مقتطف من رواية كوكب عنبر لمحمد ربيع







كوكب عنبر رواية شاهر

أحاول أن أنام، لكن الأرق يغلبني وأجلس في السرير دافنًا وجهي في راحتي، قديمًا كان أبي ينصحني بدندنة أغنية من مقطع واحد: "يا نوم، تعالى" أغنيها حتّى يأتي النوم، في ذلك الوقت كان النوم "يأتي" بسرعة، الآن لا أستطيع مخاطبة شيء غير موجود، أقوم من مكاني وأتحرّك في الشقة مفكّرًا في بيتنا القديم، خالي وأولاده، ذكرياتي الباهتة عن أبوي، صورة أمي وهي حبلى بي، والقطة الحبلى على الرصيف أسفل العمارة، تتسلّل خلفي وتصعد على الدرجات إلى الأعلى، يفتح أحد الجيران باب شقته لتدلف هي بسرعة عبر الفتحة الضيقة، يضع قدمه أمامها ويغلق باب الشقة فتنحشر بين الباب والحلق، تصرخ كصراخ طفل صغير. شهقة وصمت طويل ووجه مغضن ودموع في العين، ثم صراخ مرعوب، أجفل من صراخ الأطفال، أكره ضوضاءهم.
الأطفال في الحضانة المجاورة يتعلّمُون المَشي، يمشون بخطوات صغيرة رافعين أيديهم إلى أعلى كأنّهم يرفعون أثقالًا، يجرون نحو المربّية التي تمدُّ يديها لهم وتصفّقُ حينما يقتربون منها، وتتركهم قليلًا لتدخّن سيجارة في طرف الجنينة، وبعد قليل تخرج إلى الرصيف وتحرص على غلق الباب لتدخّن بلا إزعاج،وتتمشّى على الرصيف جيئة وذهابًا، الرصيف خالٍ من المارّة وهي تمتصُّ الدخان باستمتاع، كأنّها ولدٌ يختلس سيجارة خلف مسرح المدرسة. يرفع الولد السيف على خشبة المسرح، يبارزه الولد الآخر الذي يلعب دور صلاح الدين، طاخ طيخ طوخ، يندمج الولدان في القتال، سينكسر السيف البلاستيكي من شدّة الضربات، تعود الفتاة إلى الجنينة، ثم تذهب إلى الكولدير، تضع يدها تحت الحنفية وتشرب. أضحك، هذه ليست تصرفاتُ شابّة تعمل في حضانة، ليست تصرفات فتاة على الإطلاق، ولد شقي يلعب الكرة، ثم يرعف ليضع أنفه تحت حنفية الكولدير عملًا بوصية زميل، يحاول إيقاف الرعاف ، لكنّ الدم مازال ينزف ويختلط بالماء ليتسرّب سائلًا أحمرَ خفيفًا على ساعده، يتأمّل الماء وهو يودع ساعده ويتساقط من مرفقه على الأرض. ولما اصطدم السيف البلاستيكي بوجه صلاح الدين رمى سيفه وأخذ يبكي، وضع يده على أنفه، لكن لم ينزف ولم يصبه شيء، المفاجأة فقط أرعبته. ثار لغطٌ كثيرٌ حول المسرحية والأبطال والأحداث، بعد شكوى من وليّ الأمر، أو لعلّه أمرٌ من وليِّ أمر أكبر، وتمّ استبدالُ جورج – ريتشارد، بأحمد – صلاح الدين، وكان هذا أكثر مناسبة للوَحدة الوطنية، فأحمد يلبس ملابس حمراء وبيضاء ذاتَ صليب هائل على صدره، وجورج يلبس قرطاسًا فضيًّا على رأسه، والسخام يلوث وجنتيه، كأنّه لحية نبتت للعربي. وعلى الرغم من أنّ صلاح الدين لم يبارز ريتشارد قطّ، فإنّ المخرج أخبرنا أنّ هذا مفيد للمسرحية. أبدأ في الغناء، يا نوم تعالى ولكنّه لا يأتي مطلقًا.
أفتح كتاب الصيرفيني، تأليف لويج الصيرفيني، رسومات بالألوان الخشبية لأشياء شديدة الغرابة، أتصفح الكتاب على عجلٍ. أصابع بشرية تتحوّل أطرافها إلى رؤوس أقلام، مبانٍ بأشكالٍ غريبة غير معتادة، كروت لعب لم أرَ مثلها قطّ، بلا شايب أو ولد أو جوكر. نباتات غريبة، ساق تحمِل نصف ثمرة برتقال مفتوحة في منتصفها حبّةُ عنبٍ بنفسجية، نبات بجذور صغيرة وحبّات من الحلوى ملفوفة في أوراق ملوّنة مكان براعم الأزهار، ثم تتقشّر الأوراق الملوّنة لتتفتّح الزهرة. أقلام رصاص تخرج من بين بتلات زهرة أخرى، بينما بتلات زهرة ثالثة على شكل رقاب ورؤوس إوز أبيض. كائنات مجهريّة دقيقة، بعضها يعيش في ماء الشرب، ليدخل داخل جسم الإنسان ويبدأ في التكاثر داخله، أقرأ النصّ المكتوب أسفل تلك الرسومات، مكتوباً بخطِّ اليد، يشرح باستفاضة مواصفات تلك الكائنات.
أقلّب الصفحاتِ، لا أستطيع التنبؤ بما سيأتي، لا أتوقّعُ ما الرسمة القادمة، الرجل يرسم رأس غزال بجذور في باطن التربة بينما أوراق نبات خضراء تخرج من قرنيه، ومقابل الرسم نصٌّ قصيرٌ يعدّد خواصَّ "الجرماش" نصف نبات ونصف حيوان، وصفحة ضخمة بها رسم لفرس نصفه السفلي كأنّه جزء من طاووس، لا أعلم ما هذا، لا أفهم ما هذا، قائمتان أماميّتان وفي الخلف عجلتان صغيرتان وهناك ملحوظة بأنه يمكن دائمًا استبدال العجلتين الخلفيّتين بثلاث عجلاتٍ مُجنّزرة، للطرقات الوعرة وفي الحروب.

لم أسمع من قبلُ عن لويج الصيرفيني، الصيرفيني اسم عربي أمّا لويج فتركيبة أحرفٍ غير معتادة في العربية، ربّما يصحُّ أن يكون لويح، أظنّ أنّي سمعت اسم لويحا من قبلُ، أمّا السيد لويج فهو اسمٌ مستعارٌّ. أطرقع أصابعي فرحًا فهي فرصة مناسبة للبحث، أتابع التصفّح بينما أفتح الكمبيوتر. أجوجل: كتاب الصيرفيني. ويب، هل تقصد: كتاب الصيرفي؟ وأكتشف أن تقيّ الدّين الصيرفيني كان مؤرِّخًا عاش في القرن السادس الهجري. نتائج بعيدة تمامًا عن الكتاب واقتراحات غبيّة، الصيرفي مختلفة تمامًا عن الصيرفيني، أجوجل: الصيرفيني. ويب، هل تقصد: الصيرفي؟، ونتائج مشابهة للنتائج السابقة. أجوجل: لويج الصيرفيني. ويب، هل تقصد: لويج الصيرفي؟، ولا نتائج على الإطلاق!! حارة سدّ. أيأَس وأعود لتصفُّح الكتاب، لا أجدُ اسمًا لدار النشر، ولا اسمًا للمطبعة، أبحث عن اسم الناشر على الصفحات الأُولى وفي مقدّمة الكتاب، لا شيء، أتذكّر بأنّ بعض الكتّاب العرب أكثر شهرة في الغرب، أسماؤهم بالإنجليزية قد تكون معروفة أكثر من العربيّة. أحاول البحث عن اسمه بالإنجليزية : serafeny. ويب، هل تقصد: serafini . وثلاث نتائج فقط تبدو بعيدة تمامًا عمّا أبحث، أضغط على الاسم المقترح. ويب، وفي النتيجة الثالثة أجد: Luigi Serafini - Wikipedia, the free encyclopedia، أضغط على الرابط وأقرأ صفحة السيد لويج، الذي دلّلوه وجعلوه لويجي، على ويكيبيديا أكتشف أنّه:
“Luigi Serafini (born in Rome, 4 August 1949) is an Italian artist, architect and designer. He is best known for creating the Codex Seraphinianus, an illustrated encyclopedia of imaginary things in a constructed language. This work was published in 1981 by Franco Maria Ricci, out of Milan, and of interest and inspiration to others.”
تستقرّ عيناي على السطرين، أحاولُ استيعاب ما أقرأ، هل أعود إلى النتائج السابقة؟، أضغط على الرابط الخاصّ بأشهر أعماله، على اليمين صورة لغلاف الكتاب، امرأة ورجل في حالة حبّ، يتحوّلان بالتدريج إلى تمساح.
أقرأ :
“The Codex Seraphinianus is a book written and illustrated by the Italian artist, architect and industrial designer Luigi Serafini during thirty months, from 1976 to 1978. The book is approximately 360 pages long (depending on edition), and appears to be a visual encyclopedia of an unknown world, written in one of its languages, a thus-far undeciphered alphabetic writing.”

أتسمرّ تمامًا هذه المرّة، أضغط على الصورة لتصبح بالحجم الكامل أمامي،الغلاف نفسه. أمسك الكتاب في يدي وأتحقّق،الغلاف نفسه، المؤلف نفسه،الكتاب نفسه. ما بين يدي ترجمة عربية ل Codex Seraphinianus، أضع الكتاب، أتأمّل طويلًا صورة الغلاف أمامي على الشاشة. كنت أظن أنّ الكتاب كُتب بالعربية، كتبه مؤلف عربيّ، بينما مؤلّف الكتاب إيطاليّ، الكتاب مكتوب بلغة وهميّة، اخترعها لويجي الصيرفيني الإيطاليّ الجنسيّة خلال سنتينِ. أعود إلى جوجل لأبحث عن اسم الكتاب بالإنجليزية هذه المرّة، مئات النتائج تنفتح امامي، كلمات كثيرة بالإنجليزية والإيطاليّة، وأنا أبحث عن كلام بالعربية، عن ترجمة الكتاب للعربيّة، يلفت نظري السطر الأوّل في الصفحة، وأضغط على كلمة صور، فتظهر نتائج جديدة لبحث جديد. صور، ومجموعة ضخمة من أوراق الكتاب أمامي الآن، أضغط على إحداها، لتنفتح صفحة جديدة، ثم أضغط على الصورة المصغرّة مرّة أخرى لأراها بالحجم الطبيعي.
ورقة أصلية تحوي ثلاثة رسومٍ لثلاثة أنواع من الطيور، الطيور كلها غير معتادة، خليط من طائرين أو ثلاثة، أو طائر واحد معتاد ولكنّه مُشوّه، طائرين ممسوخين، أو متحوّلين، كلّ هذا لم يكن غريبًا، شاهدته منذُ عدّة دقائق في الكتاب الورقي. الغريب هو اللغة التي كتب بها النصّ في الجهة المقابلة من الرسم، تبدو وكأنّها مجردُ شخابيط، أشكال متشابكة، وكأنّها أبجدية لاتينية مشبكة، أحرف تتكوّن من منحنيات كثيرة، وعليها الكثير من النقاط والنقاط الثنائية والثلاثية، وعَلامات كعَلامات التشكيل العربية، السكون والشدّة، وهاء معقودة تتكرّر بكثرة، أراها في أواخر الكلمات، كأنّها تاء مربوطة، أراها في منتصف الكلمة وقد تضاعفت عقدتها، عُقدة داخل عقدة.

أعود مرّة أخرى إلى نتائج البحث، أقرأ بسرعة السطور وأتأكّد من أنّ اللّغة مخترعة، ربّما هي غير حقيقيّة، الأكيد أنّ لا أحد يفهمها إلا كاتبها، الأحرف والكلمات لا علاقة لها بأي من اللغات المعروفة، أقرأ بعض الأبحاث و المقالات، تصف الكتاب و كاتبه، بعض الآراء تقول إنّ المؤلّف رسم الحروف رسمًا، وأنّه لا يعني بها شيئًا، فقط منحنيات ونقاط لا تشكل حروفًا أو كلمات كما قد يظنّ القارئ، أو المشاهد في هذه الحالة. شيء واحد استطاع أحدهم تفسيره في النهاية، فنظام ترقيم الصفحات إحدى وعشريني، يتكوّن من واحد وعشرين رقمًا، وليس من عشرة كما اعتدنا. بدا أنّ هذا أحد الكتب التي تحدّث عنها بورخس، لغة مجهولة غامضة ورسومات من عالم آخر، ربّما كوكب آخر، ونظام ترقيم مختلف، كل هذا لا غبار عليه، مثير ومقبول في حدود قصة لبورخس، أمّا وهو موجود أمامي الآن فهذا هو الجديد! يبقى اللُّغز الحقيقيّ في ترجمة هذا الكتاب إلى العربيّة.

ترجمة الكتاب فكرة عبثيّة تمامًا، لغته الأصلية لا يفهمها إلا إنسان واحد، كيف سيتمكّن شخص آخر من ترجمتها إلى لغة أخرى؟ إلا إذا ترجمها المؤلّف نفسه، حينها يبدو الأمر منطقيًّا لوهلة. لكن، أليس من الطبيعي أن يُترجم المؤلّف الكتاب إلى الإنجليزية أو الفرنسيّة؟ أو حتّى الإيطالية لغته الأم؟ نحن العرب لا نهتمُّ لمثل هذا الخيال الجامح، بعكس الغربيين الذين يُثيرهم العالم الخياليّ الذي بناه لويج الصيرفيني، العرب يقرءون الشعر وألف ليلة، أمّا موسوعة عن عالم خياليّ فلا فائدة لنا فيها. أتساءل، ما فائدة كتابة كتاب كهذا بلغة مخترعة، إذا قام المؤلّف نفسه بعد فترة بترجمته إلى لغات أخرى؟

أسمع أذان الفجر يأتي من جامع قريب، هل أصلّي كي يفتح الله علي وأفسّر ما يحدث هنا؟ حالما أفكّر في الصلاة، أتذكّر البحث عن اسم المترجم، بالتأكيد هناك مترجمٌ لهذا الكتاب، لن يترجم الكتاب نفسه تلقائيًّا! أفتح الصفحات الأُوَل من النسخة الورقيّة لأبحث عن اسمه، لا أجد شيئًا، لا أجد ذكرًا للمترجم. أبحث مرّة أخرى عن دار النشر والمطبعة ولا أجد أيّ ذكر لهما، أين المغامرون الخمسة من هذا اللّغز؟ لا أشعر بالنُّعاس حتّى الآن، لكنّي سأبدأ في الانهيار قريبًا، خلال ساعتين، بعد أن تطلُع الشمس سينهار جسدي شيئًا فشيئًا طالبًا الراحة والنوم، بينما ستصرّ عيناي وجلدي على أنّ الوقت نهار ولا يصحُّ النوم فيه، فتبقى عيناي مفتوحتين تطلبان المزيد من النور. سألجأ إلى القهوة لأخدع عقلي، فلا سبيل لخداع عينيّ، ولا بُدّ لي من النزول إلى العمل، المكتبة التي أصبحت مقرّ عملي في الأيّام الأخيرة، سأقوم الآنَ لتحضير قهوة تركيّة قويّة، بل سأحضر قهوة أمريكيّة ممزوجة باللّبن، أيّهما أكثر تأثيرًا؟ ولكن لم لا توجد قهوة عربيّة أو مصريّة؟ في مصر لا نزرع البُنّ، يزرعونه في اليمن، تذكّرت أنّ هناك فعلًا قهوة عربيّة، يشربونها في الخليج. قهوة فاتحة اللون مُرّة الطعم، يشربونها بلا سكر ويكسرون حدّتها بالتّمر الحُلو. أحدهم أخبرني أنّ القهوة كانت رديف الحضارة والتقدّم دائمًا، وأنّ الشعوب التي تشرب القهوة تكون دائمًا على رأس سلم الحضارة، كنّا كذلك منذُ عدّة قرونٍ عندما كانت عادة شُرب القهوة منتشرةً بين العرب، ثم انتقلت العادة إلى الغرب وتخلّينا نحن عنها فانتقلت الحضارة إليهم. الكافيين في القهوة يُوقظ الذّهن ويجعل التفكير منطقيًّا. أجبته إنّنا نشرب القهوة ليل نهارً، بل إنّ بعض المصريين يشرب القهوة الأمريكية الآن، قال لي إن البن الذي يتمّ تصديره لنا مغشوش، خالٍ من الكافيين، والعمليّة برمّتها جزء من المؤامرة الغربيّة الإمبرياليّة على العرب.
يتشتّت ذهني تمامًا، هواء الصباح اللطيف الآتي من النافذة يضرب وجهي ويذكرني بالنوم الغائب. استسلمت للأرق وفتحت الكتاب لتقفز العفاريت منه فتقلقني، أخطأت الطريق للمرّة المائة، تسرعت وقفزت فوق صفحات الكتاب، فتحت الصفحات الداخليّة وبدأت في القراءة ومحاولة فهم الصور، وهو ما لا معنى له مطلقًا. يجب أن أبدأ القراءة من الصفحة الاولى، أقرأ مقدّمة المؤلّف والمترجم والناشر، كيف يفتح أحدهم صفحة في منتصف الكتاب ويبدأ القراءة؟ ما الذي سيفهمه القارئ إذا فتح كتابًا في منتصفه وقرأ النصّ التالي: يتشتّت ذهني تمامًا، هواء الصباح اللطيف الآتي من النافذة يضرب وجهي ويذكّرني بالنوم الغائب. استسلمتُ للأرق وفتحت الكتاب لتقفز العفاريت منه فتقلقني، أخطأت الطريق هذه المرة، تسرّعت وقفزت فوق صفحات الكتاب، فتحت الصفحات الداخلية وبدأت في القراءة ومحاولة فهم الصور، وهو ما لا معنى له مطلقًا، يجب أن أبدأ بالقراءة من الصفحة الأولى، أقرأ مقدّمة المؤلّف والمترجم والناشر، كيف يفتح أحدهم صفحة في منتصف الكتاب ويبدأ القراءة؟ ما الذي سيفهمه القارئ إذا فتح كتابًا في منتصفه وقرأ النص التالي:

أشرب قهوة الصباح غير المعتادة، فوراً يرتفع جفناي وأتذكّر النوم، علي أن أنزل بعد ثلاث ساعات إلى العمل، أقصد إلى المكتبة، أقصد إلى التقرير. التقرير لن يكتب مطلقًا، لم أكتب كلمة حتى الآن، أجمع الأوراق وأقف أمام كتاب الصيرفيني مدّة، هل أعيده للمكتبة أم أحتفظ به في بيتي؟ ثابتًا تمامًا أحدّق في الغلاف، رجل وامرأه يتحوّلان إلى تمساح، كيف يتكاثر الناس في ذلك العالم؟ كلّما التقى رجل وامرأة بقصد التكاثر تحوّلا تدريجيًّا إلى تمساح. يتلوّى التمساح قليلًا ثم ينزل من فوق السرير تاركًا إيّاه خاليًا. الصورة الأخيرة تظهر السرير خاليًا، لا فائدة من الصورة الأخيرة، لا تظهر شيئًا، كأنها مشهد أخير صامت من فيلم سينيمائيّ، ما يسبق الإظلام التدريجيّ للشاشة. أنظر في الساعة لأدرك أنّ الوقت قد حان، مرّ وقت طويل وأنا محدّق بالغلاف.
أجمع أشيائي وأنزل لتضربني الشمس بنورها وحرارتها. عيناي لا تتحمّلان الضوء المباغت، أغمضهما وأقف في مدخل العمارة قليلًا، منتظرًا أن يضيق بؤبؤ العين، يجب أن يصل مقدار معين من الضوء إلى الشبكيّة، مقدار معيّن لا أكثر ولا أقل. أفتح عيني ببطء، لم تتعودا بعدُ على النور، لكنّي متأخرٌ بما فيه الكفاية فأخرج إلى الرصيف لتصدمني ضوضاء الشارع. أصوات السيارات عالية جدًّا، بينما أصوات الناس خافتة، والأسفلت تحت قدمي طازج وغامق السواد، تمّ رصفُ الشارع منذُ دقائق وقدمي تغوص في الأسفلت الطري الساخن، أرى الأسفلت في الأفق البعيد بنفسجيًّا، خداع نظر؟، سببه انكسار الضوء؟ تغوص قدمي مرّة أخرى في الأسفلت أكثر من السابق، بينما الحرارة المنبعثة من الأرض تتسلّل عبر فتحة البنطلون فتتعرق ساقي. ينادي أحدهم ليحذرني، لكن صوته خافت جدًّا ونبرته لا تحمل إحساسًا بالخطر.. "مزيج من السخونة والرطوبة واليبوسة"، حي بن يقظان يتشكّل أمامي في الأسفلت، جنين صغير أحمر بطول الإصبع، سيكبر لاحقًا ثم... هوب، لن يولد بل يقف فورًا ليمشيَ على قدميه بيننا.