تحويل «مبارك» إلي مُسخَه





مينا ناجي
البداية 17 فبراير 2013

رواية عام التنين
يصاب بطل رواية (عام التنين) "نعيم أبو سبعة" بمرض نادر يسمّي "حبسة فيرنكه"، المرض سميّ باسم العالم الذي كتب عنه في 1874 "كارل فيرنكه" ويصيب صاحبه بصعوبة في الكلام واختيار الألفاظ الصحيحة وصعوبة في القراءة والسماع نتيجة لتلف جزء خلفي من المخ سمّي أيضا على اسم العالم الألماني. يعاود ربيع في روايته الثانية من خلال هذا المرض طرق التيمات التي خاضها في روايته الأولي (كوكب عنبر، 2010) الصادرة أيضاً عن مكتبة (الكتب خان)، تيمات مثل؛ الأماكن شبه الأثرية الخفية المهملة في شوارع القاهرة التي تحتوي أسراراً جديرة بالكشف. عالم الكُتُب –عن طريق تجليدها وتغليفها هذه المرة- والمكتبات والأرشيفات السريّة، الآلات الغريبة، اللغة المخترعة، التاريخ الشخصي والعام البديل، وحشيّة البيروقراطيّة ودهاليزها، الشخصية ومرآتها، لكن يتطرق إلي هذه التيمات بشكل موسع وأكثر تفصيلاً وخيالاً. "حبسة فيرنكه" هي تعبير آخر طبّي عن قصور اللغة -الموضوع الذي طرقه ربيع في روايته الأولي في سردها لسعي وراء حلم تحويل اللغة إلي أخرى
بصورة مثاليّة- لكن النقص اللغوي هنا في الرواية نقص وجودي أصيل، ليس عرَضياً أو مرضا نادرا، كما يبدو من أول وهلة، لا يصيب إلا المنحوسين، بل هو جزء من الوجود الإنساني ذاته، يلتقط ربيع الفرد حين يظهر علي السطح هذا القصور العضوي الجوهري؛ أي محدوديّته ومحدوديّة تواصله مع الآخر، وكيف يصنع هذا العجز المآسي، فلولا عجز نعيم عن الكلام بشكل صحيح لما ضُرب من زملائه العمّال في الموقع الذي يعمل به، ولما ترك عمله ورجع إلي مهنة التغليف الغابرة التي لا تجلب له قوته، ولا ضُرب من تلاميذ المدرسة في الشارع بقسوة ونعت بالجنون، ولا طُرد من بيته بعد أن ضُرب علي يد زوجته بعد أن فقد احترامها له طيلة أعوام. تصارع شخصية أخرى النقص الوجودي: يموت ابن "وهيب وهيب" صاحب المحل. الموت نقص لغوي لا مرد له، يحاول بشتى الطرق التعامل مع هذا النقص وسدّه، يأخذه معه في أماكن متفرقة ويخفيه عن الأعين حتي لا يدفن، لكنه يفشل وتتعفن الجثة وتنتفخ ويُقبض عليه. يصنع له تاريخاً من شهادات ميلاد وسنوات دراسة وصور عن الحب الأول والأصدقاء والأنشطة والرحلات. يظهر أيضاً العجز اللغوي في تشابه الأسماء الذي يضع "نعيم أبو سبعة" آخر، وهو كاتب تقارير، في مآزق المُطاردة من قوات الأمن والجهات التي يرسل لها التقارير والنصائح.
يحاول ربيع الإمساك بالإنسان في مقاومته وتصويره لمكافحته ورفسه ومقاومته، ويصور كيف يتفاعل هذا النقص خلال الظروف الموضوعيّة القاسية والجائرة في الحياة، أي بقية الحلقة في الوجود الإنساني : البُعد السياسي-الاقتصادي ـ ومايترتب عليه من أبعاد اجتماعيّة وثقافيّة وحياتيّة. يحكي قصة كيف يتحطم الإنسان ويموت وهو عائش في المدينة الكبرى الحديثة. كيف تتصارع اللغة المنقوصة العبثية مع مسخ مهول أصم هو اللغة البيروقراطيّة، يؤدي هذا أن تُكتب شهادة وفاة لـ"نعيم" وهو مازال علي قيد الحياة. ميتٌ في هذه اللغة. وميتٌ في تلك.

يستخدم ربيع بنية السرد الموازي بين شخصيتين لا رابط بينهما تتداخلان وتتراكبان في النهاية مع خيوط تاريخيّة حقيقيّة ومتخيّلة لتصنع النهايّة الفانتازيّة الكبري. ومن خلالهما يلعب ربيع لعبة أدبية أخرى، حيث يضع صورته الشخصية، علي النعي المزيف للبطل الروائي. المفارقة هنا أن صورة المؤلف "محمد ربيع" وضعت بالفعل، في الواقع، علي نعي لا يخصه. وضعت علي نعي مؤلف شاب توفي في حادث اختناق اسمه محمد ربيع أيضاً. وهي تيمة استخدمها ربيع حيث الشخصيتان الرئيستان في الرواية لهما نفس الاسم الرباعي.
يستخدم ربيع في الرواية اللغة الرزينة معظم الوقت، ولكنه يفلت للعب وينتقل للعامية بحرفية، خصوصاً في تلك المشاهد السوريالية العبثية المجنونة، التي تُشبه قسوتها أحياناً القسوة في فن "المانجا" وأفلام "الأنيمي" اليابانيين، مثل مشهد الجنازة في الفصل الأول ومشهد زيادة حدة سماع "عطيات" زوجة نعيم، ومشهد تقيّؤه للذكريات والأحداث ومشهد تتويج مبارك في نهاية الرواية.

لا يخاف ربيع أن يُدخل السياسة في الروايّة، ويتعامل مع الأوضاع السياسيّة قبل الثورة ويستعرض التاريخ السياسي المصري بمهارة مستوحياً بعض فرضيات نعوم تشومسكي ورؤى شريف يونس وخالد فهمي وأحمد عكاشة وغيرهم. بذكاء كبير لعب ربيع لعبة بارعة بتحويل المخلوع مبارك إلي مُسخة دون حتى أن يظهره سوى في مشهد وحيد في نهاية الرواية حين ينتزع التاج من البابا وشيخ الأزهر على الدرج وسط ميدان التحرير في مشهد سوريالي مهيب. باستخدام الخطاب الرسمي والفكري للدولة المباركيّة، يكشف العورات والتناقضات والتفسخات بصورة كاريكاتوريّة ساخرة، ويؤصلها في انقلاب يونيو 52، بل ويرجعها إلي بداية السُلطة الفرعونية الواحديّة في مصر، ويصل في النهاية بدلاً من ثورة يناير ضد مبارك، إلي تتويج عبثي له، كإهانة أدبية بارعة مستمدة من فقهاء دولته، في عام التنين.