برغمِ ما تحملُه الكلمةُ من دلالةٍ لُغويةٍ على كلِّ ساقٍ، كونها اسمَ فاعلٍ من الفعلِ سقَى؛ إلا أَن صورةَ تلكَ الآلةِ البدائيةِ التي يستخدمُها الفلاحُ في ريِّ حقلِه هي التي تَتبادرُ إلى ذهنِكَ فورَ سماعِكَ كلمةَ (السَّاقِيَةِ)، خاصةً إذا كنتَ من سكانِ الريفِ المصريِّ الذين عاصرُوها، فقد كانت الساقيةُ واحدةً من أَهمِّ مفرداتِ جمالِه الخلَّابِ منذُ ابتكرَها المصريونَ القدماءُ لرفعِ المياهِ إلى الأراضي الزراعيةِ المرتفعةِ عن مستوى مياهِ النيلِ باستخدامِ الأبقارِ أو الحَميرِ، ولتكونَ بديلاً أساسيًّا عمَّا عُرفَ قبلَها بالرّيِّ الحَوضِيِّ، أو الرّيِّ بالرَّحَى (بالرَّاحةِ)، وهي طريقةٌ لا تُستخدمُ فيها آلاتٌ، بل تعتمدُ على فيضانِ النيلِ وارتفاعِ منسوبِ مياهِهِ، ومن ثَمَّ يَنسابُ الماءُ تلقائيًّا إلى اليابسةِ الممتدةِ على جانبَي النهرِ وفروعِه.
ومنذُ ظهورِ الساقيةِ إلى أن شرعَ الفلاحونَ في الاستغناءِ عنها ظلَّت لآلافِ السنينَ أَهمَّ وسيلةٍ للرَّيِّ الزراعيِّ في مِصرَ، ورغمَ قِدَمِها فقد ظهرَت في أشكالٍ محدودةٍ، ولم تَدخلْ عليها سِوى تعديلاتٍ طفيفةٍ لم تُغيِّر كثيرًا من أجزائِها الأساسيةِ أو طريقةِ عملِها، ويُلاحظُ ذلكَ عندِ المقارنةِ بين أشكالِها التي عُرفت بها في القرونِ الأخيرةِ ورسومِها على عددٍ من الآثارِ المصريةِ القديمةِ.
بدأت الساقيةُ على شكلِ عجلةٍ خشبيةٍ تدورُ أُفقيًّا، أو رأسيًّا، تحملُ آنيةً فُخاريةً تمتلئُ بالماءِ من جهةِ لِتَصبَّهُ في الجهةِ الأخرَى، وظلَّت هكذا لفترةٍ من الزمن، ثم تطوَّرت إلى استخدامِ (الكَبَّاسِ) أو القادوسِ أو التابوتِ أو التَّارَةِ، إذ تختلفُ تسميتُه من منطقةٍ مصريةٍ لأخرى حَسبما توارثَها فلَّاحُو كلِّ منطقةٍ عن آبائِهم وأجدادِهم، والكباسُ –أَهمُّ أجزاءِ الساقيةِ- مصنوعٌ من الحديدِ على شكلِ عجلةٍ مُجوَّفةٍ كأنَّها دُولابٌ دائريٌّ، ومُقسَّمةٌ إلى غُرفٍ كأنَّها أوعيةٌ فارغةٌ، هذه الأوعيةُ ذاتُ فتحاتٍ خارجيةٍ مُعَدَّةٍ للاغترافِ، ويُنصبُ الكباسُ رأسيًّا، مُعلَّقًا من مِحورهِ بقضيبٍ حديديٍّ يحملُه وسطَ بئرٍ مستطيلِ الشكلِ، مُمتلئٍ بالماءِ، وقد بُنيَت جوانبُه بالطُّوبِ المحروقِ ليَمنعَها من الانهيارِ، وماءُ البئرِ مُوازٍ -دائمًا- لمستوَى ماءِ النهرِ أو (التُّرعةِ) التي تَمُدُّهُ بهِ عن طريقِ ماسورةٍ مدفونةٍ تحتَ سطحِ الأرضِ تَصِلُ بينهما، ويَدورُ الكباسُ حولَ محورِه فتَغطسُ فتحاتُه بالتوالي في ماءِ البئرِ؛ لتمتلئَ بهِ، ومع استمرار الدورانِ يَصلُ الماءُ إلى فتحةٍ دائريةٍ قُطرُها أقلُّ من نصفِ مترٍ تقع في مِحورِ الكباسِ، تُفرغُ الماءَ في حَوضٍ صغيرٍ بُنيَ على أَحدِ جانبَيهِ لاستيعابِ الماءِ المتدفقِ، الذي ينطلقَ منه إلى اليابسِ المستهدَفِ بالرّيِّ، عبرَ قناةٍ صغيرةٍ شقَّها الفلاحُ بينَ حقولِه.
يُحاطُ الكباسُ بمُرتَفَعٍ عن سطحِ الأرضِ المحيطةِ به، لا يزيدُ ارتفاعُه عن مترٍ، ويَتراوحُ قُطرُهُ ما بينَ أربعةِ وستةِ أَمتارٍ، بما يتناسبُ مع حجمِ البئرِ الذي يتوسطُه، يُعرفُ هذا المرتفَعُ بالْمَدارِ (اسمُ مكانٍ من الفعلِ دارَ)، لكونهِ دائريَّ الشكلِ، تدورُ فوقَه البقرةُ -أو بديلُها- لتحركَ الساقيةَ، عن طريقِ عِرقٍ خَشبيٍّ يَصلُ بينهما يُسمى (الهُودْيَة) أو (النَّافْ)، يُربَطُ أحدُ طرفَيهِ على كتفِها في حلقةٍ خشبيةٍ أو حديديةٍ مَكسوَّةٍ بالقُماشِ السميكِ لِئلَّا تَجرحَ عُنقَها الذي تُطوِّقُه، بينما يُثبَّتُ الطرفُ الثاني أعلَى قضيبٍ حديديٍّ أو خشبيٍّ مثبتٍ رأسيًّا في محورِ تِرسٍ أُفقيِّ الوضعِ، يَستلِمُهُ تِرسٌ آخرُ أَصغرُ حجمًا مُتصلٌ رأسيًّا بالكباسِ عند محورهِ، هذان الترسانِ مُثبَّتانِ في الجهةِ المقابلِة لجهةِ حوضِ الماءِ الذي أشرتُ إليهِ آنفًا، ومعَ كلِّ دورةٍ كاملةٍ للبقرةِ في مَدارِها يَدورُ الكبّاسُ دورةً واحدةً أو أكثرَ حسبَ عددِ أسنانِ الترسَينِ، في عمليةِ تشبهُ إلى حدٍّ ما حركةَ تروسِ الساعةِ، وتتوقفُ كلُّ أجزاءِ الساقيةِ عن العملِ بتوقفِ البقرةِ عن الدورانِ، ويحرصُ الفلاحُ على عَصْبِ عَينَي بقرتِهِ أثناءَ دورانِها بقطعةٍ من القماشِ يُسميها (الْغُمَّةَ)، حتى لا تُصابَ بالدوارِ (الدُّوخة)، أو تتفاعلَ مع ما قد يُفاجئُها فيُفزعُها، ولم يكُن للأبقارِ والحميرِ بديلٌ لِتشغيلِ الساقيةِ حتى مَطلعِ الرُّبعِ الأخيرِ من القرنِ الماضي، حينَ بدأَ بعضُ الفلاحينَ في إحلالِ الجرَّاراتِ الزراعيةِ والمواتيرِ التي تعملُ بالوقودِ محلَّها، طلبًا للسرعةِ والراحةِ، بعد إجراءِ تعديلاتٍ تسمحُ باستخدامِها كمحركاتٍ من خلالِ اتصالِها بالكباسِ بِـ (سِير) مصنوعٍ من البلاستِيك أو نحوِه.
كان المزارعونَ المصريونَ يَحتفونَ بإنشاءِ السواقي، ويتباهونَ بامتلاكِها، ويبتهجونَ لتجديدِها، ويُربُّونَ الأبقارَ (ذكورًا وإناثًا وجاموسًا) والحميرَ من أَجلِها، وكانت الساقيةُ في الغالبِ مِلكًا لعددٍ من أَصحابِ الأراضي الزراعيةِ المتجاورةِ، يتَشاركون في إنشائِها، ويُنظمونَ استخدامَها؛ فيَقسِمُون الأيامَ والساعاتِ بينهم (بالدّورِ)، لكلِّ شَريكٍ دَورُهُ في يومٍ أو وقتٍ محددٍ، وكثيرًا ما جلسَ هؤلاءِ الشركاءُ بجوارِها نهارًا، أو سَهروا لمتابعةِ عملِها وهم يَتسامرونَ ويَتجاذبونَ أَطرافَ الحكاياتِ والأساطيرِ، تلك الجلساتُ والسهراتُ التي كثيرًا ما تَخلَّلها احتساءُ الشَّايِ المغليِّ على (الرَّاكْيَة)، أو تناولُ كِيزانِ الذُّرةِ المشويَّةِ عليها.
كما كانَ للسَّواقِي مُحترفُون في صناعتِها من النجَّارينَ والحدَّادينَ، جَعلُوها مِهنتَهم التي يَتكسَّبون منها؛ فيصنعُون أَجزاءَها، ويقومونَ بتَركِيبِها في أماكنِها المخصَّصةِ لها، ثم يتعاهدُونَها بالصِّيانةِ في فواصلِ المواسمِ الزراعيةِ، أو حينَ يَستدعي الأمرُ ذلكَ.
ظلَّ الأمر كذلكَ؛ إلى أن ظهرَت قبلَ أربعينَ سنةً من الآنَ ماكيناتُ الريِّ الحديثةُ التي تعملُ بالسُّولار وبدأتْ في مُزاحمةِ السَّواقي، حتى أوصلتْها إلى حالٍ بائسةٍ تُقاومُ فيها الانقراضَ، وأَصبح وجودُها نادرًا في محافظاتٍ محدودةٍ كالشرقيةِ وبني سويفٍ والفيومِ، فقد استغنَى الفلاحونَ عنها وهجرُوها إلى الماكيناتِ الحديثةِ التي تُوفِّر الوقتَ والجَهدَ، ولم يَعُدْ يَتراءَى لنا مِنها إلا سَواقٍ معطَّلةٌ، أو مهجورةٌ أَتَى على حديدِها الصَّدأُ وعلى خشبِها العَفنُ؛ فتَآكلَت بعضُ أَجزائِها، ما يُنذرُ بزوالِها تمامًا خلالَ عقودٍ قليلةٍ قادمةٍ؛ لتُصبحَ شيئًا من الماضي فلا يُعرَف عنها إلا بعضُ معلوماتٍ مبعثرةٍ على ألسنةِ من يبقون أحياءً من الآباءِ والأجدادِ، أو ما يُقرأُ في مقالٍ كهَذا، اجتهدتُ في جمعِ معلوماتِه من مصادرَ أَهمُّها وأَوثقُها ذاكرتِي التي حَفظَت الكثيرَ من تَفاصيلِها؛ باعتباري أحدَ أَبناءِ الريفِ الذين شاهدُوها في طفولتِهم، وشاركَ والدَهُ في تشغيلِها والسهرِ -والمبيتِ أحيانًا- بجوارِها آنذاكَ.
وتَبقى الفيومُ أشهرَ المحافظاتِ التي تتواجدُ بها سواقٍ عاملةٌ حتى الآنَ؛ فقد ظلَّ عددٌ قليلٌ من مُزارعِيها أوفياءَ للساقيةِ، ولم يَتخلَّوا عنها، لاعتباراتٍ عَِّدةٍ، أَهمُّها أنَّها تَصبُّ الماءَ بِبُطءٍ وهدوءٍ يُناسبانِ طبيعةَ الأراضِي الزراعيةِ المدَرَّجةِ والمنحدرةِ التي تَتميزُ بها تضاريسُ الأرضِ هناكَ، ولا يُناسبها التدفقُ الهائلُ والغزيرُ من ماكيناتِ الريِّ الحديثةِ، كما يعتبرُها بعضُهم إِرثًا عن آبائهِم وأجدادِهم تجبُ المحافظةُ عليهِ، وإذا ذُكرت الفيومُ فلا يمكنُ أَن نَغُضَّ الطرفَ عن سواقِيها الشهيرةِ المعمِّرةِ، التي تجاوزَ عمرُها أَلفَي عامٍ منذ إنشائِها في العصرِ البَطلميِّ، وبقيَت إلى اليومِ صامدةً في مواجهةِ الزمانِ والمكانِ والتكنولوجيا، وقد حازَت شهرتَها الواسعةَ لتَميزِها بطرازٍ مختلفٍ في التصميمِ والمكوناتِ عما صُنعَ قبلَها أو بعدَها من سواقٍ، ولِتفرُّدِها بالعملِ ذاتيًّا، فهي لا تحتاجُ إلى محركاتٍ لتَشغيلِها، إِذ تُحركُها وتدفعُها للدورانِ قوةُ دفعِ المياهِ المنحدرةِ بشِدَّةٍ من بحرِ يوسفَ المتفرعِ من النيلِ العظيمِ إلى منخفَضِ الفيومِ؛ فتُبهرُ الناظرينَ إليها من زُوَّارٍ وسُياحٍ قصدوها للتأملِ في صنعتِها وطريقةِ عملِها، أو للتنزُّهِ، والاستمتاعِ بما تُزجيهِ من روائحِ الزمنِ الجميلِ.
السَّاقِيَةُ.. آلةُ الريِّ المهدَّدةُ بالانقراض
بقلم: سامي أبوبدر - في: الاثنين 26 يناير 2026 - التصنيف: تاريخ وجغرافيا
فعاليات
عرض ومناقشة مسرحية التذكر (Mnemonic)
يناير 24, 2026
تم عرض ومناقشة مسرحية التذكرعبر تطبيق ZOOM ،...
الصوفية ما بين التفكيك والنظرية
سبتمبر 11, 2025
حوار وندوة دينيه وعلميه حول التصوّف ونشأته و...
محمود سعيد رائد الفن التشكيلي
سبتمبر 20, 2025
تمت هذه الندوة يوم السبت 20 سبتمبر، 2025 ، تستطيع...
الجليد لصنع الله ابراهيم
يونيو 26, 2025
تمت مناقشة رواية الجليد 26 يونيو 2025 ونشكر ا...