دمي ملوث بالحب





دمي ملوث بالحب
ياسر الزيات


لا يبكي، لأنه قد يبدو ضعيفا. لا يحب ولا يكره ولا يحيا، لأنه قد يبدو ضعيفا. لا يأكل ولا يشرب ولا يكتب، لأنه قد يبدو ضعيفا.

المعلق في الطابق التاسع

لا ينتحر.
***
وضع أمامه رائحتها، وضع عينيها،
وجلدها، وشفتيها، وأخذ يكلم نفسه.
أزاح أنبوبة الأوكسجين، والمهدئ، وإبرة الجلوكوز، وأخذ يكلم نفسه.

بكت الممرضة، وعاملة النظافة، والسرير، وأخذ يكلم نفسه.
يكلم نفسه كل يوم، وهو يعمل، وهو يحلق ذقنه، وهو يستمع إلى شتائم السائقين، في الطريق من البيت إلى المستشفى.
***
شاعر أحب امرأة تحب مطربا شهيرا، والمطرب الشهير أحب امرأة تحب الشاعر.
امرأة تشتري زهورا كل يوم لتلقيها تحت قدمي المطرب الشهير.
وامرأة تشتري زهورا كل يوم، وتحملها إلى مستشفى الشاعر.
والشاعر والمطرب الشهير يبكيان كل يوم.
والزهور تذبل
كل يوم.
***
في المصعد، بالضبط في المصعد، بجوار باب المصعد، وضع يده على صدره، وتألم.
في المصعد التالي، فوق رأسه تماما، وضعوا أيديهم على صدره، فتألم.
قبل المصعد تألم، وعلى السرير تألم. عندما أحبها، وعندما تذكرها، وعندما أراد أن يكرهها
تألم.
***
قالت له:"اهدأ". قالت له:" لماذا لم تأخذ المهدئ؟!". قالت له:" لا تنزع الإبرة مرة ثانية". قالت له:" لماذا تبدو ضعيفا هكذا؟!". قالت له:" لماذا تتألم؟!.
***
" ضعي يدك هنا، ضعيها على هذه اللحظة الأبدية العابرة، وتألمي قليلا".
وضعتها، وتألمت، وبكت، وتذكرت، ورقدت على القبر المجاور.
لم تأخذ المهدئ، وكانت تتألم.
***
يقول الطبيب إن دمي ملوث بالحب. وتقول العرافة إن حبي ملوث بالدم. ويقول بائع الجرائد:" تشبه صورتك بالأمس في صفحة الوفيات". ويقول حفار القبور:" لماذا يتوجع هذا الميت المجنون؟!"
وتقول الملائكة:" ألم نحذرك من تلك الجلطة العاطفية؟!". وتقول الديدان:" هذا جسد مغشوش بأنوثة غادرة". وتقول الرائحة:" أنا رائحتان". ويقول الحب:" أخرجوني من هذا الغبي، إنه يصدق كل شيء". ويقول الله:" اعزلوه بعيدا عن بقية الموتى".

أبو ظبي 5و6 مارس 2006

سأختبئ في جسدك

سأكون بينكما، عندما تقبلينه، ولن يراني. بلباسي الأبيض، بالأنابيب التي تطرد دمك من دمي، سأكون بينكما. سأختبئ في الموسيقى، في صوته، في عينيه، وهو يحبك. سأختبئ في الرصيف، في الزهور، في أدوات الماكياج، وأنت تقفزين – بفرح – إلى دموعه. سأختبئ في جسدك، وأنت تتعرين له، ليبحث عن نبضات قلبك. سأختبئ هناك لأشفق عليه من براءتك، لأودعه وهو يبحث عن نفسه داخلك، فلا يجد سوى جثتي، ورائحتي، وكلماتي، وبقاياي الممزقة في روحك، ورماد محبتي.
انتبهي، سأختبئ في المظاهرة. انتبهي، سيرى مظاهرة 20 مارس، ويخاف من رجال الأمن. سيخاف من الشوارع والفنادق والبحر والقطارات والمقاهي وبائع النايات والرحلات المدرسية والأب والأم والملابس الداخلية وبيوت الأصدقاء. سيخاف من عينيك، ومن نهديك، ومن مائك الدافق، من رعشتك، ومن بكائك عندما تغني نانسي عجرم: "ما فيا اكون إلا إلك". سيخاف من الحب، من "سيرة الحب"، من دمي الملوث بالحب على ثيابك وجلدك. سيخاف من كلماتك المغلفة بروحي، من قتلاك، ومن أرواحهم القاتلة. انتبهي، سيخاف مني، لأنني سأكون بينكما، ولن يراني بلباسي الأبيض، وبالأنابيب التي تطرد دمك من دمي.
سيخاف من الأزمات القلبية، سيخاف حتى من الموت وهو يحبك.

أبو ظبي 7 مارس ‏2006‏‏


في رثاء عذرية عابرة

.. ولقد ذكرتك، عندما هربت من المنوم، فابتسمت. كيف تحبين رجلا لا يعرف "البوليرو"، ولا " الفصول الأربعة"، ولا "السيمفونية الخامسة"؟ كيف تسمحين له بأن يقبلك قبل أن يقرأ "الحب في زمن الكوليرا"؟ كيف تحسين لمساته، وهو لم يدخل في حياته "متحف الفن الحديث"، ولم يقبل امرأة على الكورنيش، أو يلمس نهديها في مظاهرة؟ كيف تصطادين رعشتك، وهو لم يحفظ بابلو نيرودا، ولم يمارس الجنس الهاتفي؟ كيف تحبينه – حقا – وهو لا يرى رائحتي التي تضئ جسدك، كلما تذكرتك؟ وكيف تبررين له دموعك عندما تقرئين قصائدي الجديدة؟
***
سأرثى عذريتك.
هل يناسبك لقب "العشيقة الجديدة"؟
هل تفرحك قبلة الكواليس؟
هل ترضيك الآن أغنية "لما النسيم"؟
هل تنتشين من البانجو؟
وماذا تفعلين بالفراغ الذي تركته بكارتك؟
***
لن أموت من أجلك. الممرضة، التي رسمت لك بورتريها من هذياني، تقول لي إنني لن أموت من أجلك. والطبيب، الذي شاهدك في صورة الأشعة، يؤكد لي أنني لن أموت من أجلك. وعاملة التحاليل، وحارس المستشفى، وكلب الجيران، والعاهرة الهزيلة الطيبة، وسائق التاكسي الذي يبكيه المرور في شارع حبيبته، وحبيبته، والجارة في المصعد، والمطر المفاجئ، وأسماك الميريديان، ولعبة اصطياد الدببة، والستارة الحمراء، والقلب الجرانيتي الذي لن يبكي في مطار أبدا، ولن يدخل مستشفى أبدا، ولن يتناول مهدئا أبدا، ولن يحيا أبدا، ولن يموت من أجلك أبدا.
***
.. والفقيدة كانت ثمنا لحوار صحفي!

أبو ظبي 7 مارس ‏2006‏‏



لوكيميا الحب

لن تشعر بشيء، لكن ألما حادا سيفاجئك ويختفي، سيسميه الأطباء " لوكيميا الحب". ولم يكن الألم مفاجئا، كما تتصور، إذ حذرك الموت، في قصائد سابقة، من عبور الطريق مع الحب، وقال لك المؤرخون إنك لن تحتمل زرع امرأة في خلاياك، وأرشدك العرافون إلى ميتاتك المدفونة في قلبك، والحب نفسه تعرى أمامك، واعترف لك بأنه لن يكون مخلصا إلا لذاته، لكنك اعتبرتها حالة سكر لعاطفة عاطلة.
فلماذا يبكيك الألم الآن؟!
***
.. ويقول الأطباء إن "لوكيميا الحب" قد تنتقل عبر قبلة زائفة، وإن آلامها تبدأ بوجع في الذاكرة، وبأشباح ترقص في الدم، وبسماع ضحكات تعرفها في سرير غريب، وآهة تحبها في جسد آخر. لكنهم يعتبرونها مرضا نادرا، إذ أصبح البشر أكثر وعيا بمخاطر الأحاسيس الكاذبة، وباتوا يحتاطون بشدة من فيروسات المحبة.
***
.. وللأسف – يقول الأطباء – ليس هناك أمل حقيقي في إيجاد علاج للوكيميا الحب، وقد يكفي حقن المريض بخليط من حقيقة الخيانة مع صور لحبيبته وهي تقبل حبيبها الجديد في عنقه، وتمرر أصابعها فوق شفتيه. لكن هذا مجرد مسكن، وسرعان ما يعتاده الجسد، قبل أن يدخل في هلوسة حنينية، تؤدي به إلى الموت.
***
.. ولكن موتى لوكيميا الحب لا يصدقون ما حدث – يقول ملائكة القبر – فترفض أجسادهم أن تتحلل، ويتخيلون أن حبيباتهم سيعدن إليهم بزهور بيضاء، ويقبلنهم قبلة الحياة، كما كان يحدث في الحياة. والحقيقة أن وجودهم يشكل خطرا على بقية الموتى، إذ يحرضهم على الثورة ضد الموت، ويصيبهم بعدوى الحنين. ولا توجد – هنا – إمكانيات كافية لعلاج كل هؤلاء من مرض لا يعرفه الله. لكن الله تعهد بأن ينزع جين الحب من السلالات البشرية التالية، فهو – بالطبع – لا يرضيه أن يتألم أبناؤه، هكذا، في الدنيا والآخرة. والأمر كله مسألة وقت فاطمئنوا.

أبو ظبي 7 مارس 2006


جميلة.. ونائمة.. وغبية!

في السابعة صباحا، حسب توقيت النهايات، سيقف عصفور على نافذتك، ولكنك تخافين أنفلونزا الطيور. لذلك لن تدركي الجمال في موته، وستنظفين موضع قدميه. وفي السابعة صباحا، حسب توقيت النهايات، سيقول عصفور على نافذتك: "هذه امرأة غبية، جميلة ونائمة وغبية". في السابعة صباحا، في السابعة صباحا حسب توقيت النهايات، سيطير عصفور من نافذتك، هذا أنا.
ولن تطيري العصافير بعد اليوم.
***
ازرعي الخوف في الشرفة، ازرعيه في الكمبيوتر، في الموبايل، ازرعيه بين فخذيك.
ستمر الحياة أمام خوفك، وتبتسم.
***
قلت لك مرة: "القانون هو اللذة والألم"، ولكنك تخافين من الألم. قلت لك: "الكتابة هي النهاية"، ولكنك تخافين من النهايات، فتذهبين إليها، دائما. قلت لك: "وجودي داخلك أقرب من وجودي معك"، ولكنك تخافين هذه الألغاز. قلت لك: "هنا هو الآن دائما"، ولكنك تخافين الأزمنة والأمكنة. قلت لك: "استمتعي بروعة الحافة"، ولكنك مصابة برهاب السقوط.
ما الذي تفكرين فيه الآن،
في هذه اللحظة المعلقة بين خوفين؟
***
سيطير عصفور من نافذتك، في السابعة صباحا، بتوقيت النهايات: هذا أنا. فاستمتعي بالخوف من أشباح العصافير.
أبوظبي 8 مارس ‏2006‏‏

جسدك لا يرى الموسيقى

أهديك رائحة المخدر، أهديك النزيف، أهديك رسم القلب وأشرطة المهدئ. أهديك ثانيتين من الغيبوبة، أهديك صرختين، وفزعين، وحنينين، وموتين مؤجلين. أهديك أصدقاءك وعشاقك. أهديك أبويك وأخوتك. أهديك مقهانا كله، وبكاءنا كله، وشوارعنا كلها. أهديك أصابع قدميك، وآلام نهديك، وأخدود ظهرك. أهديك الخط بين شامة صدرك وشامة فرجك. أهديك الغضب من النوم، أهديك "صباح الخير". أهديك لساني، ولسان البحر، وصوتي، ومطري، وأصدقائي.

سيحتاج حبيبك كل هذه الهدايا.
***
ذات يوم سيصبح الموت ماضيا، ويصبح الحب ماضيا. وتصبح الفيزياء ماضيا، ويصبح الألم البشري ماضيا، وسنصبح ماضيين. سيخترع المستقبل أزمنة لا تتقاطع للبشر الذين تقاطعت أجسادهم في أسرة الفنادق، ذات يوم.
ذات يوم ستبقى النفايات وحدها، والأكاذيب وحدها، وابتسامتك وحدها، وصوتك المستعار وحده. ستمتلكين ثروة من روائح الرجال ودمائهم وجلودهم. ستستيقظين كل يوم على لمسة جديدة مكررة، ذات يوم.
.. ولن نبكي أبدا، ستبيعين دموعك للعشاق السابقين، والقتلى السابقين، والأطفال السابقين، والشعراء السابقين، والفقراء السابقين. ولن ترقصي أبدا، لأن جسدك لن يرى الموسيقى، ولن يتبقى منه سوى رائحتي، ومهدئاتي، وغيبوبتي، ونزيفي، وهداياي التي تنتقل من حبيب إلى آخر، لكنها تفزعك كلما نظرت إلى المرآة.
***
أبو ظبي 8 مارس 2006
لا يبكي، لأنه قد يبدو ضعيفا. لا يحب ولا يكره ولا يحيا، لأنه قد يبدو ضعيفا. لا يأكل ولا يشرب ولا يكتب، لأنه قد يبدو ضعيفا. المعلق في الطابق التاسع، لا ينتحر.
***
وضع أمامه رائحتها، وضع عينيها، وجلدها، وشفتيها، وأخذ يكلم نفسه. أزاح أنبوبة الأوكسجين، والمهدئ، وإبرة الجلوكوز، وأخذ يكلم نفسه.


بكت الممرضة، وعاملة النظافة، والسرير، وأخذ يكلم نفسه.
يكلم نفسه كل يوم، وهو يعمل، وهو يحلق ذقنه، وهو يستمع إلى شتائم السائقين، في الطريق من البيت إلى المستشفى.
***
شاعر أحب امرأة تحب مطربا شهيرا، والمطرب الشهير أحب امرأة تحب الشاعر.
امرأة تشتري زهورا كل يوم لتلقيها تحت قدمي المطرب الشهير.
وامرأة تشتري زهورا كل يوم، وتحملها إلى مستشفى الشاعر.
والشاعر والمطرب الشهير يبكيان كل يوم.
والزهور تذبل
كل يوم.
***
في المصعد، بالضبط في المصعد، بجوار باب المصعد، وضع يده على صدره، وتألم.
في المصعد التالي، فوق رأسه تماما، وضعوا أيديهم على صدره، فتألم.
قبل المصعد تألم، وعلى السرير تألم. عندما أحبها، وعندما تذكرها، وعندما أراد أن يكرهها
تألم.
***
قالت له:"اهدأ". قالت له:" لماذا لم تأخذ المهدئ؟!". قالت له:" لا تنزع الإبرة مرة ثانية". قالت له:" لماذا تبدو ضعيفا هكذا؟!". قالت له:" لماذا تتألم؟!.
***
" ضعي يدك هنا، ضعيها على هذه اللحظة الأبدية العابرة، وتألمي قليلا".
وضعتها، وتألمت، وبكت، وتذكرت، ورقدت على القبر المجاور.
لم تأخذ المهدئ، وكانت تتألم.
***
يقول الطبيب إن دمي ملوث بالحب. وتقول العرافة إن حبي ملوث بالدم. ويقول بائع الجرائد:" تشبه صورتك بالأمس في صفحة الوفيات". ويقول حفار القبور:" لماذا يتوجع هذا الميت المجنون؟!"
وتقول الملائكة:" ألم نحذرك من تلك الجلطة العاطفية؟!". وتقول الديدان:" هذا جسد مغشوش بأنوثة غادرة". وتقول الرائحة:" أنا رائحتان". ويقول الحب:" أخرجوني من هذا الغبي، إنه يصدق كل شيء". ويقول الله:" اعزلوه بعيدا عن بقية الموتى".

أبو ظبي 5و6 مارس 2006

سأختبئ في جسدك

سأكون بينكما، عندما تقبلينه، ولن يراني. بلباسي الأبيض، بالأنابيب التي تطرد دمك من دمي، سأكون بينكما. سأختبئ في الموسيقى، في صوته، في عينيه، وهو يحبك. سأختبئ في الرصيف، في الزهور، في أدوات الماكياج، وأنت تقفزين – بفرح – إلى دموعه. سأختبئ في جسدك، وأنت تتعرين له، ليبحث عن نبضات قلبك. سأختبئ هناك لأشفق عليه من براءتك، لأودعه وهو يبحث عن نفسه داخلك، فلا يجد سوى جثتي، ورائحتي، وكلماتي، وبقاياي الممزقة في روحك، ورماد محبتي.
انتبهي، سأختبئ في المظاهرة. انتبهي، سيرى مظاهرة 20 مارس، ويخاف من رجال الأمن. سيخاف من الشوارع والفنادق والبحر والقطارات والمقاهي وبائع النايات والرحلات المدرسية والأب والأم والملابس الداخلية وبيوت الأصدقاء. سيخاف من عينيك، ومن نهديك، ومن مائك الدافق، من رعشتك، ومن بكائك عندما تغني نانسي عجرم: "ما فيا اكون إلا إلك". سيخاف من الحب، من "سيرة الحب"، من دمي الملوث بالحب على ثيابك وجلدك. سيخاف من كلماتك المغلفة بروحي، من قتلاك، ومن أرواحهم القاتلة. انتبهي، سيخاف مني، لأنني سأكون بينكما، ولن يراني بلباسي الأبيض، وبالأنابيب التي تطرد دمك من دمي.
سيخاف من الأزمات القلبية، سيخاف حتى من الموت وهو يحبك.

أبو ظبي 7 مارس ‏2006‏‏


في رثاء عذرية عابرة

.. ولقد ذكرتك، عندما هربت من المنوم، فابتسمت. كيف تحبين رجلا لا يعرف "البوليرو"، ولا " الفصول الأربعة"، ولا "السيمفونية الخامسة"؟ كيف تسمحين له بأن يقبلك قبل أن يقرأ "الحب في زمن الكوليرا"؟ كيف تحسين لمساته، وهو لم يدخل في حياته "متحف الفن الحديث"، ولم يقبل امرأة على الكورنيش، أو يلمس نهديها في مظاهرة؟ كيف تصطادين رعشتك، وهو لم يحفظ بابلو نيرودا، ولم يمارس الجنس الهاتفي؟ كيف تحبينه – حقا – وهو لا يرى رائحتي التي تضئ جسدك، كلما تذكرتك؟ وكيف تبررين له دموعك عندما تقرئين قصائدي الجديدة؟
***
سأرثى عذريتك.
هل يناسبك لقب "العشيقة الجديدة"؟
هل تفرحك قبلة الكواليس؟
هل ترضيك الآن أغنية "لما النسيم"؟
هل تنتشين من البانجو؟
وماذا تفعلين بالفراغ الذي تركته بكارتك؟
***
لن أموت من أجلك. الممرضة، التي رسمت لك بورتريها من هذياني، تقول لي إنني لن أموت من أجلك. والطبيب، الذي شاهدك في صورة الأشعة، يؤكد لي أنني لن أموت من أجلك. وعاملة التحاليل، وحارس المستشفى، وكلب الجيران، والعاهرة الهزيلة الطيبة، وسائق التاكسي الذي يبكيه المرور في شارع حبيبته، وحبيبته، والجارة في المصعد، والمطر المفاجئ، وأسماك الميريديان، ولعبة اصطياد الدببة، والستارة الحمراء، والقلب الجرانيتي الذي لن يبكي في مطار أبدا، ولن يدخل مستشفى أبدا، ولن يتناول مهدئا أبدا، ولن يحيا أبدا، ولن يموت من أجلك أبدا.
***
.. والفقيدة كانت ثمنا لحوار صحفي!

أبو ظبي 7 مارس ‏2006‏‏



لوكيميا الحب

لن تشعر بشيء، لكن ألما حادا سيفاجئك ويختفي، سيسميه الأطباء " لوكيميا الحب". ولم يكن الألم مفاجئا، كما تتصور، إذ حذرك الموت، في قصائد سابقة، من عبور الطريق مع الحب، وقال لك المؤرخون إنك لن تحتمل زرع امرأة في خلاياك، وأرشدك العرافون إلى ميتاتك المدفونة في قلبك، والحب نفسه تعرى أمامك، واعترف لك بأنه لن يكون مخلصا إلا لذاته، لكنك اعتبرتها حالة سكر لعاطفة عاطلة.
فلماذا يبكيك الألم الآن؟!
***
.. ويقول الأطباء إن "لوكيميا الحب" قد تنتقل عبر قبلة زائفة، وإن آلامها تبدأ بوجع في الذاكرة، وبأشباح ترقص في الدم، وبسماع ضحكات تعرفها في سرير غريب، وآهة تحبها في جسد آخر. لكنهم يعتبرونها مرضا نادرا، إذ أصبح البشر أكثر وعيا بمخاطر الأحاسيس الكاذبة، وباتوا يحتاطون بشدة من فيروسات المحبة.
***
.. وللأسف – يقول الأطباء – ليس هناك أمل حقيقي في إيجاد علاج للوكيميا الحب، وقد يكفي حقن المريض بخليط من حقيقة الخيانة مع صور لحبيبته وهي تقبل حبيبها الجديد في عنقه، وتمرر أصابعها فوق شفتيه. لكن هذا مجرد مسكن، وسرعان ما يعتاده الجسد، قبل أن يدخل في هلوسة حنينية، تؤدي به إلى الموت.
***
.. ولكن موتى لوكيميا الحب لا يصدقون ما حدث – يقول ملائكة القبر – فترفض أجسادهم أن تتحلل، ويتخيلون أن حبيباتهم سيعدن إليهم بزهور بيضاء، ويقبلنهم قبلة الحياة، كما كان يحدث في الحياة. والحقيقة أن وجودهم يشكل خطرا على بقية الموتى، إذ يحرضهم على الثورة ضد الموت، ويصيبهم بعدوى الحنين. ولا توجد – هنا – إمكانيات كافية لعلاج كل هؤلاء من مرض لا يعرفه الله. لكن الله تعهد بأن ينزع جين الحب من السلالات البشرية التالية، فهو – بالطبع – لا يرضيه أن يتألم أبناؤه، هكذا، في الدنيا والآخرة. والأمر كله مسألة وقت فاطمئنوا.

أبو ظبي 7 مارس 2006


جميلة.. ونائمة.. وغبية!

في السابعة صباحا، حسب توقيت النهايات، سيقف عصفور على نافذتك، ولكنك تخافين أنفلونزا الطيور. لذلك لن تدركي الجمال في موته، وستنظفين موضع قدميه. وفي السابعة صباحا، حسب توقيت النهايات، سيقول عصفور على نافذتك: "هذه امرأة غبية، جميلة ونائمة وغبية". في السابعة صباحا، في السابعة صباحا حسب توقيت النهايات، سيطير عصفور من نافذتك، هذا أنا.
ولن تطيري العصافير بعد اليوم.
***
ازرعي الخوف في الشرفة، ازرعيه في الكمبيوتر، في الموبايل، ازرعيه بين فخذيك.
ستمر الحياة أمام خوفك، وتبتسم.
***
قلت لك مرة: "القانون هو اللذة والألم"، ولكنك تخافين من الألم. قلت لك: "الكتابة هي النهاية"، ولكنك تخافين من النهايات، فتذهبين إليها، دائما. قلت لك: "وجودي داخلك أقرب من وجودي معك"، ولكنك تخافين هذه الألغاز. قلت لك: "هنا هو الآن دائما"، ولكنك تخافين الأزمنة والأمكنة. قلت لك: "استمتعي بروعة الحافة"، ولكنك مصابة برهاب السقوط.
ما الذي تفكرين فيه الآن،
في هذه اللحظة المعلقة بين خوفين؟
***
سيطير عصفور من نافذتك، في السابعة صباحا، بتوقيت النهايات: هذا أنا. فاستمتعي بالخوف من أشباح العصافير.
أبوظبي 8 مارس ‏2006‏‏

اسمي ياسر، ياسر الزيات

أهديك رائحة المخدر، أهديك النزيف، أهديك رسم القلب وأشرطة المهدئ. أهديك ثانيتين من الغيبوبة، أهديك صرختين، وفزعين، وحنينين، وموتين مؤجلين. أهديك أصدقاءك وعشاقك. أهديك أبويك وأخوتك. أهديك مقهانا كله، وبكاءنا كله، وشوارعنا كلها. أهديك أصابع قدميك، وآلام نهديك، وأخدود ظهرك. أهديك الخط بين شامة صدرك وشامة فرجك. أهديك الغضب من النوم، أهديك "صباح الخير". أهديك لساني، ولسان البحر، وصوتي، ومطري، وأصدقائي.

سيحتاج حبيبك كل هذه الهدايا.
***
ذات يوم سيصبح الموت ماضيا، ويصبح الحب ماضيا. وتصبح الفيزياء ماضيا، ويصبح الألم البشري ماضيا، وسنصبح ماضيين. سيخترع المستقبل أزمنة لا تتقاطع للبشر الذين تقاطعت أجسادهم في أسرة الفنادق، ذات يوم.
ذات يوم ستبقى النفايات وحدها، والأكاذيب وحدها، وابتسامتك وحدها، وصوتك المستعار وحده. ستمتلكين ثروة من روائح الرجال ودمائهم وجلودهم. ستستيقظين كل يوم على لمسة جديدة مكررة، ذات يوم.
.. ولن نبكي أبدا، ستبيعين دموعك للعشاق السابقين، والقتلى السابقين، والأطفال السابقين، والشعراء السابقين، والفقراء السابقين. ولن ترقصي أبدا، لأن جسدك لن يرى الموسيقى، ولن يتبقى منه سوى رائحتي، ومهدئاتي، وغيبوبتي، ونزيفي، وهداياي التي تنتقل من حبيب إلى آخر، لكنها تفزعك كلما نظرت إلى المرآة.

اسمي ياسر، ياسر الزيات ، وكنت أحبك ذات يوم.
***
أبو ظبي 8 مارس 2006