رؤية السؤال تجاه الحقيقة المُطلقة

بِسمِ الحَقِّ الَّذِي استَخلَفَ العَقلَ نُورًا فِي ظَاهِرِ المَاهِيَّة، والوَعي فِي بَاطِنِهَا رُوحَ قُدُسٍ.

أَيَّدَنَا الحَيُّ بِرُوحٍ مِن عِندِه، وأجلَىٰ عن البَصِيرة أغلِفَة الوَهم.

​في بَدء الاستِبيان الرُّوحِي؛ قَد وَقَع الإِنسان في فَخِّ الاغتِراب، لا كاغتِراب النَّفسِ عن وَطَنِها، بل انفِصال الصُّورة عن الجَوهَر.. وتِيهِ الوَعيِ في ألاعِيب المادَّةِ الزّائِلَة.

قَد أصبَح المَعنَى مُستَهلَكًا، وصارَ المُقَدَّس عَرضًا يُتَداوَل، لا جَوهَرًا يُتَعَقَّل ويُتَدَبَّر.

​أمّا التَّفكِيك والمُحاكَمة في جَهلِ البَيان وظَنِّ اليَقِين؛ فإِنَّهُ لَو بُعِثَ سُقراط لَما احتاج أن يَطُوفَ بَحثًا عن حق الحَقِيقَة، وإنَّما سَيَقِفُ مَذهُولًا أمَام أسواق الحَقِيقَة المُطلَقَة، حَيثُ الكُلُّ يَدَّعِي الحِكمَة ويَرفَع راياتِ المَعرِفَة! ولَيسَت الفِضَّة تُطلَى بالذَّهَب! بَل أردَأ الوَعيِ الفِكرِيِّ يُطلَى؛ وهَكَذا تَألَّقَ النِّفاقُ زُورًا بِاسمِ الحَق، وتَحت شِعار الحَقِيقة المُطلقة.

​تَبدَأ الأزمَة مِن عَدَمِ الفَحص؛ فالحَياة -والمَعرِفَة- إن لَم تُختَبَر لا تُعاش، والجَهلُ قَد صارَ مُرَكَّبًا، ومَوجَةً ضارِبَةً لِلوَعيِ العامِّ تَفتِكُ بِحَقِّ المَعرِفَةِ والسُّؤَال، وكَأنَّ العِلمَ تَحَوَّلَ لِاقتِناصِ الشَّذَراتِ وطَلَبِ المَعرِفَةِ السَّرِيعَة.. هَذا التَّدَفُّقُ الوَهمِيُّ خَلَقَ مَعلُوماتٍ طافِيَةً عَلى السَّطح، فَحواها خالٍ مِن المَعرِفَة، مَعزُولٌ عَن يَنابِيعِ التَّفاصِيلِ والتَّساؤُل.

​أمَّا في تَصنِيفِ العِلَل؛ فَإذا نُظِرَ بِعَينِ المَنطِقِ النَّقدِي، وُجِدَ أنَّ عِلَّةَ الغايَة لِلمَعرِفَة قَد فُقِدَت، والوَعي العام انتَهَج ألَّا يَطلُبَ حَقَّ المَعرِفَة تَقَرُّبًا مِن كَمالِ القُوَّة، بَل لِأجلِ الظُّهُور والاستِهلاك! وكَما تَقسِيمُ الوُجُود إلى واجِبٍ ومُمكِن، كَذَلِك نَجِدُ القِيَمَ الرُّوحِيَّة قد هَبطَت مِن مَرتَبَةِ الوُجُوبِ الأخلاقِيِّ إلى مَرتَبَةِ الإمكانِ التَّبَعِي؛ أي أنَّها تَكُونُ حَيثُ تَكُونُ المَنفَعَةُ والمَصلَحَة.

​أمَّا عَن المَدِينَةِ الفاضِلَة؛ فهِيَ حَيثُ يَتَعاوَنُ أهلُ الأرض على نَيلِ السَّعادَةِ بالمَعرِفَةِ الحَقِيقِيَّة والقِيادَةِ الحَكِيمَة، قِيادَةِ اتِّصالٍ بالعَقلِ الفَعّال..، وألَّا يُستَبدَل العِلمُ بالجَهل، أو مَعرِفَةٌ باطِلَةٌ مُوَجَّهَة لشَرِّ الشَّهَواتِ وتَعظِيمِ الانفِعالِ على حِسابِ التَّعَقُّل والوَعي.

​أمَّا بَينَ ظاهِر الشَّرِيعَة وباطِن الحِكمَة؛ فمِن هُنا يَنبَثِقُ مَأزِقُ التَّدَيُّنِ الشَّكلِيِّ، وبالإيضاحِ المُستَنِير الرُّشدي أنَّ الحَقَّ لا يُضادُّ الحَقَّ بَل يُوافِقُهُ ويَشهَدُ لَهُ.. فيُكتَشَفُ أنَّ التَّدَيُّنَ الشَّكلِيَّ قَد جُرِّدَ مِن عَقلانِيَّةِ الوَعيِ ومِن رُوحانِيَّتِه، فَأصبَحَ صُوَرًا ظاهِرَةً وطُقُوسًا جافَّةً يُرادُ بِها -فقط- إثباتُ الهُوِيَّةِ والتَّمايُز عَن الآخَر، وصَار أداةً سِجالِيَّةً في صِراعٍ هَوِيّاتِي على الخِطاب، لا تَربِيَةً للفَضِيلَةِ النَّفسِيَّة.

فمَثَلًا، يَأخُذُونَ بِاجتِزاءِ مَشهُوراتِ الشَّرِيعَة لِيَضرِبُوا بِها بَراهِينَ الحِكمَة، فَيَجهَلُوا الأمرَينِ مَعًا! ويَغِيبُ عَنهُم أنَّ مَقصِدَ الدِّينِ كُلَّهُ هُوَ تَزكِيَةُ النَّفسِ وتَجرِبَةُ الرُّوحِ ومُعايَشَةُ الوَحي.

​أمَّا الوَطَنُ الحَقِيقِي للرُوح؛ فلَيس في التِّيهِ الوُجُودِي! وكَما أنَّ كُل سِفر لا يُثمِر مَعرِفَة؛ فَالعَودَة إلَيه أولَىٰ"، فَإنَّ الخُرُوج مِن مَأزِقِ الظّاهِر لا يَكُونُ بالانكِفاء وَالعُزلَة، بَل بِسَفَرٍ إلى الدّاخِل.

​وعلى المُرِيدِ أن يَفقَهَ مَقامَ النَّظَرِ والشُّهُود والحَقِّ، وأن يَعلَم أنَّ حَقَّ الدِّينِ لَيسَ المَوجُود في القَوالِب، بَلِ المَوجُود في اتِّساعِ النَّفسِ والوَعي، لِمُعايَشَة كُل صُورَة مِن صُوَرِ التَّجَلِّي الإلٰهِي، وتَجرِبَة ثَمَرَةِ المَحَبَّة بَعدَ ثَمَرَةِ المَعرِفَة.

حِينَئِذٍ؛ تَعُودُ النَّفس إلى مَركَزِها، وَتَفقَهُ رُوحَ الوُجُود؛ لِأنَّهُ مَن عَرَفَ نَفسَهُ، عَرَفَ رُوحَهُ، عَرَفَ رَبَّهُ، وسَكنَ الوُجُود بالطُّمَأنِينَة.