تقدّم الكاتبة الأمريكية الكويية ميليسا فيبوس نصًا سرديًا متحررًا من التصنيفات الجامدة، يتأرجح بين السيرة الذاتية والاعترافات الإيروتيكية، بين التأمل الفلسفي والمقالة الشعرية، ليصبح بمثابة أوديسة ذاتية في الجسد والهوية والذاكرة. إنه كتاب عن الحب، والرغبة، والبحث عن الانتماء، لكنه أيضًا كتاب عن الهشاشة، والعنف الخفي للعلاقات، وعن الطفلة التي لم تتعلم أبدًا أن تكون في أمان داخل جسدها.
ينكشف صوت الكاتبة الكويري في أعلى تجلياته في الفصل الثاني من الكتاب، المعنون بـ
"Leave Marks"
، حيث يلتقي الجسد بالفعل الإيروتيكي، وتتحول الرغبة إلى أداة لغوية وإبداعية. تنطلق فيبوس من مشهدٍ حسي بالغ الخصوصية، تصفه بدقة بالغة، ليتحول إلى مفتتح تأملي حول معنى العلامات الجسدية (العضّات)، التي لا تبقى على الجلد فقط، بل تنقش على الذاكرة والهوية. تصبح العضة، أو
hickey
، رمزًا لرفض النسيان، ولرغبة يائسة في التملك، ولخوف دفين من الهجر.
ثيمات جوهرية في النص:
الرغبة والهشاشة:
الجسد هنا لم يكن فقط موضوعًا للرغبة، بل هو حقل تجربة تتقاطع فيه اللذة مع الخوف، والحنان مع العنف الرمزي.سعت الكاتبة لاكتشاف كيف يمكن للّذة أن تتحول إلى سلاح ضد النسيان.
الانتماء والهوية:
تشير الكاتبة إلى كيف تتحول العلامات الجسدية إلى محاولة لكتابة الذات على جسد الآخر. إنها لا تريد فقط أن تُحب، بل أن تُرى وتُعترف بها في علاقة غير متكافئة تعيش فيها مشاعر الخفاء والاختفاء.
الذاكرة الجسدية والطفولة:
يعود السرد إلى مشاهد مبكرة من الطفولة والمراهقة، حيث يتقاطع الاكتشاف الجنسي البريء مع منظومة القمع والعار. هناك نوع من الوعي المؤلم بأن الجسد كان دومًا مجالًا للمراقبة، والتأديب، والاستحواذ.
الملكية والرغبة في إثبات الوجود:
يتكرر الحديث عن "الرغبة في التملك" بوصفها لحظة شعورية، لا تسعى فعليًا إلى السيطرة بقدر ما تعبّر عن قلق عميق من الفقد. تصف الكاتبة رغبتها في ترك علامات على جسد من تحب لأنها تعلم أنها لا تستطيع امتلاكها فعليًا.
جماليات الكتابة وتقنياتها:
من الناحية الأسلوبية، توظّف فيبوس لغة شعرية نابضة بالحواس، وتستخدم التكرار، والمونولوج الداخلي، والصور الجسدية، لبناء خطاب سردي لا يفصل بين الجسد واللغة. تمتزج السيرة الذاتية بالمقالة الأدبية، وتصبح الاعترافات الجسدية أداة لاكتشاف الذات، والكتابة نفسها تصبح تعويضًا عن عدم القدرة على الامتلاك. كل مشهد إيروتيكي هنا ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لكشف أعمق لطبقات الهوية، ولإعادة بناء سردية الكويري المهمش في مجتمع يرى الجسد الكويري كعلامة اضطراب لا كشكل حبٍّ مشروع.
السرد وسيلة للتطهير الداخلي
في حوارها مع
Publishers Weekly
، تكشف ميليسا فيبوس عن البنية العاطفية العميقة التي تقف خلف هذا الكتاب ، وتضيء على التوتر الدائم بين سرد الحكاية كما حدثت فعلًا، وبين الحكاية التي يمكن احتمالها. تعترف الكاتبة أن كل مقالة في الكتاب تطلبت منها الانهيار لحظةً ما، ثم الغوص أعمق في الصدق، حتى لو كان موجعًا. وتُقرّ أن المقالة الأصعب – التي تحمل اسم الكتاب – تضخمت إلى 150 صفحة لأنها لم تستطع قول الحقيقة دفعة واحدة.
ترى فيبوس أن "المحبوبة" في النصف الأول من الكتاب لم تكن شخصًا بقدر ما كانت فكرة، خيالًا عن الحب المطلق الذي يشبه التوق إلى الإله، وهو ما ينسجم مع البنية الرمزية للكتاب: الحبيبة كمرآة للرغبة، ولكن أيضًا كمساحة للخذلان. لهذا أخّرت ذكر اسمها حتى نهاية الكتاب، باعتبار أن كشف الهوية يرتبط بتحرّر الكاتبة من وهم التملك.
المثير أن فيبوس لا تجد الإدمان أو ماضيها أمرًا مرعبًا عند الكتابة، بل ترى في السرد وسيلة للتطهير الداخلي. ما زال الحب، من جهة أخرى، يخيفها، لأنه يعكس "المرأة التي لم تكن تريد أن تكونها".
تعترف فيبوس أن هناك سببًا وجيهًا لعدم قول بعض الأشياء بصوت عالٍ، لكنها في هذا الكتاب أرادت أن تكتبها بأقصى درجات التسمية والصدق. ويبدو أن هذا الصدق المؤلم هو ما منح كتابها هذه القيمه الاستثنائية في أدب الاعتراف الكويري المعاصر، حيث لا تفصل الكاتبة بين الجمال والخزي، بين الرغبة والافتضاح، بل تدمجها في عمل يمسّ القارئ في أكثر أماكنه هشاشة.
القيمة الأدبية والرمزية للكتاب:
Abandon Me
ليس كتابًا عن المثلية الجنسي بالمعنى الاختزالي، بل عن إعادة كتابة العلاقة مع الجسد والتاريخ الشخصي والاجتماعي. ابتعد الكتاب عن الصدمات والصراعات المجانية، بل صدمة جمالية معرفية، تحرّر الرغبة من قوالب العار. وقد اعتبره نقاد مثل ليزلي جاميسون وروكسان غاي من أبرز الأصوات الجديدة في أدب السيرة الكويرية الأمريكية، لما يتميّز به من صدق نادر وجرأة مدهشة في خوض المسكوت عنه.
عن الكاتبة:
Melissa Febos
ميليسا فيبوس كاتبة أمريكية، كويرية، من مواليد ماساتشوستس، تُعرف بأسلوبها الاعترافي الذي لا يكتفي بسرد الحكايات، بل بتفكيك البنية الثقافية التي تنتج الشعور بالخجل والعار والرغبة في الاختفاء. من خلال أعمالها، استطاعت أن تؤسس لصوت أدبي نسوي وكويري يُقيم في المساحات الهشة وغير المرئية، باحثًا عن لغة تصف الحب، الرغبة، الألم، والخسارة دون أقنعة.
خلاصة:
Abandon Me
نحن مع كتاب عن الحب والجسد، وكذلك فإننا مع نصٍّ مفتوح عن محاولاتنا المتكررة لتثبيت أنفسنا في العالم، لنترك أثرًا، ولو كان مؤقتًا. هذا الكتاب يُشبه عضّة الحب التي يصفها: لحظة لذّة تترك أثرًا على الجلد، لكنها لا تُنسى في الوعي.
إيروتيكا الذات، الكويريّة، وندوب الانتماء في كتاب ميليسا فيبوس
فعاليات
عرض ومناقشة مسرحية التذكر (Mnemonic)
يناير 24, 2026
تم عرض ومناقشة مسرحية التذكرعبر تطبيق ZOOM ،...
الصوفية ما بين التفكيك والنظرية
سبتمبر 11, 2025
حوار وندوة دينيه وعلميه حول التصوّف ونشأته و...
محمود سعيد رائد الفن التشكيلي
سبتمبر 20, 2025
تمت هذه الندوة يوم السبت 20 سبتمبر، 2025 ، تستطيع...
الجليد لصنع الله ابراهيم
يونيو 26, 2025
تمت مناقشة رواية الجليد 26 يونيو 2025 ونشكر ا...