حمدي قنديل في مذكراته : محمد مرسى فرح بالرئاسة كطفل حصل على لعبة



حمدي قنديل ومحمد مرسياعندما انتهى سباق الانتخابات الرئاسية عام 2012 بالإعادة بين الدكتور محمد مرسى والفريق أحمد شفيق، اختصرت مقالي في «المصري اليوم» في عدة سطور كانت بمثابة بيان عنوانه «نداء إلى قوى الثورة»، قلت فيه إن الانتظار لن يطول بنا لأربع سنوات، سيتفجر السخط الشعبي غدا أو بعد غد أيا ما كان الفائز هذه المرة».
أجريت الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية يومي 16 و 17 يونيو 2012، وفى مساء يوم 21 جاءتني مكالمة من د. محمد البلتاجى يدعوني مع آخرين للاجتماع مع مرسى لمناقشة الموقف بعد الجولة الثانية، ولم تكن نتيجة الجولة قد ظهرت بعد.
موقف المجلس العسكري كان وقتها غامضا تماما، كل ما كنا نعلمه أنه على صلة مستمرة مع الفريق شفيق، لكنه كان قد فتح قناة للاتصال مع الإخوان أيضا من خلال الدعوة السلفية وحزب النور.

السلفيون والجيش
كان السلفيون يطبخون شيئا مع المجلس العسكري في تلك الأيام السابقة على الجولة الثانية للانتخابات، لكن هذه الطبخة لم تنكشف سوى بعد الانتخابات بشهور، عندما صرح الشيخ ياسر برهامي في نوفمبر 2013 أن المجلس كانت لديه مخاوف من سيطرة الإخوان على الحكم إذا فاز مرشحهم في الانتخابات، فاتفق مع السلفيين على أن يطلبوا من الإخوان تقديم مبادرة تتضمن توجيه رسالة تطمين قوية لجميع مؤسسات الدولة وجميع أطيافها، والحرص على دعم الدولة الحديثة، وتقديم تعهدات من قبل الرئيس القادم تضمن تحقيق الاستقرار داخل الوطن، وعدم تصفية مؤسسات الدولة بدعوى مواجهة الفساد، ولكن من خلال إعادة هيكلتها بشكل تدريجى يضمن استقرار كيان هذه المؤسسات (الشرطة، القضاء، المخابرات، المحافظين، والمحليات)، وإعادة النظر فى تشكيل الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور، إلخ.
لو كان المجلس العسكري قد أفصح عن نواياه عندئذ، أو كان حزب النور قد اتصل بالقوى المدنية لكانوا قد شكلوا قوة ضاغطة لا يمكن بحال تجاهلها، خاصة أن عددا من القيادات السياسية البارزة كان قد أعلن عن مبادراته.

مع الإخوان.. مباشرة
ذهبنا مباشرة إلى الإخوان المسلمين الذين تتركز المخاوف من احتمال لجوئهم إلـى العنف إذا ما فاز شفيق، وذهبنا إليهم في العلن وبسرعة، هكذا قررت أن المغامرة تستحق، خاصة أن ضررها يقع عليَّ وحدى، ولم أزعم إنني أمثل أحدا، مضيت في طريقي إلى فندق «فيرمونت».
عندما دخلت قاعة الاجتماع وجدت عبدالغفار شكر هناك، ثم دخل عبدالجليل مصطفى وبعده حسن نافعة وسكينة فؤاد وعبدالخالق فاروق الذين كانوا في اجتماع التيار الثالث أيضا، وشارك في الاجتماع كذلك د. عمار على حسن ود. محمد السعيد إدريس ود. هبة رءوف والنائب سعد عبود ود. رباب المهدى وأيمن الصياد ووائل قنديل ومحمد الصاوي ود. سيف عبدالفتاح، أما شباب الثورة فكان هناك منهم وائل غنيم وشادي الغزالي حرب ووائل خليل ومحمد القصاص وإسلام لطفى وطارق الخولي وأحمد إمام ومصطفى شوقي. وعلاء الأسواني جاء متأخرا، وقال ما عنده في دقائق، ثم غادر لارتباطات أخرى ولم يحضر ثانية.

أتيح لي أن أكون أول من تحدث فى الاجتماع، كررت مخاوفي مما إذا كان الإخوان المسلمون يحشدون الناس فى العلن لرفض قرارات المجلس العسكرى وإعلاناته الدستورية فى الوقت الذى يجرون فيه الاتصالات كعادتهم مع المجلس فى الخفاء.
وأعاد الكل على مسامع الدكتور مرسى كل ما يزعجهم بلا تزويق ولا مجاملة، بعدها انتقلنا إلى صلب ما ذهبنا من أجله، يا د.مرسى، إذا شاءت لجنة الانتخابات الرئاسية أن تكون الرئاسة لشفيق فنحن هنا معكم لكى نحول دون أن ينزلق البلد إلى شفا هاوية، وإذا كانت الرئاسة من نصيبكم فلن يمكنكم البقاء فى الحكم بتأييد الإخوان وحدهم، الشعب له مطالب عليكم أن تلبوها، إن تعهدتم بتلبيتها أمام الشعب فسنساندكم، بل ونصطف معكم فى جبهة واحدة، وإن حدتم عنها كان هذا فراقا بيننا وبينكم، طال النقاش بيننا حتى الرابعة فجرا.

تعهدات مرسى
في مؤتمرنا الصحفي الشهير يوم الجمعة 22 يونيو، أى قبل إعلان النتيجة بعدة أيام، كررنا نحن ثباتنا على موقفنا، وقلت فى كلمتى إننا نرفض الهيمنة باسم الدين أو الاستبداد باسم العسكر وإننا نتسامح فيما مضى من أخطاء، وتعهد محمد مرسى بما تعهد به أمام الناس جميعا، دولة ديمقراطية مدنية، كفالة الحريات، ضمان حقوق المواطنة، نواب رئيس من الأقباط والشباب والنساء مسئولون عن ملفات محددة، رئيس حكومة مستقل، حكومة غالبية وزرائها من غير الإخوان، وجمعية تأسيسية للدستور تمثل أطياف الشعب.
فى اليوم التالى لما سمته الصحافة «إعلان فيرمونت» شُـكلت من المجتمعين جبهة سمت نفسها «الجبهة الوطنية لاستكمال الثورة» ضمت أيضا عددا محدودا من قيادات الإخوان، كان من أنشطهم البلتاجى وخالد حنفى (أمين حزب الحرية والعدالة فى القاهرة فيما بعد)، وعلى الرغم من أننى لم أحضر الاجتماع التأسيسى للجبهة فقد تم اختيارى منسق للجنتها الإعلامية، لكننى لم أتولَ فعليا هذه المسئولية.
حضرت اجتماعين للجبهة، علمت منهما أن الدكتور سيف عبدالفتاح اختير منسقا لها، وأن الجبهة أخذت فى إرسال ترشيحاتها للمناصب الكبرى إلى الرئيس، وأن أعضاءها اتفقوا على ألَّا يتولوا أى مناصب فى الإدارة الجديدة للدولة، وإن كان الاستثناء الوحيد لهذا القرار هو ترشيح د. عبدالجليل مصطفى رئيسا للوزراء (رفض د. عبدالجليل الترشيح كعادته فى الاعتذار عن أى منصب تنفيذى منذ قيام الثورة).

وجها لوجه
فى يوم 14 يوليو بدأ الرئيس مقابلاته التى سميت «مشاورات حول المشهد السياسى الراهن» باجتماعين؛ كان أولهما مع السفير محمد رفاعة الطهطاوى الذى سمى فيما بعد رئيسا للديوان، والثانى معى، كان انطباعى عنه بعد اجتماعنا المضنى فى «فيرمونت» أنه رجل طيب على الرغم من أنه كان يحاول الإفلات من الالتزام ببند أو آخر من بنود الاتفاق.
بادرنى الرجل بترحيب دافئ، وعندما جلسنا دخل فى الموضوع مباشرة: «كيف ترى الأوضاع؟»، قلت: «يا سيادة الرئيس، كيف لى أن أدلى برأى صائب وأنا لا أعرف بدقة ما يدور حولك فى الكواليس؟».
تحدثت عن الوضع بقدر ما فهمته، وفصلت بعض الشىء فيما تداولته جبهتنا فى اجتماعاتها، وفى أننا نبعث برؤيتنا بانتظام إلى الرئاسة، لكن ما رجوناه من تشاور يبدو وكأنه اتصال من جانب واحد، بدا على الرئيس الانزعاج، وطلب من الدكتور ياسر على، الذى كان حاضرا الجلسة، أن يذكِّره بالأمر فيما بعد.
أضفت: «موضوع إعادة تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور بحيث تكون أكثر توازنا لم يحدث فيه أى تطور، وممثلو الحرية والعدالة فى الجمعية لم ينبس واحد منهم بكلمة تشير إلى ما اتفقنا عليه».
قال الرئيس: «سنعمل على ذلك»، وأتبع بكلمات امتنان وهو يتذكر الليلة التى توصلنا فيها إلى الاتفاق فى «فيرمونت»، سألت: «وهل تسمح لك القوى التى خلف الستار بتنفيذه؟»، بدأ الدكتور مرسى حديثا مستفيضا فهمت من مجمله أن الرجل مدرك لتعقيدات الموقف، وأنه لايزال يتحسس أقدامه فى حقل الألغام الشائك، ولكنه على استعداد لمغامرة محسوبة، كلمنى أحيانا بالرمز، وكثيرا بصريح العبارة عن علاقاته المتشابكة مع المجلس العسكرى «الذى يحتاج إليَّ وأحتاج إليه»، ومع القضاء، ومع الإعلام، وحتى مع الشرطة.
كان يرى أن علاقته بالشرطة سوف تسوى، خاصة بعد الاجتماعات المتتالية التى عقدها مع رجالها، لكنه عندما تحدث عن الإعلام كانت كلماته تنطق بخيبة أمل واضحة، قلت: «نحن الإعلاميين نشكو أيضا، لكن الكل مع ذلك مؤمن بأمرين أساسيين: ضمانات الحرية، واستقلال الإعلام الرسمى عن الحكومة»، قال الرئيس: «وأنا الآخر، وأؤكد لك أنه لا يمكن أن تحدث مذبحة للإعلام فى عهدى».
انتقل بنا الحديث من بعد إلى التعرض بإيجاز لأوضاع المؤسسات الإعلامية، قلت إننى معترض منذ زمن على وجود وزارة للإعلام، واقتراحى أن تكون للإعلام وزارة دولة لنعطى إشارة إلى أنه ليس فى نيتنا الإبقاء عليها إلا لمهمة قصيرة محددة هى إعادة هيكلة أجهزة الإعلام، عندما طرحت بعض الأسماء المرشحة للوزارة، أدركت من تعليقه أن المجلس العسكرى قد تكون له كلمته فى الاختيار، وربما لوزارات السيادة جميعا.
عاد بنا الحديث إلى الوضع العام، قلت: «ربما تندهش يا سيادة الرئيس إذا ما اقترحت عليك التهدئة مع المجلس العسكرى لبعض الوقت، نعم، نحن لا نقبل دولة برأسين، لكننى مع ذلك، أرى التريث قليلا، وأذهب فى القول إلى حد مطالبتك بألا تصغى لفترة إلى صياح الميادين حتى لو تصدرتها أصوات الإخوان، الناس تود أن تلتقط أنفاسها وتنعم باستقرار يتيح للاقتصاد أن ينتعش بعد الاستقطاب الحاد الذى خلَّفته الانتخابات الرئاسية، لكن واجبك الأخلاقى العاجل هو العفو عن المعتقلين والمحاكمين عسكريا، وغير ذلك مقدور عليه».
قاطعنى الرئيس: «وهذا سيبدأ مع رمضان، وربما قبله»، استطردت: «وعندما تضطر إلى حسم الأمور الأخرى فيجب أن تُحسم فى حزمة واحدة، وأن يتم ذلك بعد تشكيل حكومة وطنية قوية تساندك فى مواجهة التبعات»، كنت أقصد العلاقة مع المجلس العسكرى، ولكننى أوجزت، خاصة وأننى لاحظت أن مرسى يتكلم بحساب خشية آلات التنصت كما كنت أتصور.
أكد الدكتور مرسى أن الحكومة ستتم تسمية رئيسها خلال أيام، وأن اختيار الوزراء متروك لرئيس الحكومة، وإن كان هو معنيا بالأمر بالطبع، شجعنى هذا على تذكيره بكفاءات مرموقة، خاصة ممن يمكن أن تسقط أسماؤهم من الذاكرة بسبب إقامتهم فى الخارج، مثل الدكتور هانى عازر الذى صمم وأشرف على إنشاء محطة سكك حديد برلين، وهى أكبر محطات قطارات فى أوروبا، وحصلت على جائزة أفضل محطة فى العالم.
توقفت أيضا عند اسم الدكتور محمد البرادعى، وقلت إنه إن كانت هناك عوامل فى رأيى تحول دون توليه منصبا دائما، فمن الممكن مع ذلك أن يكون ممثلا شخصيا لك فى بعض المهام الدولية، وتوقفت أكثر عند اسم عمرو موسى، وقلت: «ليته يكون قريبا منك فى موقع يليق به، وليته يقبل»، امتدح الدكتور مرسى بحرارة موقف موسى بعد خسارته الانتخابات، وقال إنه رجل دولة بحق.

كان هذا الصمت يقلقنا كثيرا فى الجبهة مما دعانا إلى إصدار تصريح صحفى طالبنا فيه الرئيس بتنفيذ تعهداته قبل رمضان، أى فى خلال الأسبوعين التاليين.

حكومة قنديل
وفى يوم 28 يوليو، وبعد أن كلف هشام قنديل بتشكيل الحكومة، اضطررنا للخروج إلى العلن، فعقدنا مؤتمرا صحفيا فى ساقية الصاوى، أعلنا فيه استياءنا خاصة من تكليف رئيس حكومة يفتقر إلى المعايير التى تم الاتفاق عليها، ومن الغموض الذى يلف قصر الرئاسة فيما يتعلق بتشكيل الفريق الرئاسى، استأنا كذلك من غياب الشفافية بين الرئيس والشعب، ومن انعدام التشاور مع الجبهة، ومن تجاهل تعديل تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور، وطالبنا الرئيس بتصحيح المسار، أى إننا عدنا مرة أخرى ننادى بما نادينا به قبل شهر فى اجتماعنا فى «فيرمونت».
بعد تولى مرسى الحكم بخمسة أسابيع، نشرت مقالا كان عنوانه «أنعى إليكم الشراكة مع الرئاسة»، وجاء ضمن ما جاء فيه..
«إن لم يكن قد بلغ الرئيس صدى تشكيل حكومة قنديل، فقد بلغنا نحن، بلغنا فى انتقادات حادة حمَّلتنا كشركاء مسئولية الاختيار، ومسئولية خداع الرأى العام الذى أوحينا إليه باتفاقنا مع الدكتور مرسى أن الأمور ستسير على نحو أفضل».
«اليوم، بعد تشكيل الحكومة على النحو الذى شكلت به، وبعد النكوص عن التعهدات التى أعلنت ضمن اتفاق الشراكة فى «فيرمونت»، فإننا لا نستطيع تحمل مسئولية هذه الشراكة، بل إنها فى واقع الامر لم تعد قائمة».
فى خلال ذلك حضرت اجتماعين من تلك الاجتماعات التى كان مرسى يعقدها مع الشخصيات السياسية والثقافية، اكتشفت بعدهما أن هدف هذه الاجتماعات هو الفضفضة ونشر الصور.
وعلى الرغم من أنه كان يبدو كما لو كان ينصت لمن يتكلم باهتمام بالغ ويكتب ملاحظاته كطالب مجتهد، فإننى لاحظت أنه كان منتشيا بكرسيه فى الصدارة، تماما كطفل حصل على لعبة جديدة لم يحصل عليها أى من رفاقه، ولاحظت كذلك أنه أكثر حرصا على أن يؤم المجتمعين فى صلاة العصر بعد كل اجتماع من حرصه على تنفيذ اقتراحاتهم، وهكذا اعتذرت عن الاجتماع الثالث، وأبلغت أمين الرئاسة أن هذه الاجتماعات بلا جدول أعمال وأنه لا جدوى منها.
بدأت فى الوقت نفسه أدلى بتصريحات أو أكتب فى «تويتر» عبارات أكثر حدة، مثل «يصعب الثقة فى أن مرسى سيكون حاكما ديمقراطيا»، «الرئيس أعلن عن أرقام لم يلمسها المصريون»،«ما يفعله الإخوان لم يجرؤ عليه حزب مبارك»، «يا دكتور مرسى وضح لنا علاقتك بصديقك العظيم بيريز»، إلى أن جاءت مظاهرات «جمعة الحساب» فى ميدان التحرير يوم 12 أكتوبر، وهى التى خرجت فيها القوى المدنية تحاسب الرئيس على وعود مائة اليوم، وتعترض على سياسات الحكم خاصة فيما يتعلق بوضع الدستور، وزاد من الاحتقان يومها مهرجان البراءة لكل المتهمين فى موقعة الجمل.
فجأة اقتحم الإخوان الميدان، واعتدوا على المتظاهرين من القوى الثورية، وحطموا المنصة، فطالبت الإخوان بالانسحاب على الفور من التحرير، ثم كتبت «ننتظر اعتذار الإخوان عن حماقة يوم الجمعة، ننتظر بلا أمل»، وبعد أيام نشرت مقالا فى المصرى اليوم فى 22 أكتوبر كان عنوانه «أعلن اعتذارى عن مساندة الرئيس».

العشاء الأخير
دعوت أعضاء الجبهة بعدها بأيام على عشاء فى مطعم «القاهرة40» فى الزمالك فحضر معظمهم، ولم يحضر من الجماعة إلَّا النائب السابق خالد حنفى، وقلت يومها إننى أردت أن يكون لقاؤنا هذا وديا لأننى على يقين أنه سيكون العشاء الأخير، وقلت أيضا إن الجبهة ليس لها أى ثقل فى المعترك السياسى، وأخذت أعدد ما آلت إليه مطالب «فيرمونت» من ضياع، وأؤكد أننا لم نستطع ولن نستطيع أن نفرض على الرئيس شيئا. فى النهاية قلت إنه لا يمكن لى أن أواصل الانتساب إلى الجبهة إلَّا لو اعتذر الإخوان المسلمون عن أحداث جمعة الحساب، فوعد خالد حنفى بطرح الأمر على قيادتهم، ولكننى كنت أعرف النتيجة مسبقا، هكذا انفض لقاؤنا والكل مدرك أننا لن نلتقى ثانية فى إطار جبهة تأكدنا أنها مجرد وهم، ولم نلتقِ بالفعل.

هجوم من كل جانب
فى ذلك الوقت دعا حمدين صباحى إلى مؤتمر جماهيرى كبير فى ميدان عابدين يعلن فيه تأسيس «التيار الشعبى».
ألقيت كلمة فى المؤتمر دعوت فيها أعضاء التيار للعمل على حصد أغلبية فى البرلمان القادم تمكننا من الحفاظ على الهوية المصرية وبناء دولة المواطنة والحداثة، وقوبلت الكلمة بحماس من الآلاف التى شاركت فى المؤتمر، إلَّا أنه عند خروجى من السرادق التفت لى واحد من الشباب الذين ينظمون المؤتمر صائحا: «وكانت فين دولة الحداثة دى لما رحت لمرسى؟».
لم يكن هناك مجال وسط تدافع الجمهور كى أقول شيئا، وعندما اتجهت لسيارتى التى لم تكن تبعد أكثر من مائة متر استوقفنى فى الطريق عدة مرات عدد من الشباب أرادوا أن يناقشوا إعلان «فيرمونت»، وكان أحدهم يتكلم بطريقة فظة فى حين كان الآخرون غاضبين تماما، حتى إن السفير ياسر مراد الذى كان يصحبنى انفعل لأنهم تحدثوا إلى خاله على هذا النحو، كانت هذه أول مرة أظهر فيها بين الجماهير، وكانت تجربة مريرة ترددت بعدها فى الذهاب إلى ميدان التحرير أكثر من مرة.
عندما مررت بالتجربة المُرة الأخرى فى مؤتمر التيار الشعبى تضاعف إحباطى، وزاد من الغم أن صحتى أخذت فى التدهور، واستمر الحال على هذا النحو حتى الآن. وحرمنى ذلك من المشاركة فى العمل العام كما اعتدت من قبل، كما زهدت الظهور فى برامج التليفزيون.
ثم جاءت نكبتى فى مرسى وعهوده، التى انتهت بأننى أعلنت لمن وثق بى يوم إعلان «فيرمونت» اعتذارى عن مساندة الرئيس، جاء هذا الاعتذار بعد أربعة أشهر تماما، نالنى خلالها ما نالنى من أذى من كل جانب، من أنصار شفيق، ومن أنصار الإخوان.
أما أنصار الثورة فكانوا عاتبين عليَّ أشد العتب، إذ كيف أذهب إلى الإخوان على الرغم من درايتى بأساليبهم؟ وكان هناك أيضا المغرضون الذين صمموا على أننى أنا الذى دعوتهم لانتخاب مرسى قبل جولة الانتخابات الرئاسية، واستمر هذا الأذى يلاحقنى حتى الآن، وخاصة من الكتائب الإلكترونية للإخوان التى أدهشتنى سفالة الكثير من رسائلها.

جزاء وفاقا
ربما كنت تحت وطأة ضغط نفسى عندما نشرت اعتذارى، لكن الأيام لو عادت بى مرة أخرى إلى تلك اللحظة، بظروفها ذاتها، لما اعتذرت، لقد حاولت أن أصل إلى تعهد من الإخوان يضمن استقرار البلد وثباته على طبيعته المدنية كما حاول المجلس العسكرى، وحاول البرادعى، وحاول السلفيون، وحاول الكفراوى مع عمرو موسى، وحاول صباحى، وحاولت كل القوى السياسية التى طرحت «وثيقة العهد».
لكننى كنت الوحيد الذى اعترفت بالفشل فى مسعاه ودفع الثمن غاليا، وكان هذا يكفى، ولم أجد فيه ما يعيب، العيب أن نستمر فى خداع أنفسنا، ومن ثم فى خداع الناس، لم نكن نحن الذين أخطأنا، مرسى هو الذى أخطأ فى حق الشعب؛ ولذلك استحق الجزاء، أما نحن، فمهما كان تقييم الناس لما فعلناه، ومهما كانت ردود أفعالهم، فلن يثنينا شىء عن مواصلة المسيرة لتحقيق أهداف ثورة 25 يناير التى استكملت فى 30 يونيو.