رواية حافة التيه نهاية مفتوحة وبنية طباقية



شكيب كاظم


2010/09/05

الاغتراب يحيل الحلم الي استذكار

ينفتح الفضاء الروائي، لرواية (حافة التيه) للروائي العراقي المبدع والمغترب في شيكاغو الامريكية محمود سعيد علي دائرة قمر عملاقة تحجبها اشجار غابة تمتد الي ما لا يتصور احد يسور اشجار الغابة حاجز المنيوم بارتفاع نصف متر، يمتد نحو ميل، محددا شارع 87 جنوبي شيكاغو، وفتاة تنزل من سيارة، ما ان سلمها الكهل مبلغا ماليا حتي انطلق مبتعدا كأنه يخشي مداهمة الشرطة المفاجئة، وحيدة علي رصيف الشارع العريض، وما هي الا برهة حتي ظهر من يطلبها، بعد ان انجزت عملها، يطلبها لتعود الي النُزل الضيق، كي تلبي رغبات الزبائن، الذين ملت عشرتهم وهذه الحياة الفارغة التي دفعتها قساوة الحياة الي الخوض فيها، بعد ان وجدت نفسها، هكذا لا اب يرعاها ولا ام تحدب عليها، فاضطرت الي سلوك هذا المسلك الشائن الرخيص، بيع الجسد لذاذة كي تعيش، وفي البرهة التي قررت فيها الهرب من واقعها المؤلم هذا، يظهر الرجل السمسار، لكنها تهرب منه نحو الغابة المظلمة الكثيفة، وما ان هّمَّ بالامساك بها والوصول اليها بعد مطاردة طويلة يسقط في بريكة صغيرة، وصوت اجش ينطلق به آمرا.
ــ قف.

موجها اليه فوهة مسدس، لا تشك البتة انه غير حقيقي، فلم يجد السمسار بدا من الرجوع الي حيث اتي، يجر خيبته وخسرانه.

مصادفات تصنع حياة
المصادفات الجميلة وحدها هي التي تصنع حياة الافراد، والا اية مصادفة جميلة هذه ان تجد هذه الفتاة، التي جاءت الي الحياة، من دون ان تعرف لها اما او ابا، وظلت تعيش في بيت من تبناها (جونير) وزوجته، سنوات عدة حتي اذا تفتحت انوثتها عن اكمامها حاول هذا المتبني الذي تعصف برأسه الحشيشة كل يوم الي مراودتها عن نفسها ليلا لكنها استعصمت وخيبت ظنونه مهددة اياه بالصراخ، واذ تخبر زوجته امها المتبنية بالذي حصل كذبتها ثم لامتها، مناجية نفسها: لست ادري لماذا تبنياني؟ كانا يعاملانني كغريبة، لم اشعر بالحب، بالحنان عندهما قط، ربما فرحا لانها تخلصا مني (…) سألتهما اكثر من مرة مَن ابواي عن امي، لم تخبرني بأية معلومة، تقول لا اعرف شيئا عنهما، لماذا تفكرين فيهما؟ كنت افكر في امي كثيرا، لم افكر في ابي قط، معظم الطلبة الذين كانوا معي يعيشون مع امهاتهم، ص119
المصادفة هي التي وضعت امامها وهي تهرب من واقعها المؤلم، تضع امامها من سيكون منقذا لها، واضعا لها خارطة طريق عليها ان تسلكها ويبدأ بتنفيذها تدريجيا كي يضعها علي جادة الطريق، وتضع امامها شخصا اخذ نفسه بالقوة، كابحا زمام نفسه وغرائزه ولطالما شعر بالاثم ينخر اهابه ان اتي منكرا، او فعلا لا يأتلف مع تربيته واخلاقه وطباعه الشرقية.
في هذا الجزء من ثلاثية شيكاغو التي ابدعها قلم الروائي العراقي محمود سعيد، الذي قرأت اولي رواياته (زنقة بن بركة) التي اثارت ضجة واسعة لدي صدورها اول مرة وحصلت علي جائزة افضل عمل روائي في العراق صدر عام 1994، وتناولتها اقلام النقاد، وفي الذاكرة دراسة الدكتور علي جواد الطاهر عنها والتي نشرتها مجلة (الاقلام) العراقية، وكتبت عنها حديثا نقديا نشرته جريدة (الصباح) العراقية (كانون الثاني 2004) كما تلاقفتها ايادي القراء، في هذا الجزء الاول الموسوم بـ(حافة التيه) يسرد علينا الروائي علي لسان (عمر) الراوي المركزي، شيئا من حياة العرب الامريكيين وخاصة العراقيين في الولايات المتحدة وشيكاغو تحديدا، ليطلعنا علي الحياة في امريكا، وعلي بعض تصرفات العراقيين، التي ما غادروها علي الرغم من السنوات الطويلة التي عاشوها هناك، مما يؤكد مقولة: مَن شَبَّ علي شيء شاب عليه.

تيار الوعي
استخدم الروائي محمود سعيد فن تيار الوعي بِحِرَفية عالية كي يتمكن من ربط احداث روايته هذه، فكنت وانا اجوس خلال سطورها الباهية المكتنزة بالاحداث والرؤي والافكار، أؤشر علي انثيال الافكار من خلال تداعيات تيار الوعي، والانفصام منه عائدا الي الحدث المعاش، كما استخدم ما يسميه النقد الحديث ببني التضاد، واسميه انا ــ مستعيرا المصطلح البلاغي العربي ــ بني الطِباق، فضلا علي لغة انيقة ومعبرة لم تضعفها السنون، سنون الغربة الطويلة ومغادرة اللغة الام، تحدثا وسماعا وعيشا، ومن صور هذا النسيان اللغوي يسأله صديقه العراقي جميل عن اسم الحصان الصغير؟!! فيجيبه عمر:
ــ مهر.
ــ آه نعم، مهر كيف لم يخطر ببالي؟ انستنا الغربة اللعينة لغتنا ظللت افكر عبثا طوال اليوم. لو كان عندك تلفون لاتصلت بك.
ــ لماذا تسأل عن المهر؟
ــ لأجل القصة التي تطلبها فاطنة، قصة مهرين. ص77. ص78
بعد ذلك اللقاء الغابي، وسط الغابة، غير المتوقع والذي نسجت خيوطه مصادفات الحياة، يعقد الحب اواصره بين عمر وبين الفتاة الهاربة التي تتعرف عن كثب علي اخلاقه ونبله ويتعرف هو علي اوضاعها البائسة، فيقرر انتشالها من هذه الوهدة التي اوقعها الزمان فيها، فتاة لقيطة تعيش مُتَبَناة لدي اسرة ما، يحاول رب هذه الاسرة في ساعة انتشاء بالحشيش الاعتداء عليها، لتغادر المنزل فتتعرف علي البير، الذي ما يلبث ان يتركها لتذهب للعيش مع هيلين العراقية، التي طردها ابوها من منزل الاسرة، لانها حملت سفاحا، مما يؤكد عدم استطاعة الاسر الشرقية معايشة الاجواء في الغرب المنفتح الي حد السخف وتحويل الحياة الي متع ولذائذ، ليتلقفها اخيرا القواد (ج. جورج) كما انها في حياتها البائسة هذه تدمن علي المخدرات، التي ما ان تتأخر عن اخذ الجرعة المعتادة يوميا حتي تتحول الي انسان آخر، تتعرق وترتفع درجة حرارة جسمها، وتتحول الي مشاكسة عدوانية.
يبذل (عمر) هذا العراقي المغترب جهدا كبيرا لتغيير حياتها ودمجها بالمجتمع والحياة لكن يظل هاجس مغادرته شيكاغو نحو السويد التي يرغب في امضاء ايامه الاخيرة فيها يؤرق عليها صفو حياتها هذه، انها احبته ولا تستطيع استساغة الحياة من دونه بالرغم من الفارق العمري الكبير بينهما الذي يمتد الي نحو اربعة عقود، ولا ادل علي ذلك من انه وقد ازمع رحيلا نحو السويد، وجاءت كاثي، وقد تأخرت في ذكر اسمها علي الرغم من كونها الشخصية المركزية الثانية في الرواية الي جانب (عمر) كما تأخر الروائي محمود سعيد في تعريفنا باسمها.
حتي ان النادلة العجوز في مطار اوهير، وقد رأت بكاءها وهي تودعه، امسكت كفَّ كاثي بيديها، قربتها من قلبها وهي تربت عليها: حبيبتي. نَبَرَتْ بصوت رقيق، اضافت: لا تفسدي رحلة ابيك. ثقي انه سيرجع. اري ذلك امامي. نظرت كاثي اليها بعينين وارمتين من البكاء. ابتسمت العجوز. قبلتها من وجنتها: لا تبك حبيبتي) ص203 ــ ص204

نهاية مفتوحة
تتحرك رواية (حافة التيه) الجزء الاول من ثلاثية شيكاغو للروائي العراقي المبدع محمود سعيد علي اكثر من صعيد، وعلي نحو اكثر تحديدا، نحو صعيدين اثنين مهمين، الاول يتولاه (عمر) الراوي الاساس، الذي يأتي السرد الروائي من خلاله، في انتشال كاثي من واقعها المأساوي وايجاد العمل المناسب لها، وجعلها علي جادة الصواب، فتاة رائعة الجمال والاخلاق، يتمني الكثير من الشباب، ان تكون زوجة له وسيدة منزله وتأخذ هلين علي عاتقها العمل في الاتجاه الثاني، وهو البحث عن ام كاثي من خلال البحث والتقصي، لكن كان يحبط مسعاهما هذا، انهما لا تكادان تعرفان اي شيء عن هذه الام التي تخلصت من حملها سراعا، وتركته يواجه مصيره منفردا في هذه الحياة الجافية القاسية.
لكنها المصادفة؛ المصادفة وحدها من تدلهما علي رأس الخيط الذي بواسطته ستنفتح امامهما آفاق التعرف علي ام كاثي، في يوم من ايام الصحو، ربما كان ربيعا جاءتما هيلين بقصاصة مجلة، كانت فرحة وواثقة: وجدت امكِ، انها انت، انظري، يا لها من امرأة! انها نائبة في الكونغرس.
ــ تمزحين.
حدقت في الصورة:
ــ أنتِ علي حق، نعم تُشْبِهُني، صورتي بعد خمس عشرة سنة، عشرين سنة، يا لكِ من عبقرية! اي عظمة! أين وجدتها؟
ــ علي احد مقاعد المترو القهوائي، تبدو منتزعة من مجلة فضائح. ص139
وتبدأان عملية بحث مضنية عن المجلة، اذ لم تحتو هذه القصاصة اية معلومة حتي انهما لا تعرفان اسم المجلة، اذن كيف السبيل اليها في هذا السيل المتلاطم مما تدلقه المطابع من مجلات؟ ذلك ان كاثي كانت تحيا علي هاجس انها ستلتقي بامها يوما، تحدق في وجوه النساء، عَلَّها تجد من تُشْبِهُها، حتي انها تطلب من (البير) الذي كان يطيع كل اوامرها، ويحاول اسعادها، وكانا موضع حسد الكثيرين، كانت تطلب منه مرارا ــ كانت تقول له:
ــ راقب اي امرأة تُشْبِهُني، سأتبعها، سأتكلم معها، مهمتك تمييز الصوت، ان كان يشبه صوتي فهي امي. ص137
لكنهما شكّا في الكثير من النساء اذ في كل امرأة منهن، ما يختلف عنها، يجعلهما يصدان، لون الشعر، الطول، الانف، لون العينين، لم تعثر كاثي والبير قط علي الام، ولم تفكر قط في البحث عن الاب، لانها وطنت نفسها انه لم يكن اكثر من عابر سبيل، او عابر سرير علي لغة الروائية احلام مستغانمي، افرغ لذاذته في جسد المرأة، التي ستحيا هي في ظلال رحمها لتدلقها الي هذا العالم الموحش في لحظة الم، توازي لحظة السعادة واللذاذة التي عاشتها مع ذلك الرجل في نزوة عابرة، او حاجة الي مال وما الي ذلك من تصاريف الحياة الدنيا.
الصورة التي عثرا عليها، لا تجيب عن الكثير من الاسئلة عن شخصية المرأة: طولها، عرضها، لون عينيها، نغمة الصوت، اذن ما عليهما الا الذهاب الي المكتبة العامة علهما تعثران علي المجلة التي نشرت علي غلافها صورة تلك المرأة، التي تحسب هيلين انها ام كاثي، لكن المكتبة العامة كانت ضاجة بالتلاميذ الصغار مما يوحي بانهم يعلمون اطفالهم علي القراءة وارتياد المكتبات سيرا علي مقولة: خذوهم صغارا!
واذا اعيتهما الوسيلة قررتا الذهاب الي السوبر ماركت، والي الجناح الخاص بالمجلات، لتدلنا هذه المعلومة، ونحن نقرأ ما بين السطور، والمسكوت عنه الي حجم الاهتمام بالقراءة في تلك البلدان، جناح خاص بالمجلات اذن سيكون هناك جناح للجرائد، وآخر للكتب، في سوق غير مختص بالمطبوعات اساسا،ولانهما لا تملكان مالا كافيا، تذهبان بالمجلة الي مكان لا تصله كامرات الرصد في السوبر ماركت، وانتزعت هيلين الصفحة كلها، صورة السناتورة والكاتبة، طَوَّت الورقة كي تخفيها في كفها وخرجتا.
في هذا المستوي من رواية (حافة التيه) للروائي الماهر محمود سعيد، الذي تقوده كاثي وصديقتها هيلين في البحث عن امها، التي من خلال الصفحة المقتطعة من تلك المجلة، يتعرفان علي بصيص ضوء يدلهما علي الطريق، وصولا الي الام، التي كانت قد طردت من المدرسة الثانوية اكثر من مرة لتناولها الكحول، وحملت وهي في الخامسة عشرة من عمرها، ورفضت عملية الاجهاض، وتركت علي اثرها الدراسة، واكد مدير المستشفي انها ولدت طفلة عام 1980، لا يعرف كيف تخلصت منها، ولا يعرف عنها احد شيئا، والان هي سناتورة!! تقرر مصائر بلدان!! هي التي ما تمكنت من قيادة نفسها، وصيانة مصيرها بل تركت لغرائزها المراهقة ان تقودها نحو تلك الهفوات، اللذاذات، التي انتجت للدنيا هذا المخلوق المحطم كاثي، والتي ما فكرت يوما ــ ولعلها فكرت ــ الا انها ما حققت افكارها بحثا عن ذلك المخلوق البريء، الذي تركته نهبا لغول الحياة، اذ لعل هذا التأريخ يسيء لحياة السناتورة الامريكية ومستقبلها السياسي!!
محمود سعيد الحكّاء الماهر، الذي ابهرنا بعمله الروائي هذا، يترك هذا المستوي المهم من الرواية الي نهاية مفتوحة، مما يزيد في تشويق القارئ في البحث عن الحل، فبعد ذلك الضوء الشحيح، الذي قَبَساه من تلك المجلة، تبدأان بمناقشة سبل التوصل الي السناتورة. كي. جي. مياردين روز وتقرران ثلاثة خيارات، الاول: كتابة رسالة الي السناتورة، او الاتصال الهاتفي بها، او ثالثا الذهاب اليها مباشرة، لكن الروائي محمود سعيد، ولمزيد من التشويق وحبكة الاحداث، يتركنا في نهاية مفتوحة علي كل الاحتمالات، ومن دون اي ضوء مهما كان شحيحا، يقرر علي لسان الراوي المركزي: توصلتا الي الاختيار الثالث، عليهما ان تعملا بجد لتجمعا تكاليف السفر بعد معرفة العنوان، حينئذ أحستا بالراحة. هانت الامور، اصبح لهما هدف تسيران نحوه. ص142

بنْية طِباقية
واذ نصل الي هذه الذروة الروائية الرائعة والمشوقة، ذات النهاية المفتوحة، فانه ينقلنا الي المستوي الآخر، من الرواية، الذي اخذه علي عاتقه الراوي المركزي، وهو وضع كاثي التي جعلها القدر مصادفة في طريقه، وفي تلك البقعة من غابة شيكاغو شحيحة الاضواء، وضعها علي طريق صحيح، فينجح في تخليصها من المخدرات تدريجيا، ثم يعلمها قيادة السيارة، واخيرا يجد لها عملا في بيع المرطبات، وتأجير استوديو باسمها، ودفع اجرة شهر مقدما، اذن آن اوان رحيله الي السويد، هو الحالم بعيش سعيد، لم يجده في وطنه، فآثر الترحال في بلدان عدة، ليطوي شراع ترحاله في الربوع الامريكية، لكنه ما وجد نفسه فيها، ويبدو انه لن يجدها ابدا وفي اي مكان، وسيظل الانسان الباحث عن مدينته الفاضلة متعبا مهموما مكدودا فالمدن الفاضلة ليس لها ظل في الارض، هي التي اداخت افلاطون والفارابي وتوماس مور في يوتوبياه غير المتحققة علي الارض، وسيظل راوينا المركزي دائخا حتي مبارحة الروح للجسد، اذ هو قرر تمضية ما تبقي من عمر في الارض السويدية، واذ يكمل مهمته، اذ وهب حتي سيارته الخاصة لها كي تستخدمها في توزيع المرطبات، ينقلنا الراوي الي مطار (اوهير) لينفتح الافق الروائي علي (عمر) وكاثي تبكي مدرارا، واذ آنسنا والقراء ان الرحلة ستمضي بشكلها الطبيعي علي الرغم من بكاء كاثي وطلبها منه البقاء معها وترك فكرة السفر، يطل علينا الحدث الصاعق المدوي، الذي اكتنزه لنا الروائي محمود سعيد، واكتنز كل امكاناته في السرد في بُناه الطِباقية المضادة لكل التوقعات، هو يحاول التخفيف عنها والحديث عن التغيرات التي طرأت علي حياتها بنصائحه وفضله ومساندته لها:
ــ أرأيت؟ كل من يرانا يظنني اباك. لا استطيع تحمل ذلك. فكري بما حصلت عليه. عندك عمل. شقة. سيارة. تلفون محمول. وقفت علي رجليك. انتقلت من درجة الصفر الي الطبقة الوسطي. تستطيعين الان ان تأكلي في اي مطعم، ان تسافري في العطل، ستتعرفين علي شاب يناسبك. لكنها ترفض كل هذه، انها تريده، ان يعيشا معا وان يتزوجها، لكنه يتذرع بالفاصل الزمني بينهما، ومنذ برهة، قالت لها النادلة وقد شاهدت بكاءها المر، دعي اباك يسافر براحة! وسيعود اليك لا شك!!
ارتفع صوت ممثلة خطوط الطيران السويدية، تستدعي ركاب الرحلة الي السويد لآخر مرة، ويا للهول سمع اسمه من بعيد، التفت لمح صديقه الدكتور موفق، أيمكن قد جاء لتوديعه؟ لكن سيماء وجهه لا تدل علي ذلك فضلا علي التأخير، فهو في الدقائق الاخيرة التي تسبق اقلاع الطائرة، اذن ما الذي جاء به؟ واذ يلتقي به يطلب منه تأجيل سفره، لماذا؟ وقد اجلته مرارا، ويأتي الجواب الصاعق انهم يريدون الاستحواذ أيت نيسيةييةة
علي كاثي بُعَيد سفرك ولكن كيف؟ وكيف تسمح لهم اخلاقهم ذلك، هم الذي حملوا كل عقد الوطن لتضاف اليه رذائل الحياة المنفتحة بدون حدود في بلد الاغتراب، مما يؤكد ظلم الانسان وانانيته، التي لا يقف امامها وازع من دين او ثقافة، وأنه لولا القوانين الرادعة لكان اشد فتكا من اشد الكواسر، يفجعه دكتور موفق بما خطط له اصحابه.
ــ لكنهم ماذا يستطيعون ان يفعلوا؟
قهقه الدكتور: ماذا يستطيعون ان يفعلوا؟ ما زلت غرا وانت في هذا العمر؟ فكروا بعشرات الخطط لم يبق غير التنفيذ.
حدق به عمر غير مصدق: اوضح رجاء لم افهم اي شيء.
ــ حسنا، اولا يرفعون قضية في الشرطة، انها سرقت شاحنة الآيس كريم، حتي انها لا تعرف صاحب الشاحنة. لم تره قط. لم توقع عقدا. ستقضي بضعة ايام في التوقيف ثم يتكفلها احدهم. يخرجها من السجن. يغرقها بالمخدرات، الي ان تفقد مقاومتها كليا، الا تعرف (جماعتنا) ما ان يشبعوا من واحدة، حتي يتخلصوا منها بطريقة ما. ص206
ليتركنا المبدع محمود سعيد نحيا بنية طِباقية صاعقة، ونهاية روائية مفتوحة علي كل الاحتمالات، وايدينا علي قلوبنا الواجفة.