ما زالت معروضة،وتحدّث نفسها همسًا: "هل تشفي الذكرى القلب؟ أم تنكأه برفق؟"

حين قامت لتغادر، ناولها سليم قطعة شوكولاتة ملفوفة بورق فضي. "زي زمان..."

ابتسمت. وشكرت "ديليس" على الوفاء.، وتركَت الشكر في فنجان فارغ.