ياسر الزيات يحتفي... بالفناء





محمد خير
أدب وفنون العدد ٦١٩ الجمعة ٥ أيلول ٢٠٠٨

أحسد الموتي لياسر الزيات تأخّر طويلاً ياسر الزيات، الصوت الشعري الذي برز منذ أواخر الثمانينيات حتى أصدر ديوانه الأول «أحسد الموتى». الديوان الذي صدر أخيراً عن «الدار» (القاهرة) لا يستخدم العنوان خديعةً، لا يستخدم الموت للاحتفاء بالحياة: هو يمدح الموت فعلاً حقيقةً ومهرباً وبقعةً ثابتةً تصلح شرفةً للتأمل من دون منغصات. هو يحسد الموتى «لأن شيئاً لن يتغير في حياتهم/ ولأنهم يمتلكون دماء سهلة/ وأسماء لا ترغب في الحياة». ديوان صغير الحجم مقسّم إلى أربعة أجزاء، يضم كل منها بضعة نصوص، لكل نصّ اسمه الخاص، لكنّها ـــــ في النهاية ـــــ تقسيمات ظاهرية. إذ إنّ الديوان في مجمله أغنية هادئة تحتفي بالفناء وبالكائنات التي ستحيا وحدتها بعد أن تنسحب ضجة الموت «خشبة واحدة ستبقى/ ليتشبث بها تليفون معطل... ليس هناك من ينتظر/ على الرصيف هناك/ أوراق متطايرة/ وبقعة دم». في الجزء المعنون «حذاء معلق ـــــ مقلوباً ـــــ على باب القبر»، أربعة نصوص لا تشبه البقية، لغة هي الأشد نثرية في الشكل وفي الأسئلة «عندما كنت حبة رمل على الشاطئ نسيتني طفلة في جيبها، أليست الحياة كذلك؟!». في «أشياء خاصة»، سخرية تحاول ألا تبدو كذلك «كدت أنسى نظارتي في الحياة/ ياللمصيبة، كيف كان بإمكاني الآن أن أرقب هذا الذوبان؟ وحرصت ـــــ أيضًا ـــــ على الإتيان بقليل من النار، فمن يضمن تقلبات الطقس تحت التراب؟! وأصدقائي الجدد هؤلاء: كم هم صامتون وأقوياء». الموت هنا يبدو حلاً لمشكلات لا حلّ لها، يبدو عزاءً لا بأس به للحب الخاسر «في كل مرة تضيعين/ أزور مقبرتي/ لعلني أراك هناك/ تبكين على زهوري». كذلك فإن التقاء حبيبين قد يعني العدم «من الأفضل أن أقول/ إنني تذكرت حبيبتي/ فدهستني سيارة عابرة/ ولكن الحقيقة/ أن عينيها زارتاني فجأة/ فتلاشيت». اللافت في القصائد أنّ مسارات الكائنات مهما بدت مأساوية فإنها بلا ضغينة، وكل شيء هو الآخر من زاوية ما أو في سبيله للتحول إلى هذا الآخر «في الصباح أصبحت الدموع زهوراً/ يدوسها الأطفال/ كلما ذهبوا إلى النهر». تنتمي قصائد الديوان إلى نهاية التسعينيات، لكنها تبدو طازجة لأنّ معانيها تحلّق خارج الزمن. شعرية الديوان أكبر من مجموع قصائده. هي حالة تهدهد الحزن من دون أسىً، أو تمسك حقيقي بهذا العالم «أكتب/ لكي أتحرر من وجودنا في هذه الفضيحة».