يقول انيس منصور الكتب كالبشر فيها الصالح والطالح :
- كتب مثل الخرائط تهديك لغيرها
- وكتب تحتاج لخرائط،فالذى يقلبها يضيع فيها
- وكتب مثل الاوراق المالية مضمونة الفائدة
- وكتب أكثر الناس سمعوا بها ،ولكن لم يقربوها،ولكن لا يمكن تجاهلها
- كتب تحيرك وتبرجلك وتخيفك ففيها العفاريت والجن والغيب والعذاب
- كتب تفضح المستور وتقيم للفضيحة مقاما
- كتب لله ولوجه الله تقرب من الجنة وتباعد عن النار
ولكنه يقول أحببت كل الكتب وقرأتها فى ست لغات؟!
ويقول عباس العقاد : ( أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفي، ولا شيء يقدم لك أكثر من حياة واحدة سوى القراءة)
وفى سنة 1975 تخرجت من كلية الشرطة وتم تعيينى بالاسكندرية برتبة ملازم ثان،وتصادف وأنا ابحث عن شقة للإقامة أن يسر لى طلبى فى شارع النبى دانيال،لأكتشف أنه شارع الكتب،فهو المقابل لسور الأزبكية عندنا فى العاصمة القاهرة وكان للأستاذ رجاء النقاش،الصحفى والناقد الشهير شقة بنفس الشارع يأتى لها فى معطم ايام الصيف، وعند فترينات الكتب القديمة تعرفت عليه،كان يبحث عن اجزاء من كتاب الاغانى للأصفهانى..لم بعضه من سوق الإزبكية ويبحث عن باقى كمالته ولكن ماهذا الكتاب الذى لا ينتهى وقال لى إنه 24 جزء - غير منشور منها وقتها غير 19فقط - وهو كتاب فى الفسق والعشق ولكنه فى جو عربى عباسى شرقى صرف؟!
وحكى لى حكاية الكتاب فالكتاب يبدأ بمسابقة يجريها الخليفة هارون الرشيدى لأختيار أفضل مائة أغنية فى زمانه - هل لاحظت العدد؟! ويسجل الكتاب أن المرأة فى ذلك الوقت كانت حرة تماما،فهى تطارد الشعراء،وهى تبعث بمن يأتى بهم،وكثير ماوجدنا زوجات الخلفاء يبعثن للشعراء المشاهير ويقدمن لهم الشراب،ويرقص له الجوارى فالشعر فى الكتاب قضاء وقدر ويكتب عن (عمر بن أبى ربيعة) شاعر فحل ولكنه فاجر،فهو يذهب للكعبة ويطوف و يعاكس النساء ..
فأبو الفرج الأصفهانى رجل أبن حظ لم يكتب غير هذا الكتاب ولم ير فى الدنيا إلا مجالس الأنس والطرب.
وتصادقت والأستاذ "رجاء النقاش"،وكان متعجب لضابط البوليس المحب للكتب والروايات ويعتقد بإستحالة استمرار هذا الاهتمام فالمجالين البوليس والثقافة عنده قضبات متوازيان لا يلتقيان!
وقدمت له بعض القصص ليقول لى رأيه ولكنه أفهمنى أنه سينشرها مهما كان مستواها ليشجع هذة الارهاصة "ضابط الشرطة المبدع" وبالفعل نشرها بمجلة العربى حيث عمل وقتها بمجلة العربى الكويتية.
وماحدث لى مع رجاء النقاش تكررمع الكاتب جمال الغيطاني فقد ذهبت له مع صديقى حنفى المحلاوى فى أخبار الأدب وقدمت له كتابى "اعترافات نساء اديبات" ولكنه لما علم بوظيفتى اصابه الوجوم،وقال لن تحقق شيىء فى الأدب وأنت تعمل بالبوليس،سيفرضون عليك ماتكتب وستكون عليك طلب الإذن فى كل عمل ،وقد يراجعون ويشطبون لاتحفر فى الصخر،الأدب على يسار السلطة،معارض لتغولها،والبوليس حارس السلطة بتغولها واستبدادها..لاتضيع وقتك؟!
وقلت له نصحنى رجاء النقاش بحيلة الكتابة باسم شهرة أو اسم وهمى وفهمت منه أن "التابعى" عمل ذلك حتى لا يفقد عمله فى البرلمان،وأن "انيس منصور" كررالأمر عدة مرات فقد كان يسجل فضائح الملك فاروق فى أخبار اليوم فكتب تحت اسم "سيلفانا ماريللى" حتى لا يسجن ثم كتب فى جريدة الأثنين عن المرأة والموضة فأختار اسم"أحلام شريف"حتى لا يشهر به اولاد الكار..
وبالفعل نشر لى الأستاذ رجاء النقاش قصص بالعربى الكويتية بأسم "أشرف توفيق" مختصرا لأسمى الطويل "أشرف مصطفى توفيق محمد توفيق" - فلأبى وجدى اسماء مركبة - فحمانى من الكتابة بإذن ومن الرقابة ،وضحك الغيطانى وقال أختار اسم بوليسى لا أسم مختصر،على طريقة "فولتر" الذى اسمه الاصلى "فرانسوا أروبه" وإلا سيقبض عليك متلبسا بالكتابة!
وأنشغلت بالموضوع لماذا نكتب بغير اسمائنا؟ا ووجدت "فرناندو بيسوا" هو المثال الأشهر والأكثر تطرُّفا،فلم يكتفِ باسم مستعار واحد، بل لجأ إلى الكتابة بـ72 اسما مختلفا. ولم تكن مجرد أسماء، بل منح لكلٍّ منها شخصيته المميزة وآراءه السياسية والدينية، وكوَّن لكلٍّ منها ما يشبه سيرة حياة كاملة ومن أشهر هذه الأسماء كان عالم الاجتماع والفيلسوف أنطونيو مورا، وتوماس كروز الناقد والأكاديمي المتخصص في أدب ألبرتو كاييرو دا سيلفا، الذي كان هو الآخر اسما آخر من أسماء بيسوا !!
ولعل أشهر الحالات هي حالة كاتبة الغموض والجريمة الأشهر"أجاثا كريستي" التي اختبأت خلف اسم"ماري ويستماكوت" لاستكشاف تجربة كتابة روايات رومانسية.أما الأغرب فكانت ل"جي كي رولينغ" فبعد الشهرة الواسعة التي حقَّقتها سلسلة كتب مغامرات "هاري بوتر"، اختارت الكاتبة "جي كي رولينغ" الاختباء خلف اسم مستعار هو "روبرت جالبريث"، مدفوعة بالفضول لمعرفة الذي ستُحقِّقه روايتها الجديدة "نداء الكوكو" دون الاعتماد على النجاح السابق لسلسلة كتبها الأشهر"هاري بوتر" حظيت رواية "نداء الكوكو" بنجاح محدود ومبيعات متواضعة، لكن ما إن تسرَّبت الهوية الحقيقية للكاتبة إلى الصحافة حتى قفزت مبيعات الرواية من 1500 إلى 140 ألف نسخة. وقد واجهت النساء وضعا مماثلا في العالم العربي حين بدأن في اقتحام مجال الكتابة، فكتبت "مي زيادة" تحت عدد من الأسماء المستعارة من بينها "عائدة" و"إيزيس كوبيا"،واستخدمت الكاتبة عائشة عبد الرحمن لقب "بنت الشاطئ" لرفض أسرتها المحافظة ظهور اسمها في الصحف. كذلك الحال بالنسبة إلى الكاتبة السورية "مقبولة الشلق"، التي كانت أوّل امرأة سوريّة حازت على الإجازة في الحقوق، ونشرت قصصها ومقالاتها باسم "فتاة قاسيون" وعلى الجانب الآخر، اضطر إريك آرثر بلير، مؤلف رواية الديستوبيا الأشهر "1984"، والمعروف باسم جورج أورويل، إلى الاختفاء خلف هذا الاسم عندما نشر كتابه الأول "متشرد في باريس ولندن" خوفا من أن يُسبِّب الإساءة لسمعة عائلته بحديثه عن سنوات التسكع والفقر؟
كان القمع السياسي دائما واحدا من الأسباب التي دفعت العديد من الكُتَّاب إلى التخفي خلف هويات مستعارة هربا من بطش السلطة وحماية لحرياتهم وسلامتهم الجسدية، بل ولحماية حياتهم في كثير من الأحيان "مهدي عامل" هو الاسم المستعار الذي نشر تحته "حسن عبد الله حمدان"، المناضل الشيوعي اللبناني، مؤلفاته. ولكن يبدو أن الاسم المستعار لم يكن كافيا، فقد اغتيل مهدي عامل عام 1987 في بيروت وهو في طريقه إلى الجامعة اللبنانية حيث كان يدرس فيها مواد الفلسفة والسياسة والمنهجيات.