كنا نائميْن ـ أنا والمنعكش ـ في جامع البحر، وكان طوال الليل يتقلَّبْ، قام إلى الحمَّام وعاد إلى موضعه أكثر من مرة، وفي جوف الليل صحا وحدَّق في ساعة الحائط ثم لكزني: "لماذا لا يمر الوقت؟"، لم أرُدُّ، فقام إلى الميضأة، ومع جلبة الكحَّة وارتطام الماء وحديثه مع نفسه الذي بدا كأنما يتحدث إلى آخرين، فإنني واصلتُ النوم إلى أن سقط رذاذٌ باردٌ على جبهتي. فتحتُ عينيَّ فرأيتُه يبتسم وماء الوضوء يسقط نحوي من ذراعيه قائلا:
ـ كفاية كده .. مشبعتش نوم؟!
تمطيتُ وأنا أفرك جفنيَّ، ونظرتُ في الساعة فوجدتُها الثالثة، فأشحتُ عنه في ضيقٍ طالبا أن يُبطِّل حركات العيال تلك، فالذين يأتون للصلاة لا يخرجون من بيوتهم إلا مع الأذان، لكنه واصل الإلحاح حتى طيَّر النوم من عيني: "اصحى بقى!" "إن قرآن الفجر كان مشهودا"، فقمتُ وتوضأتُ وصليتُ ركعتين ثم جلستُ على دِكَّة القارئ وسألتُه عن السورة التي يريد الاستماع إليها، ففكَّر قليلا على غير العادة ثم قال: "آل عمران!"
لم أصل على وجه التحديد إلى سبب أرقه، لكنني عزوتُ مِزاجَه المتعكر وشعوره بالضجر خلال الشهر الأخير إلى سكوت المسجل الباناسونيك الذي يحمله في كتفه، وهي المدة التي كثرت فيها تساؤلاته عن الحياة وكيف تطاق بلا موسيقى ولا غناء، وتعجُّبُه من غلاظ القلوب الذين لا يجعلونها جزءا من حياتهم اليومية مُرجِعا الفظاظة والجلافة وتَصًلُّب المشاعر والمشادات والخناقات التي تطير فيها الرقاب إلى غياب الموسيقى.
حتى تنازله عن سماع سورة "يوسف" التي يعشقها، واختياره سورة أخرى كان نوعا من الضجر أكثر منه اختيارا حقيقيا، فلم يتجاوب بعد خمس آيات من السورة وظل مشغولا؛ يهرش رأسه ويحدق في مراوح السقف، وفي الآية العاشرة بدا كأنه نادم على تسرعه في الاختيار، فتثاءب أكثر من مرة، ثم تجشأ كأنه أكل خروفا، وصدرت عنه آهات فاترة ومفتعلة.
أعرف أنه يميل إلى السُّور التي تدور حول قصصٍ، أكثر مما يميل إلى آيات الأحكام، معتبرا أن الحياة قصة، والناس قصص متحركة على الأرض تركض نحو مصائرها، "لقد كان في قصصهم عبرة" يستشهد بجزء مألوف من الآية، ولا يحفظ بقيتها، ويستبقني حين أتلو في الآيات التي يربطها سياق قصصي، مثل سورة يوسف والكهف وهود.
سألني بوحشة قبل الآية العشرين إن كان ما أقرأه في سورة "آل عمران"، فأومأتُ برأسي، فقال: (طيب فين "وإذ قالت امرأة عمران"؟)، فأشرتُ له أن يصبر، ثم لففتُ سبابتي في الهواء أنها قادمة لكن بعد قليل، فضم ركبتيه ودفن رأسه بينهما بضجر قائلا: "ماما زمانها جايَّة .. جايَّة بعد شويَّة" وبدا من غير الواضح إن كان يتهيأ لإغفاءة أو يركز في التلاوة حتى إنني فكرتُ في العودة إلى سورة "يوسف"، لكنه وقد انطوى على نفسه ودفن وجهه في عبِّهِ، كان قد دخل في حالة بين الصحو والنوم تقطعها تأوهات ومصمصات شفاه كلما توقفتُ بنهاية آية. كأنه معي وليس معي، حتى إذا بلغتُ آية "امرأة عمران"، أخرج وجهَهُ من عِبِّهِ، قائلا "أيوه يا سيدي!" وعاد إليه صحوه وانفرجت أساريره، وبلغت استجابته أوجَها حين تلوتُ: "قالَ ربِّ اجعلْ لِي آيةً"، فرفع بصره ويديه إلى السماء، وهز رأسه في رجاء، فأعدتُها بقراءةٍ مختلفةٍ من طبقة الجواب، فقال: "كمان مرة عشان خاطري!"
هذا هو المنعكش الذي أعرفُه، كرَّرْتُها بتضرعٍ من جواب الجواب، فقال: "لجل حبيبك النبي كمان!" ورفع كفَّيْه لأعلى وشبَّ على ركبتيه وهزهما متوسلا: "آية.. آية واحدة تقول إني صح.. آية ليوسف المنعكش حبيبك يا رب!" ثم انهمرتْ دموعه، وعندما تلوتُ من طبقة القرار "قالَ آيتُكَ ألَّا تُكلِّم الناسَ ثلاثة أيامٍ إلا رمزا" عاد إلى الجلوس وربت بكفيه صدره ناظرا بامتثال إلى السقف: "وانا مستعد.. اللي تأمر بيه.. أنا مش أقل من أخويا زكريا!"
وحدنا في جامع البحر، وقد لاحظتُ بعد انتهائي من التلاوة أنه يتعامل بالإشارة، سألتهُ: "لمَ ولسانه سليم؟" فكمَّمَ فمه بيد ورفع ثلاثة أصابع من كفه الأخرى لأعلى، ففهمتُ أنه سيمتنع عن الطعام والكلام ثلاثة أيام، ولما كان الوقت مبكرا على الأذان، قلت: "طيب نبدأ التواشيح؟" فأومأ برأسه. سألته عما يريد، فرفع كفَّيه لأعلى كأنه يتضرَّع ثم فردهما بوَجْدٍ في الهواء كجناحي طائر، ففهمتُ أنه يريد "إلهي ما أعظمك" فأنشدتها كاملة فيما يتمايل بعينين هائمتين في ساحة الجامع وهو يمر على مراوح السقف فيُشَغِّلها، ثم فتح الباب الجانبي، ثم غرفة الميكرفون التي بها مكنة الصوت والراديو، وفيما تعبث يده اليمنى بالغرفة، أشار لي باليسرى مضمومة الأصابع وهزها، فأبطأتُ، ثم لفَّ السبابة أمام فمه، ففهمتُ أنه يطلب الإعادة، فأعدت الأنشودة من البداية متوافقا مع إشاراته حتى أخرج رأسه من غرفة الميكروفون ووقف باتجاهي رافعا إبهاميه لأعلى، وهزهما معا وهو يبتسم، ففهمت أنني وُفِّقتُ فيما يطلبه.
تكالب ـ على غير العادة ـ القادمون إلى صلاة الفجر على الباب الجانبي، ففتح لهم الباب الرئيسي ليتدفقوا منه وعلى وجوههم دهشة، يحدقون باتجاهي ثم باتجاه السقف قبل أن يشمروا أكمامهم ويتجهوا إلى الميضأة، ليمتلئ الجامع لأول مرة في فترة التواشيح عن آخره بالمصلين الذين ما إن ينتهوا من ركعتي تحية المسجد حتى تعود أبصارهم لتجول في سقفه بحثا عن شيء لا يدركون كنهه، نفض عنهم الوخم، فهبُّوا مقبلين بشكلٍ غير مسبوقٍ حتى أن مُحمّد الأخرس قام إلى نتيجة الحائط أكثر من مرة ليتأكد أنه ليس الفجر الأول في رمضان، وتبعه عدد غير قليل، فعمَّتْ الساحة حالة غير مسبوقة من البهاء، لم يقطعها إلا ظهور الشيخ "الحسيني أبو راس" على باب الحامع مذهولا، ومن خلفه سفيان العربي الذي انقض على مكنة الصوت فأغلقها، فتوقفتُ عن التواشيح وساد الصمت ساحة المسجد لبرهة وقع فيها بصر الشيخ الحسيني على المنعكش فجرَّه من تلابيبه وجذبني أنا الآخر عن الدكة وقذف بنا بكلتا يديه خارج المسجد بكل عنف:
ـ برَّه يا أولاد الكلب يا مجانين.. برَّه!
معاً للمرة الأولى مطرودَيْن، وها هو الشيخ الحسيني أبو راس إمام مسجد البحر، خالي الذي أقول له يا خال، الذي فوضنا بفتح الجامع في الفجر وإقامة الشعائر وغلقه بعد انصراف المصلين، يسحب منا التكليف على الملأ بهذا الشكل المهين:
ـ "ده لو إبليس مش يعمل كده.. أتفووو عليكم"
من ناحيتي لم أعرف لماذا أقدم خالي على هذا التصرف، وقد راجعتُ ما حدث فلم أجد سوى البدء في قرآن الفجر مبكرا، وتغيير السورة، وتكرار التواشيح وهي أمور عادية، لا تدفع إلى ما حدث، حتى الصوم الذي شرع فيه المنعكش فجأة، ولم نكن في رمضان، بدا تجاوبا لحظيا مع آية كريمة كنت أتلوها، استشعر الحكمة فيها من تقييد اللسان وإطلاق باقي الأعضاء للعمل، فوسَّع حدود الصوم ليشمل الكلام أيضا، ولما بدا غير مكترثٍ لما حدث، انتابني الشك، فقلتُ وأنا أتنهد إننا منذ قليل كنا في الجامع، وها نحن الآن في الخارج مطرودان ومهانان، أليس هذا غريبا؟ رفع كتفيه لأعلى في صمت، فصرختُ في وجهه، وطلبتُ أن يتكلم كما أكلمه، فسألني ببرود:
ـ فاضل أد إيه على الأذان؟
ـ ربع ساعة!
فقال إنه لا شيء حدث سوى أنه فتح مكنة الصوت بينما كنتُ أبتهل، قلتُ: وما الجديد إذا كان يفعل ذلك عادة، فقال إنه بعد برهة، وبينما يحرك مؤشر الراديو، وجد نفس الأنشودة على محطة أغاني، فقال في نفسه: زيادة الخير خيرين، ثم إنه لا شيء يحدث بالصدفة، ولحظة الانسجام النادرة في تزامن أنشودة بالراديو مع أنشودة يُسبِّح بها خضر الصُّغيَّرْ في جامع البحر قد لا تتكرر ولا بعد 100 سنة، وقد اعتبرها إشارة إلهية، ففتح مكنة الصوت فتقاطر الناس، قلتُ: وماذا في ذلك؟ يأتي الناس بعد قرآن الفجر، ويتزايدون مع الابتهالات ما إن تفتح المكنة، فقال: لا شيء سوى أن التي كانت تؤدي الأنشودة امرأة، أمسكته من طوق جلبابه وسألته إن كان هذا ما حدث، فأومأ برأسه، هززته متسائلا إن كان يدرك عاقبة فعلته المتهورة، فأنزل يديَّ الممسكتين بطوقه وأشاح برأسه بلا اكتراث واتخذ طريقه إلى الحقول قائلا:
ـ أنا طلبت من ربنا آية وحققها لي!
ـ تشغَّلْ مزيكا في بيت ربنا وتقول آية.. إنت مجنون؟!
ـ لعلمك لم تخلق الموسيقى إلا لتسمع في بيوت الله!
قالها ولم يلتفت، فانطلق الأذان من جامع البحر بصوت سفيان العربي، وبدلا من أن يطلق عقيرته بالغناء كدأبه حين نختلف، فرد المنعكش ذراعيه المتقاطعين أمام صدره كأنه حسم الأمر:
ـ "إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا"
يوسف المنعكش آخر أبناء الحاج محمود حلاوة، ضارب الدنيا صرمة، كل ما يملكه منها مسجل باناسونيك بسماعتين، فارغ من الحجارة منذ شهر، لا مأوى له سوى جامع البحر ليلا، ومُصَلَّى في مجمع البحرين نهارا، انقطعت صلتُه بإخوته منذ الصغر، له روح جميلة، وقلبُ طفلٍ فكهٍ وإن بدا حادا، دائم الضحك والفرفشة، نَجمُه خفيف، تُطربُ الموسيقا روحَهُ وينتشي جسده لأبسط الإيقاعات، ويعرف بعد خمس ثوانٍ من مطلع أي أغنية مَن الذي سيغني وما الذي سيقول، يُقلِّدُ بفمه إيقاعات الطبلة والرق ويعزف بفمه ـ كأنه فرقة ـ مقطوعاتٍ موسيقيةٍ معروفةٍ، ويحاكي بحنجرته مطربين وقراء ومذيعين، ويُقلِّد إلى حد التماثل خالي الحسيني حتى أنه نقر الباب نقرتين بظهر إصبعه الأوسط وقال بصوت خالي "يا ولاد!" فاقتربت خطوات "ست الحسن" من خلف الباب، فطلب منها أن تنطر الطرحة على رأسها وتخرج وتضع على المصطبة كوبا من الشاي وفنجانا من القهوة لأن معه ضيفا، ثم تربَّعَ على المصطبة وتبادل الترحيب بصوت خالي مع ضيفٍ وهميٍ بصوتٍ بدويٍ حتى فُتح الباب قليلا، وبرزتْ منه يدٌ بالصينية فتلقفتْها يده قائلا بنفس النبرة: "شكرا يا ولاد، اقفلوا الباب من جوة عشان هروح الجامع"، فأُغلِقَ الباب، وحين قرصه الجوع، نادي أم كامل الحلاق طالبا منها أن ترسل الغذاء إليه في الدكان، فقالت العجوز: "وامك المكسَّحة اللي هتروحلك الدكان يا كامل؟!" رد عليها بصوت كامل "هابعتلك المنعكش يامَّهْ"
على شفتيه ابتسامة شاردة، جاهزة دائما لأن تتحول لأي سبب إلى ضحكة كبيرة أو بكاء صريح، سارحٌ وانتباهه مشتتٌ، لا يصل إلى أوج تركيزه إلا في حديث الإسراء والمعراج، لا يشعر بأي مؤثر خارجي حتى لو شككته بإبره، عصَيٌ الدمع إلا مع عشر آيات من القرآن، تسع منها في سورة "يوسف" وواحدة في "آل عمران"، وحديثين قدسيين، تسيل دموعه عند دعاء الطائف وعندما تفرغ حجارة المسجِّل، وتنهمرُ مدرارة لأي حكاية يدور موضوعها حول الظلم الذي حرمه الله على نفسه وجعله بين العباد حراما، حيث يتوجه والدموع تنهمر من عينيه نحو السماء متسائلا بصوت متهدج إن كان من العدل أن يكون ميراثه الشرعي مُسجِّل باناسونيك بأربعة حجارة طورش مما مجموعُهُ تسعة أفدنة وبيت على قيراطين ونصف لأحد عشر أخٍ يعترفون صراحة بأنه لم يأخذ نصيبه من الميراث جملة، ويشيعون في نفس الوقت أنه حصل عليه بنظام القطاعي، ومن ثمَّ فهم غير مسئولين عن أخٍ كفه مخروم، صاحب مزاج، عاطل، لا شغلة ولا مشغلة، يعلق المُسجِّل في كتفه ويسير في الحقول، يُشغِّلُ الشرائط ويمسحها ويعيد التسجيل عليها مستهلكا في كل أسبوع أربعة حجارة تضعُف في اليوم السادس ولا تستطيع تدوير الشرائط، فيتحول تلقائيا في اليوم السابع إلى الإذاعة متنقلا بين محطاتها، ليتصيَّد الأغاني إلى أن يخفُتَ الصوتُ ويختفي تماما أو يتمكن من شراء حجارة جديدة.
أوقفتُه عن البكاء طالبا أن يوحد الله فالمسامح كريم حتى هدأ وكفَّتْ دموعه عن النزول، فطلبتُ منه أن يبتسم، فأدار وجهه الرفيع نحو الغيطان في تأمل وصفاء ثم ابتسم كأنما لشيء بعيد تحدق فيه عيناه، وفيما ظننت أنني الذي نجحت في إخراجه من حالة الحزن، تبينتُ أن أذنه تستطلع أغنية بعيدة وغير واضحة عندما سألني بصوت رقيق وخاضع: "سامع؟" كانت الموسيقى تقترب، وبدا الصوت لامرأة، كأنه قادم من الجنة، وحين سألته: من تكون المرأة؟ قال بكل ثقة كأنه لم يكن يبكي منذ قليل: "نجاة.. ألا تعرفها؟"، هززتُ رأسي بالنفي، فأضاف: "الصغيرة!" وطلب أن أنتبه إلى تموجات الصوت وصفائه في الصعود والنزول مرددا خلف موسيقى آتية من بعيد:
ـ قل ادعُ الله إنْ يمْسَسْك ضُرٌ.. ووجِّهْ ناظريْك إلى السماءِ.
أصختُ السمع شاعرا بزلزلة داخلي حتى انتهى، فهززتُ رأسي مؤكدا صحة كلامه وقلتُ: "ومن تكون نجاة الصغيرة يا عم يوسف؟"، فمسح آثار الدموع وتنهَّد قائلا إنها امرأة لا تغني إلا في الجنة، لا تبرح الأربعين، بشعرٍ قصيرٍ يميل إلى الاصفرار، تحدق في أفقٍ بعيدٍ بعينين ناعستين، وتفتر شفتاها عن ابتسامة خجولة، إن رأيتَها تذوب عشقا في الخالق الأعظم، وإن سمعتَها تسجد شكرا على الدفء والعذوبة الخالصة، ثم سجد على الأرض، فسألتُه إن كان قد رآها، فهز رأسه بالنفي. قلت: "ولا رأيتَ صورتها؟"، فهز سبابته نافيا، ونفض التراب عن جبهته وقال: "لكنني أعرفها"، قلت: "كيف؟"، فأشار بسبابته إلى الراديو المعلق في كتفه.
لم تكن المرة الأولى في جامع البحر التي أنشد فيها "إلهي ما أعظمك"، لكنني كنت في هذه المرة أكثر اندماجا واستغراقا في المناجاة حين قلَّدَ المنعكش بشفتيه إيقاعا كأننا نسير بالبيارق في موكب إلى شيخ العرب مصدرا من حلقه آهاتٍ بيَّاتي يصعد بها تدريجيا حتى آخر أنفاسه، آآآه آآآآآه وهو يتمايل بحذر كأنه يحمل على رأسه إناء وهميا خشية السقوط حتى وصل إلى مكنة الصوت ففتحها. انسجمتُ مع الأصوات المصاحبة التي يصدرها بفمه، فانفتحتْ أبوابٌ، وزالت حجبٌ، وظهر نورٌ لا حدود له، فجأرتُ في ذلةٍ وضعفٍ:
ـ إلاااااهى ما أعظمك في قدرتك وعلااااك.. إلاااااهى ما أرحمك في غضبتك ورضاااااك"
فأكمل المنعكش وهو يتمايل آهاته، ولا أعرف لماذا بدت كأنها آهاتٍ كونية، وبدا كل شيء صافيا وهادئا كأنما يُسَبّح حين لفَّ بإصبعه في الهواء مكررا الآهات مرة أخرى، فتوافد إلى المسجد مصلون من كل فج، وتمايل محمد الأخرس بعينين دامعتين، فقلتُ:
ـ إلاااااهى ما أكرمك للعبد لو ناداك.. جلَّتْ صفاتُك يا مَنْ لا إلاااه سواااك
فأمعن المنعكش في النشوة، وأدار سبابته في الهواء، كنت منقادا، فأعدتُ المناجاة من الأول، ولم يكن حولي سوى أطياف لجامع البحر الذي امتلأ عن آخره، ثم وقع فجأة ما حدث، فما ذنبي إذا كانت التي تؤدي المناجاة على الجهة الأخرى وفي نفس التوقيت امرأة؟
الفصل الأول من رواية شيطان الخضر 2021
يوسف المنعكش في جامع البحر
بقلم: محمد إبراهيم طه - في: الجمعة 26 ديسمبر 2025 - التصنيف: مقتطفات
فعاليات
عرض ومناقشة مسرحية التذكر (Mnemonic)
يناير 24, 2026
تم عرض ومناقشة مسرحية التذكرعبر تطبيق ZOOM ،...
الصوفية ما بين التفكيك والنظرية
سبتمبر 11, 2025
حوار وندوة دينيه وعلميه حول التصوّف ونشأته و...
محمود سعيد رائد الفن التشكيلي
سبتمبر 20, 2025
تمت هذه الندوة يوم السبت 20 سبتمبر، 2025 ، تستطيع...
الجليد لصنع الله ابراهيم
يونيو 26, 2025
تمت مناقشة رواية الجليد 26 يونيو 2025 ونشكر ا...