رواية عن مقال ممنوع

رواية عن مقال ممنوع...

قلم ...رصاص...اغتصاب...

" الموت هو النداء الأخير لنا لكي نستيقظ"دوغلاس هورتون

حزب الله يغْتال الكُتاب، وتنظيم الدولة الإسلامية يغْتصب القاصِرات والدولة البوليسية تُجمّد الأقلام...أُجزم أن يرى هذا المقال الضوء في صحيفة عربية...إلا خارج السور...فالخطوط مقطوعَة بيننا وبين العالم الحُرْ...والتعبير كفرٌ يوازي شتمّ الله علنًا...القلم لابد أن يكون بالرصاص! حتى يُمكن للرقيب محو أو شَطْب ما كتَبت...هل تصدق أيها القارئ من خارج المجرَّة العربية، أن من شروط الكتابة في الصحافة العربية، أن تكتب بقلم الرصاص...أما أن يُمسَح ما كتبت بمّمحاَة أو رصاصة... ما الفرق بين قلم الرصاص، ورصاصة...؟

سؤال: هل كان لقمان سليم يكتبُ بقلم الرصاص فاغتيل برصاصة...؟ وهل كان سمير قصير يكتب بقلم حبر...لأنه اُغتيل بسيارة مُفخّخَة...؟ وهناك اغتيالات بدون رصاص ولا سيارات مُفخّخة، بالتوْقيف والتجوِيع والتجمّيد وسلْب القلم منك...فأنت بلا قلم، قتيل...

***

مشروع عربي نموذجي للحرية من غير المُنْتظر أن يتغيّر مع الزمن،إلابانقلابٍ غير إلهي يرمي في مزبلة التاريخ المُزيَّف، ما تبقى من موروث جاهلي... اغتيل لقمان سليم...كان يطوف على فضائيات لم تحْميهِ، يُخبرها حقيقة ما آل إليه بلده...لم يعبأ بماكينة قتل، سوابقها لا تُعد ولا تُحصى، لم يخف، رغم التهديد، وجْهّهُ، صوتهُ، كلماته، حروفه، نطّقت عبر الشاشات والورق والساحات...لكنه لم يسْكت حتى بعد إطلاق الرصاصة...مئات لقمان خرجوا، كما مئات سمير جاؤوا...لن يسكتنا الرصاص، هذه شهادة الكاتب في زمن الاغتيال...

حتى متى الصمتُ؟ مغلق ملف التحقيق؟

 الحرية... وأشكال الاغتيال...

العزلة ليست كبرياء، أقلام ذهبية في بلاط السلطان، ورصاص مع سبق الإصْرارفي رأسِ لقمان...ثلاثة وجوه للقتل في زمن عربي، إيديولوجي...حبكة لرواية من ثلاثة فصول...

فصل أول: صبية ايزيدية "أشواق حجي حميد" ميلادها منذ خمسة آلاف سنة، بأرض مقدسة في سنجار...هربت لأرض الإنقاذ ألمانيا، فالتقت مغتصبها اللاجئ!! طاردها مرّة اخرى...فرَّت من جديد لأرضها الأولى المقدسة هذه...في أربيل استنجدت ثم واجهت مغتصبها، لم تطالب بالانتقام لها بل بالحساب لكلٍّ من اغْتصبنّ وعُذبنّ من ورود الأزديين...ذنبهنّ أنهنّ لم يكنّ مسلمات...أصبح الإسلام جواز مرور للبقاء على قيد الحياة...

فصل ثاني: وجهٌ يُطالعك كلّ مساء على شاشة العربية والحدث وأم تي، في...عمّ السكون فجأة، اختفى من على الشاشات، عتمَة، صمْت وبقايا شذرات ذكريات هاتفهُ في زاوية...التحقيق بدأ... التحقيق مستمر...أُغلق الملف...

فصل ثالث: كيبورد مُعطَّل، قلم بنسل مكسور...صحف صفراء توقّفت عن النشر...أنت قلم في بلد لا يطلق الرصاص على الكاتب ولكن يوقفهُ عن الكتابة...ما الفرق...؟

ثلاثة وجوه للرواية:

تُبْنى هذه الرواية ذاتها بنسيجٍ عربي فقط، من أقلام ... رصاص!!  واغتصاب...في عالم يعاني من طفحٍ أخلاقي، تنعدم الحرية، ويسود التظلّيل لا أحد يتحرك...يمْتدّ الزمن للوراء وللأمام عقود، لا تحقيق يُذكر...

خبر: "في ساعات الصباح الباكر الثالث من آب/أغسطس عام 2014 هاجم آلاف من عناصر التنظيم الإرهابي المنطقة. ويعتبر تنظيم الدولة الإسلامية! الأيزيديين غير مؤمنين وعباد الشيطان.

بعد الهجوم فُصل الرجال والفتيات فوق الثانية عشرة من أعمارهم عن النساء واختطفت 7000 امرأة وطفل. وقُتل ما يقرب 10000 إيزيدي وإيزيدية ودفنوا في مقابر جماعية"

تعليق: "يسكن أكثرية الأيزديين في شمال العراق ويبلغ عددهم 350 ألف إنسان. العديدون منهم لا يشعرون بالثقة بالذات للرجوع إلى موطن مأساتهم جبال سنجار"

ثلاثة وجوه للحرية لا تجد سماء لها حتى الساعة...سواء مقالة رأي تفْلت من دائرة الحصار، لتلتقي بفضاءٍ خارجي وعليك أن تدفع بعدها الثمن كما فعل غيرك وخرج من الحياة!!! لقد اقتحمت رواية هذه فصولها فتَحمَل النتيجة:

خبر ومقال رأي؟!

بناء شخصية أشواق حجي حميد، رواية بحد ذاتها أصعب من واقع، أعمق من خيال:

نصتّت لصوتٍ من عتمَة بئر الظلام، يدعوها باسمها، أين؟ بشارعٍ في المانيا... أرض الأحلام، تبًا لا مكان للجوء حتى آخر المجرَّة، ابو همام يطاردني، لا مفرَّ من الكابوس، كم هذا العالم ضيق وصغير حين تلتقي بالقاتل المغتصب في أرض الحرية...لا مكان فيه للحرية، هل هذا معقول؟

قالت أشواق حجي حميد...الفتاة الأزيدية التي اُغتُصبت بعمر الرابعة عشر على يد محمد رشيد سحاب أبو همام أحد قادة تنظيم الدولة الإسلامية بشمال العراق...

"هجرتُ عائلتي وبلادي وتغَرَّبتُ بألمانيا لأنسى الألم والضرب الذي تعرَّضتُ له. آخر ما توقّعتهُ لقاء آسري من تنظيم الدولة، وأن أجد أنه يعرف كلّ شيء عني".

 الرواية ذاتها، تعيدُ أحداثها وبناءها الدرامي، فالشخصية ترسم تضاريسها بفتاة ايزيدية اُغتصِبت وانْتُهِكت وكانت تأمّل بحياةٍ جديدة، فتخيّل تلتقي بمغتصبها...صدمَة للحرية المنشودة من أشواق حجي حميد التي تتساءل في بحثها عن فردوس الحرية:"إذا لم تمر بالتجربة لن تعرف كيف كانت... إنها تخترق قلبك مباشرة... عندما تُغتصب فتاة على أيدي مسلحي تنظيم الدولة، لا يمكنك تخيّل كيف سيكون الأمر عندما تلتقي الفتاة بمغتصبها".

  تصبح قصّة حيّة مُتحرِّكة صادمة للقارئ...تصوير شخصية ما في رواية تكتبها أو تكتبك، فالروايةدامية تمْتلكَكَ، تتحدّى أن تُعَبّر عنها بقلم ... لأننا في زمن الرصاص واعتقال القلم وقانون النشر... أكتب الخبر فقط ولا يُسمَح بالرأي...مقال الرأي ممنوع إلا بتأشيرة مرور من مسدس أو رقيب... مجرّتنا العربية لا تحْتمل الحرية...مازال الوقت مبكرًا... القرار العربي: اكتب الخبر وليس مقال الرأي...

تتسع الدائرة فتشْمل عدم الاحتكاك بالحزب الإلهي وإلا ستفقد هاتفك في أحراش مزرعة بعيدًا عن جسدك الصامت...لقمان سليم نموذجًا... أحيانا تحسب نفسك كاتب، لكن حين تلتقي لقمان يختلف الأمر، تجد نفسك غير مسيطراً على الحدث، خائفًا غير جديرًا بالقلم، هل لابد من الموت لتصبح كاتبًا؟ عندما تواجه ماكينة الحزب الإلهي التي عجَزت الدولة عن مواجهتها، بل وسكَت العالم برمتهِ عن هيمنَها...تكون قد اخترت الانتحار بإرادتك، من شروط الكتابة في هذا الزمن هو الموت...

 تفلت منك الحرية وتتحرّك من تلقاء ذاتها،هي ذروة السمو، هل يستحق الأمر جائزة بعد الاغتيال؟ هذا خيارك لقمان...فالحريةالتي أفسدها كتاب الدولة البوليسية والحزب الأوحد، والموروث الديني... عليك بإحياء هذه الحرية ولكن تحمل المسئولية. أو ستجد نفسك منقادًالاغتيال أو تجميد أو اغتصاب...

لا تكن في هذا الزمن مختلفًا، إن كان دينك غير الإسلام...إيزيدي مثلاً ستكون في قائمة الموت، إن كنت صبية جميلة من غير دين الإسلام حلال اغتصابها...

إن كنت تُغرد خارج السرب، مكانك خارج الحياة...كم شاقًا أن تكون فتاة ايزيدية جميلة بأرض تنظيم الدولة الإسلامية/ كم شاقًا أن تكون كاتب رأي بدولة تحكمها مليشيات إلهية...وحشد ديني، ولائي، سلفي، أخواني وحكومي... ملكي أم جمهوري سيان؟ المقصود عربي- إسلامي...

سيْر الأحداث يتحَكم فيهاقلمك، وعلاقته بحرية ما ستقول، يمكن للكاتب السيطرة على القلم لكن دعه ينزف حتى تحدث فرقًا في العالم، من دون الحرية، لا فرق بينك وبين قارئ عداد الكهرباء!، صحيح تكتب وتقوم بالتعبير، ولكنك إذا لم تفقد السيطرة على القلم فأنسى أنك تكتب... أنت لست إله يتحكم في الحروف والكلمات، أنت مبدع تخلق عالم نظيف،تكتب رواية واقعية تنبضبحياة لها مسارها الذي لا يمكن التنبؤ به، تغيّر من حولك، تصنع عالم جميل، نقيض عالم أبو همام مغتصب أشواق حجي حميد الأزيدية...لأن الله تخلى عنها ولم تُولد مسلمة...الحرية تكتبك ولست أنت من تكتبها.

الكاتب رهن الموت والاعتقال والتجمّيد خرجَ عن السرب...

 المُؤمن بالتعبير بالقلم، يواجه بكاتم صوت، وأوقاتًا بقنبلةٍ مفخّخة...، بينك وبين الآخر قلم ومسدس، وفي حديث آخر اغتيال يمنعك من التعبير...بقطع رزقك، بحرمانك من عمل، بتقيّيد حريتك، بعزلك وحصارك، ومصادرة الهواء من محيطك...ما الفرق بين رصاصة في رأسك وقائمة سوداء... (تذكرتُ زمن المكارثيّة) كانوا يعدمون الكتاب بمنعهم من العمل...حتى يجوعوا ويستسلموا...

يكْفرُ بالله من لم يجدّ الطعام، لا فرق بين مسيحي ومسلم ويهودي وملحد...كلّ من يفْتقد الطعام ويجوع، سيثور ليس على الأنظمة فحسب بل وعلى الإيمان، وخير دليل على ذلك ما يحدث في إيران والعراق ولبنان... فالذين خرجوا بالملايين سنة وشيعة بالعراق وإيران ولبنان ونفضوا إياديهم من رجال الدين والسياسة... وخرقوا التابو الديني والسياسي، خرجوا لأنهم جاعوا... فالجوع كافر وهذا ما لم تستوعبه الطبقتين الدينية والسياسة بالعالم العربي والإسلامي...

أما الجوع للحرية...جائزتهُ مسدس أو توقيف أو تجويع...

أن تكتب عن أشواق حجي حميد دون خوف من داعش، وترثي لقمان سليم دون خشية من حزب الشيطان، وتخرق المسكوت عنه دون وصية من دكتاتور...فقد نلْتَ الحرية ولكن ما هو الثمن؟

 في كثير من أحداث الرواية وعند تفاقم مشاعر الشخصيات، لا أملك ككاتب خيار قتل أو إحياء هؤلاء، الشخصيات، غالباً ما تقرر أن تعيش أو تنتحر أو تختفي... ولكن بمساعدة الكاتب حيناً وفي النهاية يكون مصير الشخصية واحدًا...أما رصاصة أو اغتصاب!

ما زال العرض مستمرَا...