عزمي عبدالوهاب - حارس الفنار العجوز



حارس الفنار العجوز لعزمي عبد الوهاب
إبراهيم حمزة
المصدر جريدة القاهرة


* تتميز رحلة " عزمي عبر دواوينه المتتالية بتيمة تسيطر علي كل ديوان كما يقول الناقد الشاعر عبدالعزيز موافي كما تتميز كل تجربة بخصوصية فكرية واضحة فكانت مرحلة ديوانه "بأكاذيب سوداء صغيرة" هي مرحلة الانعتاق من القرية إلي المدينة رحلة الخوف القادم رحلة طغيان الثقافات علي القصيدة ما بين كفي "ماركس" وصخرة "كامي" *من تأريخه الشعري وهو ابن التاسعة والعشرين وحتي ديوانه الأخير"شخص جدير بالكراهية" الذي يبدأه بمقتطف لديستوفسكي " ( الحياة فوق الأربعين أمر بالغ الحرج ) في هذا الديوان نحن أمام تجربة غائصة في التذويت * كان عزمي : ( أمتلك حذاء واحدا/ وتسعة وعشرين عاما/ وصورة لماجدة الرومي/ سرقتها من صديق لا يحب قراءة الكتب ..... كلنا نكذب/ منذ دحرجتنا طفولتنا/ من عصا الأب/ إلي شارع جانبي/ بسلةٍ سوداء ملأناها/ بأكاذيب سوداء كثيرة/ وطفولة أقل بياضا ) لا يمكن للواحد أن يخطئ هذا الفتي، مصري هو، قروي معجون بطيبة وصدق وحزن المصريين في قرانا الواسعة، عزمي أحمد عبد الوهاب شاعر .. ليس مهما أن تعرف عنه أنه عضو مجلس تحرير بمؤسسة الأهرام، أو أنه رئيس قسم الثقافة بالأهرام العربي، لن يحدثك عن كتاباته بالصحف العربية، هو يراها كتابات زائلة، كأنها " أكل عيش " لكنه شاعر، وهذا هو الأبقي، يقول أنه حاور كبار مبدعي العالم العربي، ومع تقديره وتقديسه لإبداعهم، فلم يقرر ولم يفكر أن يطبع هذه الحوارات في كتاب، فالباقي هو الشعر، أليس هو الفرح المختلس؟! . والفجر تلك البدايات العادية التي لا تنبئ بشيء، فتي نحيف في قرية " الدراكسة " بمنية النصر بالدقهلية، في نفس إقليم علي باشا مبارك، لكن عزمي لم يكن بنّاء مثل علي مبارك، كان ثائرا فقيرا غضا، وراءه دوما (رائحة الحرب/ كانت تزكم ميدان التحرير/ والمظاهراتُ تمنع عاشقين/ من الوصول إلي الحب/ والجغرافيا/ تبدأ الآن من نشيج امرأة/ محبوسةٍ في "عصفور الجنة"/ فلماذا أرشدت أقدامنا إلي تلك المسافة/ بين سرير للجنس/ وهتافات تُسْقِطُ الحكامَ/ الذين ترهلوا في مقاعدهم؟ ) حين وصل لعاصمة البلاد مدينة المنصورة الساحرة، ودخل كلية الآداب بها، وجدها تستقل بمبناها خارج الحرم الجامعي، فاستقل بذاته، وبدأ يهتم بقراءات عجيبة علي هذا الفتي الشاب، سارتر، وماركس وأنجلز، هو قارئ حقيقي، لا تسجنه شاشة الكمبيوتر أو اللاب توب إلا بقدر احتياجه العملي لها، لكنه معني بالقراءة الحقيقية، حدثني مرة عن كل ترجمات العرب لشعر كافافيس، وأخذ يتحدث بدقة مدهشة عن الفروق بين هذه الترجمات، ويرشح بعضها، ويشيد بتجربة رفعت سلام الأخيرة... إنها لعبة التكوين التي أخلص لها، منذ انتهي من مرحلة الصقل الأولي أثناء الجامعة، ونادي أدب المنصورة، وأصدقاء المرحلة الذين صاروا كبارا : بهية طلب، أمل جمال، كريم عبدالسلام، أشرف يوسف، هشام محفوظ، عماد أبو صالح، عبدالمنعم الباز، حسني الزرقاوي، خالد أبو بكر، محمود الزيات، هشام علوان، وأسماء كانت متألقة وتركت الأمر كله، ربما لا ينسي المهتمون طارق مايز، وماجد عبدالقادر، امتداد جيل المخزنجي، وربما بشكل ما فؤاد حجازي ومحمد خليل ورضا البهات وغيرهم من مبدعي المنصورة الكبار، خرج المبدع الشاب ليقضي فترة الحبس الانفرادي في مدارس التربية والتعليم، لكن الثائر بداخله لا يستكين، يعرب للقاهرة، وتبدأ الرحلة. رحلة شاعر تتميز رحلة " عزمي عبر دواوينه المتتالية، بتيمة تسيطر علي كل ديوان، كما يقول الناقد الشاعر عبد العزيز موافي، كما تتميز كل تجربة بخصوصية فكرية واضحة، فكانت مرحلة ديوانه " بأكاذيب سوداء صغيرة " هي مرحلة الانعتاق من القرية إلي المدينة، رحلة الخوف القادم، رحلة طغيان الثقافات علي القصيدة ما بين كفي "ماركس" وصخرة "كامي" كان عزمي: ( أمتلك حذاء واحدا/ وتسعة وعشرين عاما/ وصورة لماجدة الرومي/ سرقتها من صديق لا يحب قراءة الكتب.. كلنا نكذب/ منذ دحرجتنا طفولتنا/ من عصا الأب/ إلي شارع جانبي/ بسلةٍ سوداء ملأناها/ بأكاذيب سوداء كثيرة/ وطفولة أقل بياضا ) في هذا الديوان نحن مع فيض من الاندلاع الثقافي عبر رموز عبدالحكيم قاسم، مارسيل خليفة، زغلول الشيطي، الشيخ إمام، كافكا، نجيب محفوظ .. هذا الانفجار الثقافي الهائل لم يمنعه من الوقوف طويلا أمام الظواهر الصغيرة، كالعمل الوظيفي وأمنيته لو (توقفت نهائيا عن التوقيع في دفتر/ الحضور والانصراف.. وطابور المدرسة المدرسي/ وجرس الحصة الأولي ) . بينما يمثل ديوانه " النوافذ لا أثر لها " يمثل نافذته علي التراث ودليل انتمائه له، إنه - رغم محاولات التخفي - ابن القصيدة العربية، في مرحلة الحلم بتغيير العالم من خلال القصيدة، هذه الكلاسيكية كانت وقتها تجاوزا، وغدا سيصبح التجاوز الآني كلاسيكيا، يقول ( هل تتقن التأويل والزمن الكثير مرقشٌ/ بحكاية عن ألف ليلٍ ../ من ليل هارون الرشيد وألف حلاج/ يُدَق علي الصليب وثرثرات الشعر في بهو الملوك.. لم يتضح بعد السؤال : ل " عواصف الصحراء أم أم القري ؟ ) وجع الزمن عزمي عبد الوهاب مواليد عام 1964م، يعمل صحفيا بمؤسسة الأهرام، ويكثف جهده في الصحافة الثقافية التي تهتم بعرض الكتب، بشكل وافٍ، يبذل جهده ساعيا لتقديم خدمة ثقافية حقيقية، يقتات علي دمه، ويبدو إحساسه بالزمن مخيفا كغالبية الشعراء. من تأريخه الشعري وهو ابن التاسعة والعشرين، وحتي ديوانه الأخير"شخص جدير بالكراهية" الذي يبدأه بمقتطف لديستوفسكي ( الحياة فوق الأربعين أمر بالغ الحرج ) في هذا الديوان نحن أمام تجربة غائصة في التذويت، فقد انعتق الشاعر من ماضيه وآلامه العامة، وعاد إلي ذاته ملتحما بها، معالجة الذات والغناء علي مشتهياتها وآلامها، والتقاط جواز سفره القاهري، وعذوبة المرأة بلمحاتها المضيئة بالقصيدة وتبقي الأنثي المستحيلة بارزة بين منعطفات الديوان، وعبر هذه القصيدة تدهشنا مفاجأة ينهي بها الشاعر قصيدته (غيبي كما تشائين/ لكن فكري جيدا/ في ذلك الكرسي/ وتلك الستارة/ والممر/ والجدران/ كيف احتفظت بتلك الذكريات/ دون أن تئن أو تنهار) . عزمي مواطن مصري صالح يكتب الشعر وله ستة دواوين وثلاثة أبناء، كتب عنه معظم النقاد العرب، لا يجامل، ولم يتخلص من لمحة الحدة التي ميزت كل شخص معتد بذاته ومقدر لها، يحب الناس ويسعي لمساعدتهم، ظل يعشق الاشتراكية ويحلم بها أملا، ولم يتراجع حتي تاريخه، بقي أن اقول أن شاعرنا يتعامل مع السجائر تعاملنا مع الهواء، لحظة بلحظة.