لعل من المفيد التوقف قليلا أمام عتبات الرواية لما تشير إليه من دلالات هامة فى فهم أحداثها الصاخبة، فعنوان الرواية (الروزنامجى) وهو لقب أو وظيفة تاريخية فى العصر العثمانى ويعنى كاتب الحسابات أو ما يسمى مأمور الضرائب فى عصرنا الحالى وهى من أصل فارسى، كما يصور الغلاف سيدة سمراء وخلفها رجل أبيض يرتدى ملابس حمراء وطربوش أحمر ويشير إلى الأتراك العثمانيين وبالخلفية نهر وبيوت قروية ومآذن وقباب بعيدة وتشير إلى القرى المصرية ، كما تصدرت الرواية بفقرة من تاريخ الجبرتى عن الروزنامجى والباشا والخراب والعمار وفساد الروزنامجى ، وكلها تشير إلى الفترة التاريخية للاحتلال العثمانى لمصر وخاصة فى بداية حكم محمد على وما اعتراها من فساد وخراب وكلها دلالات هامة على الأحدث فى تلك الفترة التاريخية فى مصر، إذ لا تسجل الرواية أى تاريخ صريح بل أحداث ثابتة فى تاريخ مصر وأهمها فشل حملة فريز على مصر فى عام 1807 وانتشار وباء الطاعون وهى الفترة التى اتخذتها الرواية بداية لأحداثها .
البناء السردى للرواية :
قام البناء السردى للرواية على أربع شخصيات رئيسية فى خمسة فصول وقد تفرع عنها حكايات فرعية كثيرة وهم كامبل، حياة النفوس، دلال الحبشية، الروزنامجى، وشخصيات فرعية كثيرة جدا منها من ساهم فى بناء الأحداث ومنها من أثقلت السرد على ما سنرى، وقد تفرعت عن تلك الشخصيات عشرات الحكايات وكان لكل شخصية حكاية بحيث اصبحت الحكاية هى البنية السردية الرئيسية فى الرواية، ومن المفيد التناول بإيجاز فصول الرواية (1) :
كان شخصية (كامبل) هو عنوان الفصل الاول وهو طبيب إنجليزى بعثته الحكومة البريطانية عقب فشل حملة فريزر على مصر، لتحسين العلاقات مع الباشا(محمد على) ولوضع حد لاعتماده على الفرنسيين ولدراسة طبيعة البلاد ونشاطها تحت ذريعة إنسانية وهى المساعدة فى علاج الطاعون الذى عم بمصر،(2) وهو يعانى من أزمة هروب زوجته مع مغامر فرنسى ومصطحبة معها ابنته ليزا وبسبب أزمته ظل يطرح أسئلة وجودية كبرى عن الله وجدوى الحياة الإنسانية خلال الرواية وقد حاول التغلب علي أزمته من خلال رحلاته إلى الهند ثم إلى مصر، وقد تناول الفصل الثانى شخصية حياة النفوس وهى ابنة مصطفى أغا التاجرالمملوكى الثرى وقد أنجبها من عبدة سوداء حبسها فى غرفة بقصره، وشاء القدر أن يموت جميع أبنائه وتبقى حياة النفوس وتؤول إليها ثروة أبيها وتقرب منها الشاب محمد محفوظ الذى فشل من قبل فى رحلة ابتعاثه لدراسة الهندسة فى إيطاليا وهامت به حبا ثم تزوجها وقد أعطته كل شئ تملكه وبسبب شهواته وهيامه بالعبدة دلال الحبشية أهمل إدارة ثروة زوجته وتسبب فى فقد التزامها على الكفر لخرابه وانتقاله إلى ملتزم آخر لتعميره .
تناول الفصل الثالث شخصية دلال الحبشية والتى خُطفت من الحبشة وأصبحت عبدة وتعرضت للعذاب والاستغلال الجسدى من الجلاب ثم قامت بقتله عندما أراد إغتصابها ثم هربت وانتقلت عبوديتها من سيد إلى آخر إلى أن استقرت فى المنصورة كخادمة وللمتعة الجسدية بعد إلغاء تجارة العبيد، وقد التقت بشخصية محفوظ زوج قوت القلوب وقد هام بجسدها وحملت منه وارادت أن يتزوجها "اعتقنى وتزوجنى يا محفوظ"ص113 إلا أنه ضربها حتى أُجهضت ثم تمكنت من قتله فيما بعد أما الفصل الرابع وعنوانه المتصاحبون ويدور حول شخصيات فرعية قام الملتزم بتسكينهم بكفره لتعميره حيث كانوا يشغلون عدة مهن"أعطاهم مع الأرض البور والبيوت التى كانت مفتوحة وبلا أبواب وشبابيك، أسامى جديدة دونها الكاتب فى دفتره"ص122 وسكنهم إحساس بأن اللمة تحميهم من الخطر ومن هنا دلالة عنوان الفصل وقد اتسم بكثرة الشخصيات الثانوية والتى شكلت ثنائيات مثل سنية وصبرى، أبو أحمد ومريم ، الشوادفى وتفيدة زوجته، الشوادفى ومريم والجمّال وعزيزة والتى ولدت توأما سمتهما سليمان والجمال وغيرهم، واختتمت الرواية بالفصل الخامس والأخير وعنوانه الروزنامجى ومن سياقه يتبين لنا أنه روزنامجى آخر غير سعيد الروزنامجى وهو من تسبب فى نقل كفر محفوظ إلى ملتزم آخر والذى قتلته قوت القلوب عند محاولته إغتصابها، ورغم الغموض الذى أحاط بشحصيته، فإننى أميل إلى أن الروزنامجى الجديد هو كامبل، وقد أعد عدة تقارير تناولت كل شئ فى قرى مصر، الأراضى الزراعية والتجارة والمصانع والورش وكافة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالبلاد وقد أرقه حكاية مريم الفرنسية والشوادفى وكذلك مقتل محفوظ حتى تراءى له شبحه فى مشهد فانتازى يقول له "ابحث عن قاتلى وستجده" ويذكرنا بظهور شبح والد هاملت المقتول لهاملت ومطالبته أن ينتقم لمقتله فى مسرحية هاملت لشكسبير.
اتسمت أحداث الرواية بالعنف وانتهت كثير من شخصياتها بالموت أو القتل، فكامبل ظل يعانى من أزمته الشخصية والوجودية وفشل فى علاجها، وانتهت حياة أبو أحمد بالقتل نتيجة لضربه من الجمّال بسبب النزاع على حدود الأرض، وانتهت حياة عباس الجلاب ومحفوظ بالقتل على يد دلال الحبشية ، كما انتهت حياة قوت القلوب بالجنون ثم الموت بجانب زوجها محفوظ فى المقبرة الفاخرة التى شيدتها له، فضلا عن موت الناس بسبب انتشار وباء الطاعون، كما تعرضت المرأة خاصة لأكثر درجات القهر مثل قوت القلوب، دلال الحبشية، تفيدة زوجة الشوادفى، سنية زوجة صبرى، مريم الفرنسية على ماذكرنا وهى تشير إلى الحالة المزرية التى كانت عليها مصر فى تلك الفترة التاريخية .
اللغة والسرد والحوار :
اتسم السرد بالمشهدية والإيقاع الحركى وكثرة التعبير بالجملة الفعلية مما أعطى السرد الحيوية والحركة، فقد بدأت الرواية بمشهد أشبه بالمشهد السينمائى بوصول شخصية كامبل إلى ميناء الإسكندرية "رفع قبعته من على رأسه، وبانت صلعته الخفيفة فى المقدمة وهو يتأمل الميناء"ص7، ومثل "صعد صبرى مدخل الدار، وتلفت يمينا ويسارًا"170، "لفت مريم الطرحة على منديل الرأس، وخرجت..تركت الدار مفتوحة،..صعدت سلالم الدار وسألت عنه"ص173، وقد غلب استخدام ضمير الغائب العليم وهو الضمير الذى يحافظ على وجود مسافة بين السارد والحدث ويعطيه حرية التعبير عند دخائل الشخصية وحرية الانتقال فى الزمان والمكان مثل تعبير السارد عن مكنون حب الشوادفى لمريم "وأحس بضغطة الحب الهائلة وقوتها، وبضعفه عن البوح لها، أو لاى مخلوق آخر، استدار مكتفيا بالصبر ولم يحد عن الطريق الذى كتب له قيد أنملة"ص148 ، مع ترك مساحات للشخصيات لتعبر عن نفسها فى الحوار فكان أكثر جاذبية وأبعدها عن الإملال .
كانت اللغة مزيجا من الفصحى البسيطة والعامية فى السرد والحوار، فقد استخدم السارد العبارات العامية فى السرد ولكنه فصحها قليلا مثل "هب واقفًا وعفاريت الدنيا تتنطط أمام عينيه "ص149، أما الحوار فقد كان بعبارات قصيرة ومعبرة عن الشخصية وكان مزيجا من الفصحى والعامية مثل
-عشقتها يا شيخ صبرى!
- سايق عليك النبى تخطبها لى ياشيخ صبرى! ص151
وقد اتسمت اللغة بالجمال وبالصور البلاغية البكر مثل "وجد النيل نائما وممددا كأم يسرى الدفء فى جسدها من الظفر إلى آخر نقطة ينتهى عندها وجودها"ص38 " كما اتسمت اللغة بالحسية والتعبير بالمجاز عن الجنس مثل "طرحت سنية قبل موسمها فارت "ص117، ومثل "نامت دلال فاردة جسدها الإلهى أحست بالدفء يسرى فيه والأمل وعدته أن تسكب خزائن متعتها تحت قدميه، ستفتح باب حديقتها وتوجهه لشم أفضل الروائح وتتركه يلتهم أنضج الثمار ونامت وهى تحلم"96 ، إلا أن الجنس كان فى مشاهد أخرى أكثر جرأة وصراحة ولكنه كان فى سياق التعبير عن الحدث مثل مشاهد العلاقة الجنسية بين أم قوت القلوب (عبدة) مع مالكها مصطفى أغا ودلال الحبشية مع محفوظ ومريم الفرنسية مع كامبل ص185، كما اتسمت اللغة بالتعبيرية الهائلة مثل "وأحس بضغطة الحب الهائلة وقوتها، وبضعفه عن البوح لها، أو لاى مخلوق آخر، استدار مكتفيا بالصبر ولم يحد عن الطريق الذى كتب له قيد أنملة"ص148
أخيرا، نجح الكاتب فى التغلب على سلبيات الرواية التاريخية التقليدية وإملالها فى نقل الأحداث التاريخية كما هى، فلم يغرق فى ذكر أحداث التاريخ وإنما اتخذها إطارا سرديا واكتفى بالإشارات التاريخية للأحداث لتصوير إنعكاس ذلك التاريخ وأزماته الكبرى على عامة الناس من الفقراء والمهمشين من الشعب المصرى معبرًا عن عذاباته وأزماته الوجودية والاجتماعية والإنسانية بلغة فنية وجمالية أخَّاذة .
الهوامش:
(1) رأيت من المفيد ذكر الشخصيات الرئيسية بإيجاز وبعض الشخصيات الفرعية بسبب أن الشخصيات كانت البنية السردية الرئيسية فى الرواية ، كما توسعت قليلا فى ذكر الاستشهادات حتى يلم القارئ بأحداث الرواية وبأسلوبها وبلغتها خاصة من ليس بيده نص الرواية .
(2) هى الذرائع التى دأبت الدول الاستعمارية على اتباعها حتى اليوم للتدخل فى شئون البلاد التى تريد السيطرة عليها وإحتلالها كما حدث فى الاحتلال البريطانى لمصرعام 1882 عقب فشله فى حملة فريزر لغزو مصرعام 1807، ولا زالت تلك الذرائع مستمرة تحت مسميات المساعدات ودعاوى حقوق الإنسان وغيرها.