حوار مع الروائي العراقي محمود سعيد





حاوره – طلال حسن

جريدة الزمان سبتمبر 2011 العدد 4003


زار الكاتب مسقط رأسه ـ الموصل، أواسط آب الماضي ـ 2011، والتقي بعدد من أدبائها ومثقفيها من بينهم الشاعر معد الجبوري والقاص أنو عبد العزيز ويوسف البارودي، وكان من ثمار هذه اللقاءات .. هذا اللقاء .
ـ بين ولادتك في الموصل، عام” 1939 “، وإقامتك في أمريكا حالياً، محطات إقامة عديدة، فما هي أبرز هذه المحطات؟
ــ صدقت، أقمت في المغرب 3 سنوات، وفي الإمارات العربية نحو 15 سنة، والباقي في أمريكا. وربما تجد في إجابتي نوعاً من الغرابة إن أجبتك أنّني لا أستطيع أن أفضّل مكاناً علي مكان، أو أبرّز مكاناً علي مكان، فأنا أحبّ كلّ الأمكنة التي زرتها زيارات سريعة أو التي أقمت فيها. ربما يعتبر المدقّق هذا من قبيل التّخبط أو المبالغة، لكنّي لا. لكلّ بيئة خاصياتها، وجوانبها الإنسانية، ومادام هناك بشر يعيشون فيها ويحبّونها فأنا أستطيع ذلك. كان لزيارتي المغرب وقع خاص في نفسي، فقد خرجت من السّجن 1964، وكنت مفصولاً، ثم وجدت العمل هناك، ورأيت بيئة تختلف عن بيئتي مئة بالمئة، والمغاربة بشكلّ عامّ طيبون ومسالمون وعاطفيّون ويحبّون المشارقة، والمجتمع المغربي متطوّر قياساً إلي المجتمع العراقي، فجميع مدن المغرب علي سبيل المثال تتوافر علي شبكة مجاري مياه الصّرف الصّحي، ففي الوقت الذّي تخلو جميع مدن العراق منه والعراق بلد نفطيّ. وإقامة شبكة لتصريف المياه القذرة في المدن يدلّ علي تواجد وعي حضاريّ متطوّر لدي قيادة المغرب نفتقده نحن في العراق. فالموصل إلي حدّ الآن تخلو من هذه الشّبكة مع الأسف الشديد، وشبكات الصّرف التي أقامها الدّيكتاتور في بعض المدن كبغداد والبصرة والعمارة والنّاصرية دمّرتها قوات التّحالف، لذا بتنا نشم الرّوائح الكريهة في مدننا من الموصل حتي البصرة.
في المغرب سنة 1964 لا تري وحولاً ومياهاً تخوض فيها في الشّتاء، فكلّ الأرصفة مبلّطة، وربما لا تحتاج إلي صبغ حذائك إلا مرّة في بضعة أشهر، وهذه نقطة حضارية لم تتوافر في العراق حتي الآن.
المهمّ أنني أحبّبت المغرب لأشياء كثيرة، وأعتبر نفسي محظوظاً لأنّي مكثت فيه تلك المدة، وأحبّبت الإمارات أيضاً، وشعب الإمارات طيب كالشّعب المغربي، ومسالم وعطوف، وعلي من يعيش في الإمارات ودول الخليج أن يتفهّم واقعهم الحضاريّ لكي يستطيع أن يتأقلم مع المجتمع، ومن ينظر إلي الإمارات لابد أن يحترم قادتها الذّين يحاولون تطويرها بشكلّ مستمرّ، بحيث جعلوها قبلة ومركزاً حضاريّاً مرموقاً، ولم يختلف الأمر عندي لما هاجرت إلي الولايات المتحدة. فهناك حكومة معزولة عن الشّعب، مكروهة من قبل المثقّفين، إلي جانب شعب طيب يتعاطف مع الغريب، ولا يحقد عليه، ويحاول مساعدته، لا بل يفتح ذراعيه مرحّباً به، وهذا ما لم أجده في بعض الدّول العربيّة الغنيّة حيث يعزل الشّعب نفسه عن الوافدين، وينظر إليهم بشيء من الاحتقار.
يعجبني السّفر كثيراً، وعادة ما أسجل بعض النّقاط التي أراها تميّز هذا الدّولة أو هذا الشّعب عن آخر، ثم تخلّصت من هذه العادة الطّيبة، لأنّها تسبّب لي ألماً وحزناً وتبكيت ضمير لعدم الكتابة، فالتّسجيل يعني الكتابة، وزيارة أكثر من خمسة وعشرين بلداً والكتابة عنها تشلّ قدرتي علي التّفرغ للرّواية والقصة. إذن لا مجال إلا لترك التّسجيل.
ـ زرت الموصل في آب الماضي من العام الجاري ” 2011 “، بعد أن تغربت عنها عقوداً عديدة، فكيف رأيتها بعد هذه العقود؟
كانت الموصل قبل نصف قرن أجمل، وأنظف، وأزهي، وأزكي رائحة، وأكثر إنسانيّة وتعاطفاً مع أهلها، ولا أدري مدي تمتعها الآن بالتّعامل إنسانيّاً مع الغريب، فلم أستطع التّقرب من الغرباء لأكتشف ذلك. ينطبق علي الموصل الآن قول البردوني: حسناء عاشقاها السّلّ والجرب، وإن كان هذا عجز بيت والشّعر يحدّدك بمجال قصير، فأستطيع أن أقول أن عشاق الموصل ليس السّل والجرب حسب بل التّخلف والوعي النّاقص واحتلال جيش معادٍ، وأشياء كثيرة أخري. من المعلوم أن كلّ حاضرة في العالم يتجاذبها نقيضان الأول يشدّها نحو الرّقي، والثّاني يريد إبقاءها متخلّفة. لكنّ الموصل الآن افتقدت ما يشدّها نحو الرّقي، فخلال عقود لم يقُم في الموصل أيّ مشروع حكوميّ مهمّ، وعلي سبيل المثال أنشأ الدّيكتاتور المقبور في البصرة فندقين درجة أولي، وفتح منتزهات شاسعة، وأقام أضخم جسرين حديثين ينفتحان حينما تمر السّفن في شطّ العرب، وأقام ثلاثة أعظم مصانع في الشّرق الأوسط للحديد والبتروكيماويات والأسمدة، وبني مجاري لتصريف المياه القذرة بالرّغم من أنّها لم تكن ضروريّة إلا أنّه عمل حميد، فتربة البصرة مساميّة ترسبيّة يتسرّب منها الماء حالاً، ولن يمتلئ خزان البيت بالفضلات حتي لو بني قبل خمسين سنة. لكنّه لم يبنِ في الموصل أيّ معمل أو مرفق سوي فندقين اغتصب أحدهما لأغراضه الشّخصيّة. لذا تكرّس التّخلف في الموصل في زمنه البغيض حتي إذ رحل غير مأسوف عليه سلّمها لأسوأ منه . لكي تنهض الموصل من كبوتها علي محافظها وملاكات الإدارة فيها والمخلصين من سكانها العمل الجاد لعشر سنين في الأقل.
ـ الإبداع أزهار فواحة، فمتي تبرعمت عندك أولي هذه الأزهار، وماذا تفتحت عنها؟
الإبداع كلمة كبيرة لا أظنّ أنّني أستأهلها، لنقل الكتابة القصصيّة والروائيّة. لست أدري متي بالضّبط! وإن لم تخني الذاكرة فقد بدأت الكتابة مبكّراً، في الثّالثّة عشرة عندما كنت في الصّف الأول المتوسط، وأول محاولة فاشلة لي في درس الإنشاء، فقد عنّ لي أن ألخّص رواية قرأتها، بدلاً من كتابة إنشاء ذي محتويً تقليديّ: “كيف قضيت العطلة؟” فأعطاني المدرّس أدني درجة في الصّف مع إهانة، وتكرّر الرّسوب في الإنشاء (اللغة العربيّة) مرفقاً بالسّخرية والإهانات حتي الخامس الثّانوي حيث حدث إنقلاب لم أحتسبه. جاءنا شاذل طاقة مدرّساً للعربيّة، وكما اعتدت متعمداً تجاهلت موضوع الإنشاء، وكتبت تلخيصاً لآخر كتاب قرأته، وعنوانه “الذّئب الأغبر” وهو سيرة مصطفي أتاتورك. لكني فوجئت فبدلاً من أقلّ درجة في الصّف أعطاني أعلي درجة، مع مديح قويّ قبل توزيع الأوراق، ثم قال لي أكتب ما شئت ولا تلتزم بالموضوع الذّي أعطي للصّف. كانت تلك بداية الطريق. بعد مدّة كتبت قصّة قصيرة فازت بجائزة جريدة ” فتي العراق ” ولم أكن أتوقّع ذلك أيضاً، وكان الفائز بالثّانية عبد الغفار الصّائع.
ـ أوشك كتابك الأول علي الصّدور عام ” 1963 “، لكنّ حرائق ذلك العام أحرقته قي ما أحرقت من الإبداع العراقي، فما هي قصة ذلك الكتاب؟ ولماذا أحرق؟
في سنة 1961 كتبت أوّل رواية باسم “الإضراب” وهي عن إضراب القصابين في الموصل 1956، وكان أهمّ إضراب في تاريخ العراق، فلأوّل مرّة تعلن مدينة في العراق عصياناً مدنياً لمدة أسبوع كامل، تغلق حوانيتها ومرافقها كليّة، الأمر الذي اضطرّ الحكومة لإيفاد وزير الدّاخلية سعيد قزاز، لكنه رجع إلي بغداد خائباً بعد لجوئه إلي عنف لم يقده إلي هدفه.
عرضتُ الرّواية علي فؤاد علاء الدّين، وهو صحفي حرّ، كان نشر لي مجموعة قصص متواضعة “بور سعيد 1957″ يعمل في معظم الصّحف، فقال لي إنه لا يستطيع أن يحكم عليها، وأعطاها للصحفي الشّهير مجيد الونداوي، فقال لي هذ: حتي أنا لست مختصاً بالرّواية، وسلّمها لعلي الشّوك، “مسؤول الروية والقصة في اتّحاد الأدباء العراقيين” وبعد أسبوع قال لي علي: إنّها ممتازة كأدب، لكنّنا لا نستطيع نشرها باتّحاد الأدباء، لأنّ هجمة اليمين استشرت الآن ولا يمكن أن يقبلوا برواية تتكلّم عن صراع طبقيّ يحكي نضال شعب ينتصر، اكتب إن استطعت عن صراع أقل حدّة. وكنت قد قطعت شأواً كبيراً في رواية أخري تحكي مأساة الهاربين من الموصل بعد استفحال الإغتيالات، وعندما عرضتها عليي علي الشّوك أعجبته وكانت بعنوان “قضية قديمة” وذهبت معه إلي الرّقابة العسكرية، وكان المسؤول لطفي طاهر شقيق وصفي طاهر، فنامت هناك أقلّ من سنتين بقليل، وقبلت أخيراً بعد تغيير كلمة مسدس بسلاح، وطبعت قبل الثّامن من شباط 63 ببضعة أيام كأوّل رواية للاتحاد، وذكرتْ خبراً عنها مجلة الإتحاد الأدبية “الرّافد” في أخبارها، لكنّها اتلفت وشقيقتها مع كلّ ما خزن من إبداع في مستودع الاتحاد بعد أيام، ولم اسمع عنهما قط. وبعد نشر الإيقاع والهاجس في التّسعينات تسلّمت رسالة من هادي العلوي، قال لي أنا أولّ من قرأ لك رواية، لأنّني كنت الرّقيب سنة 61، فأحزنني ذلك كثيراً، فلو افرج عنها قبل شهر واحد، لتغيّرت أشياء كثيرة في مسيرتي الأدبيّة. وفي مقالته عن زنقة بن بركة في جريدة الحياة اللندنيّة لـمّح علي الشّوك إلي هاتين الرّوايتين.
ـ يقول الشّاعر عبد الوهاب البياتي في إحدي قصائده ما نصّه علي ما أذكر “رفضتني المنابر/مذ قلتُ أنا ثائر”، وأنت مُنعت من النّشر في العراق منذ عام “1963″، لماذا “
منعت من النّشر لأنّي لم أتعاون مع البعث، لم أشارك في أيّ نشاط يؤيد نظامه، ولم أساهم في الجيش الشّعبي، ولم أطبل لبطولات زائفة، وكنت ضد الحروب التي أُذرغم نظام صدام علي دخولها، وأَرغم العراقيين علي الخوض فيها، وكنت أنظر لضحايا الحرب نظرة إنسانيّة، سواء أكانوا عراقيّين أو لا، ولم أمجّد رئيس النّظام ولا أيّاً من أركانه، وكنت أكتب رواياتي وقصصي عن مآسي الشّعب، وتعسّف الحزب، وسياسة النّظام الغبية كمسّبب لتلك المآسي، فكيف يسمحون لي بالنّشر؟ لا بل حاربوني داخل العراق وخارجه حرباً لا هوادة فيها، وكان قنصل العراق في دبي يجنّد بلؤم شديد من يحاربني ويشهّر بي، مستعيناً بأنصاف الرجال والمثقفين والأدباء والكتاب والفنانين الذّين اشتري النّظام أقلامهم وذممهم عن طريق تقديم العون الماديّ والمعنويّ لهم، وتكريمهم بدعوتهم إلي مهرجانات، واحتفالات أدبيّة ثقافيّة فنيّة متعدّدة،كمهرجان المربد، فأصبحوا طوع بنانه.
ـ عشت الغربة عن الوطن عقوداً عديدة، ماذا أخذت منك هذه الغربة كأديب، وماذا أعطتك؟
أخذت الغربة مني الكثير، وأعطتني الكثير. فالكاتب كالسّمكة لا يستطيع أن يعيش خارج محيطه إلّا إن بذل جهوداً كبيرة للتأقلم في المحيط الجديد، لكنّ هذا الجهد يتضاءل إن اعتبر الكاتب العالم كلّه وطنه. لقد مرّت علينا نحن العراقيين لا سنوات عجاف حسب بل عقود عجاف، قضت علي الاستقرار، السّلام، الأمن، المقتنيات، التّراث، الماضي، قتلت أملنا في المستقبل، أخمدت حيويّتنا، حرمت أجيالنا من أشياء مفيدة كثيرة، حتي بات العراقيون يحلمون بالهجرة، ويعتبرون مجرد الخروج أهمّ من أيّ مكسب آخر. دعني أذكر لك شيئاً بسيطاً، في نهاية تموز 2011، وصلت أربيل في طريقي إلي الموصل، فسألني سائق سيارة الإجرة عن بلد الإقامة، وعندما قلت له أمريكا، أوقف السّيارة بقوة حالاً، وهتف بي بعربيته “المكسرة”: لماذا أتيت؟ وحدث الشّيء نفسه مع خمسة سائقين آخرين، ثم تكرّر ذلك في طريق الرّجعة، وكنت أظنّ أن المواطن العراقيّ في الشّمال محصّناً من الرّغبة في الهجرة لما سمعت وقرأت من أن شمال العراق أصبح قلعة “ديمقراطية” وأنه أصبح “جنة” وووو، فمعظم سوّاق سيارات الإجرة، ومن تكلّمت معهم في المطار كانوا يفصحون عن تعاستهم، وتخلف واقعهم، ورغبتهم في الهجرة. وبالنّسبة لي فرغم آلام الغربة والبعد عن الوطن والأهل فقد أعطتني الغربة جوّاً هادئاً، وتفرّغاً للكتابة، وخلوّ بال بعيداً عن الصّراعات الملتهبة في الوطن.
ـ يري البعض، أن الإبداع العراقي، ومنذ السّبعينيات، إبداعان، إبداع الدّاخل وإبداع الخارج، كيف تنظر أنت إلي هذا الأمر، وهل هناك فوارق كبيرة فعلاً بيت الإبداعين.
قسم من الأدباء يطلقون أحكاماً عامّة تمتاز بالتّسرع، فلكي نستطيع أن نميّز أدب الدّاخل عن الخارج علينا أن ندرس جميع النّتاج، ونستقرئ ميزات وخواصّ كلٌ منهما، وهذه مهمّة النّاقد والدّارس، وإلي حدّ الآن لم تظهر إلي العلن مثل هذه الدّراسة، ولم تظهر إلي العلن أيضاً دراسة مقارنة بين أديبين (أو أدباء) متماثلين أحدهما في الدّاخل والآخر في الخارج، فكيف نستطيع أن نحكم علي هذين النّوعين من نتاج أحاديّ؟
هناك خصائص كثيرة تميّز الأدبين، منها أن أدب الخارج يتوافر علي حريّة تناول أكبر من الثّاني، لكنّ هل الحريّة وحدها كافية لانتاج أدب ممتاز؟
في التّسعينات طلبتْ مني مجلة شؤون أدبية “الشّارقة” أن أجهّزها بملفّ عن الأدب العراقيّ، وكلّفت موسي كريدي وكان الملفٌ جيداً. لكنّي وجدت أن سبعة كتاب كتبوا بشكلّ رمزي عن كائن مخيف يسيطر علي حياة الأبطال الذين ابتدعوهم، “طنطل، شبح، مصاص دماء الخ”، لكنّ تلك الرّمزية لم تؤدّ دورها فنيّاً كما يجب، فجاءت كتاباتهم فجّة، وينطبق مثل هذا علي الكتاب خارج العراق، فقد قرأت غير رواية وقصّة قصيرة، لكنّي وجدت العمل باهتاً كذلك، إذ أنني لم استطع أن أجد ماذا منحتهم الحريّة.
وعلي سبيل المثال أضرب مثلين لمثل هذا الأدب. هناك رواية كتبت في الدّاخل مؤخرّاً احتفي بها بعض الكتاب، موضوعها السّجن في زمن الدّيكتاتور، يصف بها الكاتب سجيناً معلّقاً من يديه المربوطتين من الخلف بالسّقف. هذا شيء طبيعي في سجون الماضي والحاضر، لكنّ الشّيء غير الطّبيعي المستحيل أن الكاتب يدٌعي أن هذا السّجين المعلٌق بقي علي قيد الحياة متمالكاً قواه العقليٌة بعد أسابيع، وهو أمر ليس غريباً بل مستحيل، فمن يعلّق بهذه الطّريقة ينتهي خلال ساعات. وهناك رواية كتبت في الخارج عن مترجمة عملت مع الأمريكان فصوّرت إنسانيّة الإحتلال الأمريكيّ بشكلّ فريد فالجنود الأمريكان يقتحمون البيوت ليلاً لكنّهم يعوّضون أصحابها نهاراً، وقدّمت سفاكي ومجرمي إحدي المليشيات التي كان لها “شرف” قتل وإبادة مئات الآلاف، وتشريد وتهجير الملايين، قدمتهم في الرّواية كمنقذين للشٌعب.
الخلاصة أن الإبداع في رأيي ينبع من قدرة الأديب علي خلق شيء فريد جديد ولا علاقة كبيرة له بالإقامة في الوطن أو الهجرة منه.
ـ كيف تنظر إلي واقع الثّقافة في العراق في الوقت الرّاهن؟ وما هي آفاق توجهاتها في رأيك؟
قرأت قبل يومين مقالة في أحد المواقع العراقية يقول فيه الكاتب إن كلمة الأديب عند السّلطة “الدّيمقراطية جدا” تعني: شيوعيّ علمانيّ ملحد. كلام الأديب هذا مبنيّ علي وقائع معيّنة حدثت فعلاً، فإن كان هناك ثلّة من رجال السّلطة ينظرون مثل هذا النّظرة حتي لو كانت نسبتهم 5% فإن مستقبل الثّقافة في العراق مظلم، بائس، تمسكه يد عفريت شرّ وخيبة وانحطاط ورجعيّة مقيتة. لكن يبدو أنّ النّسبة أكثر من 5 % بدليل أنّها “السّلطة” منعت الشّراب في اتحاد الأدباء، وهذا يعني أن بعبع الأدب والثّقافة والتّقدم، ويعني أيضاً أن صعاليك الطّائفية وديدان التّعصب الدّيني تنخر في جسد المجتمع، وهي في طريقها لهدم ما تبقي من أسس خير وتقدّم. وإن نظرنا إلي عدد الصّحفين والتّقدميين الذّين اغتيلوا تأكد لدينا قول الأديب.
ـ من الواضح أنك تولي الجنس في رواياتك اهتماماً كبيراً، فما موقفك من ذلك؟ وكيف ينظر نقادك إلي هذا الاهتمام؟
جري ويجري الإهتمام بالجنس عند الكتاب بطرق متعدّدة ولكي نكون موضوعيين ونحكم عليه بالقبول والنّبذ، علينا تفصيل أنواعه:
1- اتّخاذ بعض الكتاب منه وسيلة والشّهرة، كما فعل نابوكوف في روايته لوليتا، فقد قدّم لنا رجلاً مثقفاً شاذاً مريضاً نفسياً أحبّ مراهقة وسلك شتي السّبل لإغوائها وحاول أن يأسر روحها مع جسدها فهربت منه، فلاحقها وارتكب جريمة أخري أكبر من جريمته الأولي وانتهي به الأمر إلي السّجن المؤبد، ونستطيع أن نطلق علي هذا النّوع من الأدب الأدب الجنسي العصابي وهو منبوذ عند معظم النّقاد، وفي كل المجتمعات، وفي محاولة لتعليل عدم منح فيليب روث “كاتب أمريكي مشهور، حاز مرّتين علي جائزة بوكر” جائزة نوبل، علّل بعض النّقاد أنّه تطرق في غير رواية له إلي جنس مرضي عصابي كما فعل نابوكوف في لوليتا.
2- هناك أدب يقدم الجنس في حوادث غريبة لتمتيع الكاتب ويطلق عليه في الغرب “البورنو” وفي الأدب العربي يطلق عليه بالأدب المكشوف، وفي تراثنا القديم أمثلة كثيرة جداً منه: نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب، للتيفاشي، وتحفة العروس، ورجوع الشّيخ إلي صباه الخ. وفي الأدب العربي الحديث برز كتاب كثر منهم رشيد الضّعيف الذّي يصف في إحدي رواياته علاثة شخص ما بزوجة أبيه بتفصيل مثير، وصدرت قبل سنة مجلة جسد، وفيها تفصيل للعلاقة بين الرّجل والمرأة، وتركيز علي الحب طبيعيّا وشاذّا، وفيها كمّ كبير من الإحالات الفكريّة والفلسفيّة لكتاب مشهورين في العالم تناولوه وكتبوا فيه، لاتّخاذهم أمثلة تحتذي لتوسيع دائرة هذا الأدب، ونشره، وتأسيس شرعنة فكريّة لترويج الشّذوذ وتبرير الخيانة الزّوجية من وجهة إظهار معاناة المتزوجين ومظلوميتهم وبخاصة ضحايا الإجبار علي الزّواج، بحجة أن الخيانة سلوك عاطفي يعبّر بصدق عن مشاعر الإنسان، بينما الإحجام عن الخيانة، والبقاء تحت رحمة الزواج المتعسف سلوك كاذب يخدع العواطف الخ، ومثل هذا الأدب مازال منبوذاً علي سبيل المثال في الولايات المتحدة، ولا تباع نشرياته إلا في أمكنة خاصّة، بالرّغم من أن سوقه التّجاريّ واسع جداً وهائل يصل إلي مليارات دولار، لكنّ هذا النّوع من الأدب مسموح وشرعيّ في أوربا كلّها، وبخاصة فرنسا، فهناك أدب “إيروتيكي” واسع جداً، وقديم جداً، وله جوائز سنوية هائلة، ولعلي لا أبالغ إن قلت أن ما ينشر منه، في الأسواق والأقبية المظلمة يعادل جميع ما يكتب وينشر في النور، ولعل أقدم من ساهم في هذا الحقل: هنري ميلر، لكنه بلغ أوجه علي يد الكاتبة الفرنسية: أناييس نن. في كتابها المشهور دلتا فينوس.
3- الأدب الواقعيّ الذّي يصف الجمال في الحياة كطبيعة وطفولة وجسد امرأة وهذا لا غبار عليه، لأنّك إن وصفت كلّ ما في لوحة ممتازة من جمال من دون تركيز علي شيء معيّن وتفضيله علي غيره فلا يمكن أن يكون شيئاً قبيحاً أو منبوذا، وسأوضّح الأمر في مثل بسيط. هناك قصة قصيرة تروي: إن “س” مرّ في باريس، والتقي فتاة “ص” وتبعها ثم قضي معها وقتاً ممتعاً. يفهم القارئ من هذه الجملة الاعتيادية، أن “س” و “ص” استمتعا بممارسة الجنس، لكن القارئ حين يكمل القصة يكتشف أنّها قريبته وأنّهما استمتعا بقراءة ديوان شعر، أو بلعبة الشّطرنج. في مثل هذه القصة يضطرّ الكاتب أن يحمل البطل علي تصرّف معيّن يكتشف فيه القارئ أنّه مارس الجنس أو لم يمارسه ليزيل اللبس، فإذا قام بحركة تدّل علي أنه استمتع جنسياً فلا غبار عليه. وهو النّوع الذّي يكتبه فؤاد التكرلي ومهدي عيسي الصّقر وأنا. ولتوضيح الأمر أكثر من هذا، أذكر زنقة بن بركة علي سبيل المثال، فقد كتب عنها 34 مقالة، وأشار إليها عشرات الكتاب، لكن لم ينتقدها أيّ كان أو يتهمها بأن فيها جنساً قبيحاً أو مقحماً، وما اعتبره بعض المتخلّفين جنساً هو وصف بعض النّساء كما هنّ في مواقع معينة، الأمر الذّي جعل علي الشّوك يصفها بالرّواية كاملة الأوصاف، ولم يقلّ احتفاء باقي النّقاد بها كالمرحوم علي جواد الطّاهر.
ـ كتبت للأطفال، وفازت إحدي قصصك بجائزة في أبو ظبي عام ” 1999 “، ما الذّي جذبك إلي الكتابة للأطفال؟ وكيف تنظر إلي أدب الأطفال في العراق، مقارنة مع أدب الأطفال في الدّول المتقدمة التي عشت فيها؟
الأطفال هم أمل الإنسانية في التٌقدٌم، ولبراءتهم وعفويتهم وصدقهم وقع كبير في نفسي، وأحترم كتاب أدب الأطفال وأراهم أفضل من غيرهم، وأتمني من كلّ قلبي لو استطعت أن اسمع ثرثرة طفلين دون العاشرة يتكلّمون في أيّ موضوع، فأنا أتوق إلي فهم وجهات نظرهم لأتعلّم منهم كيف يعبّرون عن إحساساتهم، أحلامهم، أهدافهم، كيف يقوّمون أهاليهم، أصدقاءهم، فالطفل إلي سنّ الثّامنة عشرة في أوطاننا لا يصارح أهله بما يعتلج في صدره، والكاتب السعيد في نظري من استطاع أن يغور في أعماق الأطفال. وفي الولايات المتحدة هناك جوائز خاصة سنوية لأدب الأطفال تحت السّابعة وفوقها. إنني أتوق لقراءة أدب الأطفال العراقيّ الذي حرمت منه عقوداً كثيرة، فلم يكن متوافراً في الإمارات سوي قصص أطفال سوريّة ومصريّة. ومحاولتي لفهم عالم الطّفل دفعتني لكتابة قصّتين فقط، نشرت إحداها “وهي التي فازت” أما الثّانية فلم أنشرها إلي حدّ الآن. لكنّي لسوء الحظ عدلت عن هذا الاتجاه السّليم إلي اتجاهي الأوّل “الرّواية” لأنّي اعتدت عليه.
ـ فزت بجوائز عديدة، لكنّ تبقي للجائزة الأولي نكهتها، فما هي جائزتك الأولي، وعن أي قصة فزت بها؟
لا أستطيع أن أقول عديدة بل متواضعة، خمس جوائز فقط. كانت الأولي عن قصّة نشرت في جريدة فتي العراق، وجائزتها اشتراك سنويّ مجانيّ بالجريدة، وفرحت بها كثيراً، لكنّها كانت سبباً لحقد مجموعة من الأميّين طلب بعضهم أن أكتب لهم، ورفضت فعادوني حتي وقت متأخّر، لكني فرحت كثيراً لفوز الجائزة الخامسة وكانت لأفضل رواية مترجمة إلي الإنكليزية،فلم أكن أتوقعها قطّ، وستنشرها جامعة سيراكوز في نيويورك في تشرين الثاني هذا العام.
ـ زرت العراق مؤخراً، وعشت واقعه من قريب كما عشته من بعيد، كيف تراه راهناً ومستقبلاً؟
لعلي لا أبالغ أن العراق في الخمسينات حتي الغزو كان أكثر بهاءً، ونظافة، وألقاً وأمناً. لكنّي متفائل إلي أن المستقبل سيكون أفضل، وأحلم وأتوقع أن يلغي ممثلو الشّعب دستور “برايمر” الإستعماريّ المتخلف الكريه وأن يزيلوا المواد الطّائفيّة، والتحصصيّة، ويتجهوا إلي تحقيق دستور حديث يجتثّ التّخلف والتّمييز العنصريّ والتعصب بشتي أنواعه، وأنا أثق بالمستقبل ثقة كبيرة.
ـ كتبت القصة والرّواية وقصة الأطفال هل حاولت كتابة المسرحية؟
للأسف لا. وربما لو طلب مني لفعلت، فللمسرح في العراق جذور عميقة ازدهرت ثم ضعفت زمن الدّيكتاتوريّة، ثم انقطعت بعد الاحتلال.