قراءة في الدلالة والبنية والتشكيل
انطباعات حول رواية شارع بسادة للكاتب الأستاذ/ سيد الوكيل
أن يستهل الكاتب بالمكان مُركزَّا على مفرداته المتحركة غير الثابتة في القطار ونفق الغرباء وعربة الحنطور وسيلة النقل القديمة؛ متجاوزا الثابت من المكان ذاته والزمان والشخصية والحبكة؛ فإن ذلك قد صنع نسقا سرديا يدعو للتركيز من ذهن القارئ أن يلملم بتلابيب هيكلية الرواية وبنائية أحداثها وطرح رؤى وأفكار شخصياتها مبرزا في ذلك المتغير المتصدر للمشهد، الذي يستدعي استقصاء الثوابت المعهودة في أي بناء روائي حيث الشخصية واغترابها وارتباك المصائر وهشاشة العلاقات وروابطها العابرة، حيث الزمان المتداخل المتقطع في متواليات متصلة، حيث السرد يتجاوز بلاغة لغوية إلى بلاغة نفسية تقتنص تشبيهاتها من عمق الشخصية وإطارها النفسي والاجتماعي ومستواها الشعوري وقت الحدث.
وفي بواكير من اعتنى بالعتبات النصية حيث الرواية تم صدور طبعتها الأولى عام 2008 فقد ألحق الكاتب بعنوان الرواية نصا "حيث رأى الناس مهرة بيضاء تعدو، ومسهم سحر عينيها الجميلتين، فسكنتهم فتنةٌ وضلال" ليمهد للقارئ أبعادا ميتافيزيقية تسهم في رسم الشخصيات ومعان مطلقة تشكل خلفية الحدث تستعيد سحرية وأجواء الحلم وحكايات سمعناها عن ست الحسن وقصص العشق الأسطورية مما صوره الكاتب بالأخص في شخصية مارسا بجميع صفاتها المؤنثة وأثيرية مشاعرها ورهف تجربتها وزينب سليمان بعنفوان أنوثتها ورومانسيتها المكبوتة، وما قد سطره من قبل في ذات الإطار السردي والاتكاء على ميتافيزيقا الشخصية وأجاد في ذلك من رواد ومبدعين؛ كما في الإبحار الصوفي في تكوين صورة "خمرية" _العذراء الجميلة الفتية، المنسالة دموعها كحبات اللؤلؤ فوق خديها_ في رواية (عذراء الغروب) للكاتب مجيد طوبيا أو كما في العلاقة الوجودية بين فهيمة وأخيها مصطفى رواية (الطوق والأسورة) للكاتب يحيى الطاهر عبدالله أو كما في العلاقة المصيرية بين حربي وصفية في رواية خالتي صفية والدير للكاتب بهاء طاهر مع الفارق بالطبع في تشكيل العلاقات وحتمية النهايات؛ في مقابل الاتفاق في صناعة عالم قصصي له منطقه وتفاعلات شخصياته المنبثقة من هذا المنطق وفق منظور الكاتب نحو بيئة العمل.
وأن يفسح الكاتب مساحة لشخصيات غائبة "أرواح من دهسهم القطار ذات يوم" بألاعيبهم كدالة على الرفض الهارب من واقع مؤلم وعبث ما وراء الواقع بالواقع ذاته والذي صنع هامشا مؤثرا في متن الأحداث.
ثم بعد هذا العرض البانورامي لمكان مضطرب بالتفاصيل يفتح الباب رويدا رويد ليبدأ الرسم غير المعتاد للشخصية من منظور نفسي وسيسيولوجي يجنح تارة إلى واقعية صادمة ويرفرف تارة إلى واقعية سحرية تمس الفانتازيا ننصت فيها لحوار مع الملائكة أو همس لأصوات مجهولة أو عبث من نغز الشياطين أو لوحات تنطق أو شخصيات في الأحلام تخاطب الحالمين أو استدعاء لأثر المأثورات وخرافات كمنت في الوعي؛ فيبدع الكاتب في رسم الشخصيات ظاهريا وباطنيا حيث تهلهل الذات وتهميشها إلى هامشية العيش والحياة في شخصية رجب العربجي ونومته القلقة على مؤخرة الحنطور، أو ترهل الوعي ينعكس على ترهل جسم الشخصية التي تتدلى أعضاؤها في استسلام وسخرية ورضا جبري كما في موظف السجل المدني، كما في ضآلة الشعور بالوجود الذي ينطوي على ضآلة في السمات الظاهرية للشيخ الأزهري والانطواء الشخصي المصاحب لجميع سلوكياته.
عندما يتحول صوت السارد إلى صوت جماعي تصدره النظرة الجمعية المستقاة من الحدود الثقافية لمجتمع الحدث الروائي ويتفق في ذلك مع تقنيات تيار الوعي التي يندمج فيها صوت الراوي مع الصوت الخاص لتطلعات الشخصية والأجواء العامة للحدث مثل مونولوج سعيد مهران في اللص والكلاب وحديثه لنفسه بالوعيد لمن غرروا به.
بينما يترك العنان لشخصية سمير وهدان أن تبوح بمكنون روحها وعناء اغترابها فيما بين التماهي والمخاتلة بين الشخصيتين سمير ووهدان في سجن نفسي زُجَّ به فيه، الزاوية المنظورة بعيني سمير تجاه الرجال الذين يتسلل عرق أجسادهم إلى روحه فتبكي وترتعش في إبحار كاشف لفصيل من الأنفس تعيش معاناتها الذاتية في مجتمع يرفضهم.
وفي مقاربة بنفس الشأن عندما يسرد الكاتب ما يخص الفتى الشاذ الفقير نراه يتقمص الاتفاق المسبق لهذا المجتمع عن الفتى وسلوكه والحكم القسري عليه حتى بدا ذلك في إدراج بعض الألفاظ الدارجة الخارجة عن المألوف وهو ما قد لا يستنبطه محدودي الادراك بالمزج بين شخصية الكاتب ومعطيات بيئة عمله الأدبي وشخصياته.
ليرسم الكاتب شخصية "حسونة من دم ولحم وليس نموذجا جاهزا في الأذهان وعن خفاء علاقاته وتدني العطايا مقابل علاقات مشوهة يخيم عليها الخفاء والظلام لينطلق في حميمية صادقة مع العجوز الغانية يهبها أشياءه الرخيصة مقابل إيوائه له وتبنيها له وهي التي "صحيح أن سيدة ضاجعت رجالا كثيرين، لكن الله لم يمنحها ولدا واحد، وذات مساء أرسل لها حسونة حتى باب بيتها"
الراوي الذي يسرد ليس راويا عليما رغم اختراقه للحجب وتعرية الأهواء إن الفقرات يسردها وفق معطيات الحدث ومنظور الراوي وإطاره الشخصي؛
عند شخصية (علي) نقف كثيرا حيث نراه من حيث عدد المشاهد هو بطل الرواية ان جاز لنا التشبيه بالسينما
عندما يصف ناشد (علي) ويسهب في وصف روحه النقية هو ليس (علي) الذي يصفه سمير وهدان ويسترسل في وصف فحولته وذكورته مما أضفى عنصر التشويق واللهاث خلف الاحداث والصفحات لاستقراء المضمون واستكمال تكوين الصورة في مخيلة القارئ.
السرد يبرز تركيزا شديدا من الشخصيات تجاه الجسد وقلق جنسي ملازم للشخصيات يتماهى مع ركائز الشخصية ومكوناتها النفسية وإطارها الثقافي والاجتماعي وتتجلى ظلال الجسد كمعادل للقلق والاضطراب والحرمان. والجسد دال مؤثر ما بين السمو والتبجيل أو النبذ والتشويه في صور عديدة كما يلي،
" أمي تجلس على ركبتيها لينحسر الفستان قليلا، وتبقي وجهها الجميل قريبا من وجهي"
"تحسس بأصابعه جرحا طويلا بعرض البطن، فوجده ما زال ملتهبا وناتئا"
"دفع في جيب أحدنا صورا لنساء ورجال عرايا وفي أوضاع يخجل الواحد من وصفها"
"تحركت فيها الشهوة، وشعرت برعشة بين فخذيها"
مما يتضح أرق الجسد وصوت الكبت ظاهرا مُلحا في الشخصيات.
حتى في أوج العلاقة وحميميتها كان العنف قاسما مشتركا لجميع مشاهد الحب فمرة تنتهي العلاقة الحميمة بجريمة قتل (علي) على يد ناشد ومرة تتصاعد سادية عنتر في احتواء سيدة الغانية واعتلائها ممتطيا شهوة يقودها الصراخ والضرب ونشب الأظافر والهذيان المحموم وتنتهي ب "سوائل تجري بينهما، لها طعم دموع العينين"
كان انزياح الكلمة إلى مستويات عديدة حاضر في سردية متقنة تستدعي الزمكان وتداعياته على الإنسان
"يتنفس الواحد منهم بعمق، فتطير روائح بن ودخان، وتطير أفكار وذكريات من الأيام الخوالي"
من قهوة الغانية العجوز التي تعدها على "منقد لا تنطفئ فيه النار أبدا"
"هم الآن أكثر كرما، حتى من ذي قبل، من تلك الأيام التي كانوا يدفعون فيها لقاء أشياء حية"
المرأة العجوز بحضورها في بداية الرواية في الجدة التي تتثاءب والتي يضج منها الحفيد أو بحضورها في الغانية العجوز (سيدة ألاجا) تحمل الكثير من الاسقاطات عن صيرورة الزمن وخيانة الجسد لصاحبه وازدراء مبطن لغياب الجمال ورثاء للعنفوان وانحسار الشغف.
أنسنة الأشياء
حصان رجب العربجي وجموحه للحياة واختلاق حالة واد وأنس بينهما
الطبيعة من رياح وأمطار وبرد تسير جنبا الى جنب مع الشخصيات والأحداث في مزج وحميمية وتفاعل.
الجماد المانيكان القديم كشاهد صامت على جريمة القتل.
الكرباج رابط بين شخصين على فراش يجمعهما (نادية والشخص المجهول).
البيوت التي تصمت أبدا بل تعيد على أذهاننا حكايات من سكنوها قبلنا.
وأعود إلى مارسا ألا يوجد رابط بين اسم مارسا؟ ودلالة اسمها في التراث المسيحي ومقتل (علي) في جملة "تركه يموت من غير شربة ماء أخيرة" في تناص مع أحداث الصلب وباب التأويل مفتوح للاستزادة والاطلاع.
صناعة المشهد احتوت على الامتداد الداخلي للشخصية فجمعت بين ابداع الوصف واندماج الحالة النفسية وما أجمل ما أبدع الكاتب في لقاء عنتر وسيدة من وصف المكان القميء واسترجاع ما بينهما من منعطفات عاطفية وشهوانية ورباط إنساني مبهم يجعلهما على تواصل في هذه السن الكبيرة.
وكذا في لقاءات علي ومارسا وصوت وضمير مارسا يؤرق ما بينهما من لمسات حميمة واستراق للذة محرمة تنتهك ما بها من روحانية وسمو وسرد مبتكر من قلب نفسية مارسا المأزومة بالحرمان
"لم يتقوس ظهرها تحت رجل منذ باغت الدرن صدر ناشد" دائما ما تتجاوز البلاغة مخيلة القارئ فتاتي بتشبيه ديناميكي يقتنص لقطة تعبر عن عمق علاقة المشبه به بالمشبه أو استعارة مشهد يلح بما يعتري نفس الشخصية وهو في معرض حديثنا عن مارسا هو حرمانها الزوجي فأتت جملة يتقوس ظهرها خير دليل على حاجتها للاحتواء والاشباع والمعايشة الفعلية للعلاقة.
ودعونا نبحر في عرض إبداع سردي مبتكر خلاق
"فتجدها أنفاسا ذكورية لها رائحة خوص النخيل المبلول التي تغمرها بالفرح في آحاد السعف"
إن الشعور بالفرح نسبي من شخص لآخر وتشبيه ذروة ما تتوق له نفس مارسا بذروة مسببات السعادة من رائحة الخوص يخلق تساميا وجدانيا ونشوة روحية عارمة تعانق حسها وشعورها قبل رغبتها وحرمانها
غير أنه لم يكن من المتسق مطلقا أن تتهاوى مارسا بكل سماتها المرهفة الرقيقة عبر صفحات الرواية بأن تسب (علي) وحتى وان كانت تحدث نفسها "أظافره طويلة ابن ..... ".
الحوار استنطقه الكاتب من عصارة الشخصيات من لحمها ودمها بلغة فصيحة طعمت في طياتها بكلمات فصيحة لها وقع العامية لاستخراجها من عمق البيئة وما درجت عليه من أوصاف وتشريح للمرئي واستكناه الآخر بكل دواخله
الحوار الفلسفي في الفصل المعنون "الملاك الذي صار شابا، وجلس يبكي على حمام المرأة التي تحولت إلى مهرة"
الكاتب بلور فيه فلسفة وجودية عن الشهوة والحاجة الانسانية عن اكتشاف الرغبة ولذتها
فيما بدا الملاك في الحوار انه (الأنا الأعلى) أو الضمير المطلق الكامن في أرقي مراتب الانسانية بينما الراوي مبررا ومنظرا لحتمية الرغبة التي لا مفر من الإفصاح عنها حتى لو في الخفاء أو في استراق النظرات واللمسات.
"فالملائكة الطيبون أمثالك، لا يذهبون إلى الأماكن المهجورة"
وعن الحبكة ففي الإطار السحري الأثيري لنوازع الشخصية كان الرسم الواقعي لسماتها وصفاتها الجسدية ملموسا والرابط قوي بين الأحداث على مدار الرواية المكونة من ستة عشر فصلا على مدار ثمانين صفحة حيث تكتمل الحبكة في قبول عقلاني لا يخل بأثيرية الأحداث والأجواء السحرية التي حلقت بالوعي والخيال في اعلى الدوائر الإدراكية.
وفي عودة إلى العتبات النصية للرواية فقد صدر الكاتب كل فصل بعنوان ليس قصيرا بل فقرة استهلالية من (ما وراء) الفصل المحكي تحمل كلمات الفقرة هامشا سحريا يكاد يتناص مع بعض أسفار العهد القديم وخاصة نشيد الإنشاد وما ورد به من صور هيولية للمرأة والحميمية والجسد
"شَفَتَاكِ يَا عَرُوسُ تَقْطُرَانِ شَهْدًا.
تَحْتَ لِسَانِكِ عَسَلٌ وَلَبَنٌ،
وَرَائِحَةُ ثِيَابِكِ كَرَائِحَةِ لُبْنَانَ"
وعادة ما يكون العنوان مقدمة للشخوص أو استهلال يكتمل معناه القفلة والخاتمة أو فكرة عامة من الراوي تجاه الحدث وحضور المعنى العام الذي يتمحور حوله الفصل كما فيالمرأة التي عرت فخذيها للشمس، وتركت الكتاكيت تتقافز، وتنقر شيئا بينهما.
ختام
وختاما فقد قرانا أدبا مختلفا استقى أصالته من تداخلات شتى مع أصول ادبية عريقة من الرواية والمأثور والتناص منطلقا من ثقافة واسعة لدى الكاتب في الفنون والتاريخ والانثروبولوجيا مع وضع بصمات إبداعية سردية لم تكتب من قبل بتقنيات اسلوبية أضافت للرواية العربية مرجعا مبدا وفتحت نوافذا رحبة لاستشراف أشكال جديدة من السرد والحكي والأدب الإنساني
اقتباسات من الرواية
- المصادفات تصنع دورا كبيرا في حياة الغرباء.
- قليلون جدا الذين يدركون اغتراب الروح عن أجسادها.