مقتطف من رواية "حجر الخلفة"


ححر الخلفة رواية لأسامة حبشي

للروائى أسامة حبشي
عن سلسلة إبداعات الثورة بالهيئة العامة لقصور الثقافة


قلة تُعد على أصابع اليد تكون لها ومضات استثنائية لحظة ولادتها، حيث البعض منها نصنع منه– رُغما عنا- الأساطير كالأنبياء، والبعض الآخر تتبعه أساطيرنا وتخيلاتنا أينما حل، وكأنه هوالأسطورة ذاتها. فيختلط الواقع بالمتخيل والزمن باللازمن. أما بقية البشرالمساكين فيولدون فقط من أجل إتمام عملية الوهم الإجتماعى، فنجد المساكين يولدون ويموتون بلا ذاكرة تسعفهم فى حياتهم أو تحصنهم من نسيان التاريخ لهم فيما بعد، ولكن القلة المعدودة التى نقصدها لايمكن نسيانها أبدا، ومن المرجح أن تلك القلة قد خُلِقتْ أو سَتُخلقُ فى لحظة الغفوة العظيمة من الرب، لحظة القيلولة السماوية، عندما لا تفصل الأبواب عن خلائها بمزاليج أو سلاسل، فيصبح خلاء الرب عدن المشتهاة. عندئذ يعانق التراب النار بحافة النهر الصغيروسط مروج لانهائية من الرغبات الجامحة للعصيان والاصرارعلي فرض حياة خاصة لاتمت إلي الماقبل أو المابعد، حياة تولد بداخلها وتنتهي داخلها بلا أطر لآخرين أو امتزاج بعفونتهم المزعجة، ومن تلك القلة - تحديداً من البعض - الذى تتبعه الأساطير كانت "نون"، وكانت أسطورتها التى سلبت عقول على مدار بلايين من السنين فى كوكبنا الذى يعتز بنفسه ناسياً أن مالم نعهده من كواكب أخري قد يكون أكثرحظاً وأوفر جمالاً منه، لامجال لبيان عورة كوكبنا الآن فلكل مختال فخور عاهر بالمرصاد أشد نزوة ونزقاً وافتخاراً، إننى لاأجد مفرا أووقتاً- بسبب "نون" - للتفكير فى شيء آخر.
تنتمى " نون" - أسطورة الدائرة الكبري - لبلاد بعيدة على حافة منتصف كوكب الأرض المغرور، بشمال البلاد حيث البيوت مترامية كحبات توت منثور سقط سهواً من أصابع الإله الأكبر خلف السموات البعيدة ، حافة في بلاد لها تواريخ وشواهد خاصة، ولها آلهة تناوبت على عرشها بانتظام يفوق انتظام عقارب ساعة سويسرية، إلهة عاشقة ، عطشي، وفية، وجنونية فى مطالبها وقربانها، كم من بشر هنا بهذه البلاد تفانوا فى تقديم اخلاصهم كقربان مقدس لتلك الألهة ، وكم من آخرين تعاملوا مع الآلهة بمنطق فوضوي صامت وقالوا "سيذهب إله وسيأتى غيره لامحالة ولم نجد أي منهم يهتم بنا". "نون" برغم وجودها الأزلي إلا أنها فضلت التأخر فى الظهور عمدا- كألف- واختارت البداية فى هيئة بشرية مزرية تافهة.
الكهنة فقط وصانعو الكتب المشكوك فى قدسيتها ومن تَبعهم هم من أرادوا تغليف الآلهة بلغات الدم من خلال نواميس سرمدية تخصهم وتخص حدسهم المخلوط برغبات حسية مطلقة من أجل السيطرة على الآخر، فاغتالوا عن قصد لحظة الكشف ولحظة فيضان الجمال من كل شيء، اغتالوا لحظة التعري الكامل أمام الطبيعة، وسجنوا البراح اللامنتهي فى بضع كلمات تنهى ذاك عن فعل هذا وتأمر هذا بفعل ذاك، كانت هذه البلاد فى مجد مطلق، ولكن هاهى الآن بلاد "نون"– كما سنعرف لاحقاً- تجلس بجانب ذاكرتها تشتهي رجوع البحر ليختصر مسافات التيه فى صحراء المجد الغابر، أعرف أن البحر مصيدة الأفكار الطازجة، وأعرف أن موجة وحيدة تقترب بمنتصفه قادرة علي غرز مسمار الحياة في قلب غريق أهبل، وأعرف أن الصحراء ذات الجلالة برياحها وريحها تخترع دائما – بطريقتها الخاصة - سر البقاء ضد العدم، ونعلم جميعا أنها أشياء لاتُباع ولاتُشتري وإنما لابد من أن تُعاش، نعلم أيضاعلم اليقين أننا سنواجه بالضرورة أياما تحدد مصائرنا وربما مصائركل مايحيط
بنا ، أيام حاسمة كحد سيف الساموراى الذى لا يعرف سوى يقين القتل، أيام أيها القاريء تذبح ولا تستثنى أحداً ، ولم نكن نعلم أن اليوم جاء، وهاهم الكهنة والآلهة بكلماتهم على المحك!! تُري هل ستنقذنا شفاعتهم ؟ هراء من يقول "فى البدء كانت الكلمة" فالبدء كان للروح وللرغبة، وقبل بدء البدء كانت الطبيعة تنتظرعابر السبيل المعروف بتبخره قبل الإنتباه لحضوره.
اليوم – الذي لايمكن تحديده وفقا لمقياسنا نحن - هو أحد تلك الأيام القلائل على وجه البسيطة الرحيب، يوم جنون الشمس، يوم قسوتها وعهرها غير المتوقع، يوم يمتد فى جذوره إلي ما قبل البدء وقبل الكلمة، إننا فى فصل الشتاء، ولكن هذه الشمس اللعينة أبتْ أن تكمل صيرورتها كما نعهدها