حدود العقل ومجال الوحي عند أبي سليمان السجستانى

من هو أبو سليمان السجستاني؟

أبو سليمان السجستاني هو فيلسوف وعالم بالمنطق وشاعر، واسمه محمد بن طاهر بن بهرام. عاش في القرن الرابع الهجري، وولد بمدينة بغداد ، وكان من أنبغ فلاسفة عصره. وكانت بغداد في عصره تمتلئ بالفلاسفة والحكماء من مختلف الملل والنحل، مثل ابن الخمار، وابن السمح، والقومسي، ومسكويه، ونظيف، ويحيى بن عدي، وعيسى بن علي، وغيرهم.

وقال الأستاذ احمد امين عنه في كتاب فيض الخاطر:

«لم يكن أقل شأنًا من ابن سينا وابن رشد، وربما فاقهما في بعض النواحي، ولكن الوجاهة والشهرة حظٌّ لم يُرزقه أبو سليمان، فقلَّ من يعرفه أو يترجم له أو يوفيه حقه».

ولكن أبا سليمان السجستاني كان فقيرًا، وكان يعيش على ما يصله من عطايا الملوك والأمراء، وخاصة الملك عضد الدولة البويهي، ولعل ذلك كان سببًا في عدم قدرته على الإكثار من التأليف ونشر علمه.

رؤية أبي سليمان السجستاني لمسألة التوفيق بين العقل والدين

يرى أبو سليمان السجستاني أن قضية العلاقة بين العقل والوحي أثارت في عصره أربع نزعات فكرية كبرى، مثّلت اتجاهات مختلفة في فهم الدين والفلسفة.

فالنزعة الأولى كانت تُعلي من شأن العقل وتجعل الفلسفة حَكَمًا على الدين، بحيث تُقبل تعاليم الشريعة إذا وافقت المنطق العقلي، وتُرفض إن خالفته. وكان من أبرز ممثلي هذا الاتجاه زيد بن رفاعة، الذي رأى أن الفلسفة يقينٌ للخاصة، بينما الشريعة دواءٌ للعامة.

أما النزعة الثانية فجاءت على النقيض تمامًا، إذ جعلت الدين حاكمًا على الفلسفة، فكل فكرة فلسفية تُعرض على النصوص الدينية؛ فما وافقها قُبل، وما خالفها رُفض، ومثّل هذا الاتجاه جمهور المحدّثين والفقهاء.

ثم ظهرت النزعة الثالثة، التي حاولت التوفيق بين الدين والفلسفة عبر تأويل النصوص الدينية تأويلًا عقليًا وفلسفيًا، حتى تصبح الشريعة والفلسفة وحدةً متجانسة. وقد تجلّى هذا الاتجاه عند الكندي والفارابي، ثم عند إخوان الصفاء، الذين مزجوا الفكر الديني بالفلسفة اليونانية، وأوّلوا ما استعصى على العقل تفسيره.

أما النزعة الرابعة، وهي موقف أبي سليمان نفسه، فقد قامت على الفصل النسبي بين المجالين؛ فالدين عنده قائم على الوحي وغايته الهداية والعبادة، بينما الفلسفة قائمة على العقل وغرضها تفسير العالم الطبيعي. ولذلك لا ينبغي إخضاع أحدهما للآخر، بل يُؤخذ بكلٍّ منهما في مجاله الخاص دون تعارض أو إلغاء.

مسألة: النبي أفضل أم الفيلسوف؟

هذه مسألة اختلف فيها الفلاسفة الإسلاميون؛ فذهب الفارابي وابن مسرّة إلى أن الفيلسوف أفضل من النبي، بينما ذهب فريق آخر، على رأسه ابن سينا وأبو سليمان السجستاني — وهو الرأي الذي تبنّاه أبو سليمان — إلى أن النبي فوق الفيلسوف، وأن على الفيلسوف أن يتبع النبي، وليس على النبي أن يتبع الفيلسوف؛ لأن النبي مبعوث، والفيلسوف مبعوثٌ إليه.

مسألة تأييد الدين بالحجج المنطقية عند أبي سليمان

كره أبو سليمان السجستاني علماء الكلام؛ لأنهم قاموا بتأييد الدين بحجج منطقية وكلامية، وذلك لأنه — بحسب أطروحته في التفريق بين الفلسفة والدين — يرى أن المنطق أداةٌ ومنهجٌ فلسفي، وليس أداةً للدين.

مؤلفات أبي سليمان السجستاني

من مؤلفاته:

مقالة في مراتب قوى الإنسان وكيفية الإنذارات التي تُنذر بها النفس مما يحدث في عالم الكون.

رسالة في المحرّك الأول.

كتاب صوان الحكمة.

رسالة في مراتب قوى الإنسان.

من شعره

وكان لأبي سليمان المنطقي السجستاني أيضًا نظرٌ في الأدب والشعر، ومن شعره:

لا تحسدنَّ على تظاهر نعمةٍ

شخصًا تبيت له المنون بمرصدِ

أوَليس بعد بلوغه آمالَه

يُفضي إلى عدمٍ كأنْ لم يوجدِ

لو كنتُ أحسد ما تجاوز خاطري

حسدُ النجوم على بقاء المرصدِ

ومن شعره أيضًا:

الجوع يدفع بالرغيف اليابسِ

فعلامَ أكثر حسرتي ووساوسي؟

والموت أنصف، حين ساوى حكمُه

بين الخليفة والفقير البائسِ

مصادر ومراجع

كتاب فيض الخاطر، الجزء السابع، لـ أحمد امين .

كتاب الفهرست لـ ابن النديم .

كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء لـ ابن أبى صبيعة .

كتاب الإسهامات العلمية والفكرية للعلماء والفقهاء في القرن الرابع الهجري في العصر العباسي، تأليف د. سعاد هادي حسن الطائي وشيماء فاضل العنبكي