فاروق جويدة ينشر يوميات محمد عبدالوهاب


سليمان بختي
المستقبل - الاحد 25 أيار 2008

هذا الكتاب هو وثيقة نادرة حقاً ومفاجأة من نوع آخر يتركها الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب لتظهر بعد رحيله شاهداً جديداً على عبقريته. ففي رحلته التي امتدت على مدى القرن العشرين ها نحن نقرأ اليوم آراءه بقضايا ومسائل فنية وسياسية وإنسانية بصراحة ووضوح، من خلال ما أسماه "رحلتي" الأوراق الخاصة جداً، من إعداد فاروق جويدة، والصادر عن دار الشروق، في 160 صفحة 2007. ولكن ما هي قصة هذا الكتاب؟ ولماذا ظهر الآن؟
يروي فاروق جويدة أنه، بعد رحيل عبدالوهاب بفترة قليلة، فاجأت زوجته السيدة نهلا الشاعر جويدة بقولها له إن عبدالوهاب طلب منها قبل رحيله أن تعطيه أوراقه الخاصة التي اعتاد أن يدوّن عليها خواطره. واكتشف جويدة وهو يقلب صفحات هذه الأوراق عبدالوهاب آخر يفصح عن مسائل عديدة وآراء فنية كثيرة بجرأة وصراحة قاطعة بعيداً عن الحذر والمجاملة. وفيها تعرية لجوانب كثيرة من حياتنا كما فيها شهادات إنصاف لم يدلِ بها عبدالوهاب في حياته، وفيها إطلالة مختلفة على عصر في نهوضه وتحولاته ونكوصه، لواحد من عباقرة الفن في العصر الحديث، ورمز من رموز تاريخ الفن في مصر والثقافة العربية.
ينتمي محمد عبدالوهاب لجيل أعطى الثقافة المصرية الطابع الذي نعرفه وشكّل وجدان هذه الأمة وقدم للثقافة العربية أجمل فنونها، في الغناء والسينما والمسرح. ولذلك فالحديث عن عبدالوهاب هو حديث عن جيل أعطى صادقاً، وكان فنانون رموزاً لسياق مشروع حضاري كبير.
يذكر فاروق جويدة في مقدمة الكتاب أن أوراق عبدالوهاب كانت في نحو 600 صفحة بعضها في كراسات قديمة وقصاصات وأوراق فنادق وتلفونات ونوتات موسيقية، وأنه قضى برفقة هذه الأوراق سحابة السنة واكتشف فيها عشق عبدالوهاب ليس للموسيقى فحسب بل للشعر والكلمة الجميلة والثقافة. وكذلك قدرته العجيبة على امتصاص التجارب والخبرات والأفكار من الآخرين و"توهيبها" ببصمته الخاصة، واهتمامه الحاد بمعرفة ماذا يدور في عقول الآخرين، وحرصه على التواصل المستمر مع العالم ومعرفة كل شيء في الموسيقى والغناء والأدب والسياسة ومستجداتها. وبرأي جويدة أن ذلك لم يكن غريباً عن عبدالوهاب فقد وجد نفسه وهو لم يزل شاباً صغيراً يجلس مع لطفي السيد وأحمد شوقي والنقراشي باشا والعقاد وطه حسين والمازني وحافظ ابراهيم... ووجد نفسه وهو لم يزل شاباً صغيراً يغني في القصور وتفتح أمامه الأبواب تكريماً واحتراماً، ولهذا اجتمع الفن والخبرة والذكاء في شخصية عبدالوهاب.
والكتاب لا يمكن تصنيفه في أدب المذكرات الشخصية وليس سيرة ذاتية بل هو خواطر وآراء وتقييمات وأحكام يطلقها محمد عبدالوهاب. ويرجح جويدة أن تواريخ هذه الأوراق وكتابتها يعود الى مرحلة ما بعد ثورة يوليو 1952 ويطرح فيها ـ هذه الأوراق ـ رأيه في قضايا تطور الموسيقى العربية ومستقبلها. وأيضاً يقدم تجربته الإنسانية كفنان وإنسان كاشفاً لنا أعماقه. وكل ذلك بلغة دقيقة وبليغة ومكثّفة.
يتحدث عبدالوهاب في هذه الأوراق عن أحمد شوقي وطلعت حرب والنقراشي باشا وأم كلثوم والقصبجي والسنباطي وسيد درويش ونزار قباني وبليغ حمدي وكمال الطويل والموجي وعبدالحليم وفريد الأطرش وفيروز والرحابنة ووديع الصافي. وعن توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ومصطفى وعلي أمين ومحمد حسنين هيكل وكامل الشناوي وأحمد رامي وحسين السيد ومأمون الشناوي. إننا هنا أمام تاريخ طويل عريض يقول عبدالوهاب فيه، بعد موته، ما لم يقله في حياته وفي لحظات حميمة خاصة وبعيداً عن الضوء والصحافة والإعلام.
يقسم جويدة الكتاب الى خمسة محاور أساسية يدور حولها الكتاب وهي: 1 ـ رحلة عبدالوهاب مع الفن، 2 ـ رحلته مع الناس، 3 ـ رحلته مع المرأة والحب، 4 ـ رحلته مع السياسة، 5 ـ رحلته مع الحياة. وثمة بعض العبارات جاءت على شكل كلمات مقطرة فأدرجها جويدة تحت عنوان "تعلمت من" وهناك بعض الأوراق رأت السيدة نهلة القدسي أن لها حساسية خاصة وفضّلت أن تبقى سراً. ولكن الى متى؟ ولماذا؟ وأمام هذه الأوراق المتناثرة يظهر أن عبدالوهاب ترك شريطاً طويلاً عليه مئات الخواطر والأحاديث والخلجات، وأوكل الى جويدة مهمة تقديمه للناس لحناً متكاملاً يليق بالرجل وتاريخه وقيمته في حياتنا. ولعلها بالفعل مهمة في غاية الصعوبة.
يلقي الكتاب الضوء على عبدالوهاب الفنان ـ الملحن وكيف تأتيه الخاطرة الموسيقية، وكيف يتفاعل معها ويستعد لها. يقول عبدالوهاب عن لحظة الإبداع إنها لحظة شعوره بالحب ومتعة لقائه بالحبيبة. ولكن مع الخاطر الموسيقي وشوق اللقاء هناك القلق، خصوصاً حين يكون نائماً ويحاول أن يحفظ في خياله الخاطر ويخاف أن ينساه في اليوم التالي. وهناك الخوف من البرد، وأخيراً ينتصر الفن. وعندما يندمج في عمل فني يقول "أحسّ بأنني أقرب الى الله أكثر من أي وقت". ويذكر أنه في عمله الفني يهتم بمقابلتين: الموسيقيين صفوة المستمعين في أول بروفة ويراقب أثر العمل على الموسيقيين. والمقابلة الثانية هي أول عرض للعمل الفني للجمهور ويسميه "غيب". أما البروات التي يجريها على العمل فيصفها بـ"خرافية". وينصح المطرب والمطربة والعازف بعدم الخوف لأن الخوف نهايته الفشل.
ويتذكر أنه كان أول من قدم غناء وموسيقى في أغنيته "في الليل لما خلي" بآلات وترية وأوروبية تُستخدم لأول مرة في فرقة عربية. وأنه أول من فكك سجن الجملة اللحنية من قيود الإيقاع الواضح، وأول من خالف قاعدة التلحين الشرقي بالبدء من مقام عين والانتهاء به كما في أغنية "يا جارة الوادي". وكيف، إزاء ذلك، ثار أساتذة الموسيقى وحاكموه وطردوه من نادي الموسيقى وخرج ساخطاً والسخرية أول مراتب التطور. ويضيف "وعندما طردوني أطلقوا عليّ هذه الكلمة: "عبدالوهاب مجرم الموسيقى كمجرمي الحرب".
يعيش عبدالوهاب عصره ويلاحظ انتهاء زمن الأصوات الجميلة بعد أم كلثوم وفريد وعبدالحليم. وبرأيه أن عهد سيادة الصوت سيتراجع ليحل محله عهد العمل الموسيقي المتكامل، وأن الألحان السائدة اليوم ستكون سبباً في عدم ظهور أصوات لها قيمة. فالأرض التي تنبت فيها الأصوات هي اللحن. وثمة سبب آخر للتراجع الفني هو التلفزيون الذي يتيح الفرصة لعرض هذه الأعمال بما يسميه "غسل لمخ المستمع العربي". ويطلق عبدالوهاب بجرأة لافتة على الفن اليوم "فن تجار الشنطة". ويضيف "يا للحسرة، المؤلفون على الأرض والملحنون على الأرض والمؤدون والعازفون على الأرض. إنه انحدار الفن أما غياب الجمهور المثقف الناقد فيسهم في الانحدار. ففي حين كان الفن في السابق يخرج الى القمة ويهبط رويداً الى السفح فإنه يخرج اليوم الى السفح ولا يصل الى القمة".
ويسأل عن مسؤولية الدولة المباشرة في تقديم فن رفيع من خلال التلفزيون. ويلاحظ غياب العلاقة الروحية ـ الشعورية بين الملحن والمؤدي. ويطرح السؤال الصعب: من الذي اغتال الفن في مصر؟ هل هو نوعية الجمهور أم نوعية الفنانين أم البيئة والمناخ والظروف الاجتماعية. ولا تتوقف رحلة عبدالوهاب مع الموسيقى أمام التساؤلات التي تشغله حول الموسيقى العربية مستخلصاً أن الأغنية الفردية هي جزء من كل، والكل هو المسرح الغنائي. ويعزو عدم وجود غناء جماعي أو رقص جماعي في مصر "لعدم اختلاط الجنسين بعكس لبنان حيث الاختلاط من طبيعة الحياة الاجتماعية. وهكذا نبع الغناء والرقص الجماعي من واقع حياتهم وأصبح لهم رصيد غناء ورصيد رقص جماعي. أما نحن في مصر فقد عوّضنا هذا بالتفوّق الفردي سواء كان ذلك بالغناء أو الرقص".
يتوقف عبدالوهاب عند قضية مهمة في الموسيقى الشرقية وهي الربع مقام. ويسأل هل هو عقبة في تطورنا الموسيقي، وهل نلغي الربع مقام أم نتركه للاعتياد؟ ويعتبرها حقاً "مشكلة جديرة بالبحث والحوار مع العلم والذوق والتاريخ والجمال". ويرى أن للعرب كنزين: البترول والموسيقى. وإلى الآن لم ينتبه الغرب بعد الى كنز الألحان العربية وإذا انتبهوا سيستثمرونها ويعصرونها. أما علاقة الفنانين العرب مع مصر فيعتبرها نغمة مرذولة. مصر هي "فترينة العالم العربي". ويسأل: ألم يكن نجيب الريحاني عراقياً وجورج أبيض لبنانياً وروز اليوسف لبنانية وأنور وجدي سورياً ونجاح سورية... "عاشوا مصريين وماتوا مصريين". وتحت عنوان "مطر بجست هذا الزمان" يكتب عبدالوهاب عن انقراض المونولوغ لأن مطربي اليوم هم مونولجست لحناً وصوتاً وحركة.
يروي محمد عبدالوهاب في هذا الكتاب حكايته مع نشيد "بلادي" حين كلّف بتقديمه بشكل جديد وعمل على إبطاء النشيد وتأليف جسور جديدة بين الجمل، وتم ذلك نتيجة إعداد وتخطيط وتفكير. ويعتبر عبدالوهاب أن الملحن الجيد هو الذي يجمع بين التلحين والتوزيع والعلم والذوق في حين أن وجود المطرب مرهون بصوته وعدم ظهور منافس له يبقى الملحن إبداعاً لا ينتهي. ولماذا لا يظهر عباقرة اليوم فيعلّق عبدالوهاب بذكاء بالغ "الحقيقة، في الزحام لا تظهر العبقرية بل يظهر النشالون".
وفي موضوع التوزيع الموسيقي يرى أن المشكلة في النظر الى المفهوم بأن التوزيع هو تحلية للحن الأصلي وليس جزءاً منه. ويثني على أسلوب "الرحبانية" الواضح في توزيع ألحانهم. الملحن هو صانع الصورة والموزع هو صانع للبرواز. ولكن ما هي أحب ألحانه الى قلبه؟ فيجيب أنه لا يقدر أن يخير بين سمع وبصر. وأجمل ما في الموسيقى أن يكون فيها سؤال وجواب. وأن الألحان العربية منبثقة من أخلاق العرب التي تعتمد المجاملة الكثيرة ذات اللفّ والدوران والزخرفة الكلامية والفهلوة وسرعة الخاطر وخفة الدم والحس المادي. ويشرح عبدالوهاب في فقرة خاصة الفرق بين الموسيقى الشرقية والغربية: الأولى تخاطب الغرائز والثانية تخاطب العقل ولو مزجنا بين إحساس اللذة في الموسيقى الشرقية وبين علم ومنطق الغرب لحصلنا على موسيقى خرافية. وكيف تصل موسيقانا للعالمية؟ وجوابه "كن محلياً من أجل أن تكون عالمياً".
وفي الفواصل وقفات وجدانية جميلة كان يقول عبدالوهاب "يا رب إغفر لي بقدر ما أحب فني".
في قسم "رحلتي مع الناس" يتذكر عبدالوهاب طلعت حرب، واضع الأسس الاقتصادية للصناعة في مصر متحدثاً عن ذكائه وروحه الوطنية وكرهه للكذب وبصيرته النفاذة وكيف كان يزوره مع شوقي في مسرح الأزبكية في غرفة يتناول فيها الأكل الشعبي. كما يذكر النقراشي باشا ومدرسة الحياة، الرجل الجاد ـ دوغري ـ صريح وشجاع ووطني، الدائم اليقظة والحضور والذي تعلم منه "ألا يروي شيئاً إلا إذا تأكد تماماً من صحته".
عرفت علاقة أمير الشعراء أحمد شوقي وعبدالوهاب بعداً اثيرياً وهنا لمحة: "سألت مرة أمير الشعراء أحمد شوقي لماذا أنت أعظم شاعر عرفه العرب؟
فقال: أولاً هي الموهبة.. قلت: ثانياً، قال: لأنني حصلت على شهادة ليسانس حقوق. قلت: ما علاقة الحقوق بالشعر. قال الشعر موهبة ومنطق والقانون منطق، ولم أفهم ما قاله شوقي حتى الآن". ويضيف: "كان شوقي يقول إذا بتحبني غني لي عن شعري".
ولعل من الممتع أن نسمع رأي عبد الوهاب برائد حقيقي من رواد الموسيقى العربية وهو سيد درويش "إنه فكر تطور وثورة. جعلني استمتع بالغناء بحسي وعقلي". ويرى فضله على الألحان العربية بإدخال الأسلوب التعبيري في اللحن وكسر المقامات المتجاورة. وخلع على الدور بعداً درامياً مثل "أنا هويت" و"ضيعت مستقبل حياتي" وأنه وجد في الأغاني الشعبية والمسرح الأرض التي يريدها. ويصف أم كلثوم بأنها زعامة الصوت. وأن غيابها تسبب في هبوط مستوى الألحان. ويقول ان بعد جنازة أم كلثوم وفريد وعبد الحليم "أدركت أن الجماهير كفرت بالزعامة السياسية واتجهت للزعامة الفنية في مصر".
أما عمن عاصره من الملحنين فله في كل منهم رأي ونظرة، فبرأيه أن القصبحي كان ثائراً أكثر منه جميلاً ومفكراً أكثر منه طروباً. وأنه لم يفعل شيئاً باهراً في ألحانه الغنائية لأن هذا يحتاج الى إقناع صوتي وهو ما افتقده القصبجي. أما سر رياض السنباطي فهو الصوت وألحانه فيها الرؤية والسلاسة والجلال والاحترام والفخامة، وفيها التفكير الهادئ والاتزان واحترام التقاليد. والسنباطي ملحن القفل ويحضر لها تحضيراً منطقياً ومحكماً. كمال الطويل هو فنان موهوب. عمله الفني متكامل وشديد الجمال والانسجام بالرغم "اني لا ألمح فيه ومضات باهرة. هو ملحن صالون وشارع وصالون اكثر".
ويرى في الملحن بليغ حمدي "اللماح". ولكنه يضع للجملة الجميلة أي كلام. هو ملحن صالون وشارع ولكن شارع أكثر. وعمله عبارة عن مونتاج.
ويعتبر محمد الموجي صاحب المخ الرياضي وأجمل جملة التي تحتوي على تركيبات رياضية منطقية وليس عنده وسط. فإما أعمال جديرة وإما لا شيء. زكريا أحمد يشدك الى عصره بيسر وتعيش معه متعة السائح الأوروبي في أحياء القاهرة. أما محمود الشريف فهو خير من يلحن الاسكتشات المتعددة الألوان وسيد مكاوي بأنه يرسم ويهدئ وآخر من تبقى من جميع الملحنين. ويعتبر أن حلمي بكر يلحن للموسيقيين ويهتم بلفت نظر الملحنين أكثر من أي شيء آخر. واللافت أن عبد الوهاب لا يذكر شيئاً عن ألحان فريد الأطرش ومحمد فوزي ومنير مراد ومحمد سلطان.
ولرموز الأدب والصحافة نصيب من آراء عبد الوهاب وتقييماته فهو يسجل اعجابه الكبير بالأديب توفيق الحكيم الذي أدار شيخوخته بمقدرة وذكاء وظل حاضراً في وجدان الناس. ويرى الفرق بين الحكيم ونجيب محفوظ أن الأول يناقش القضايا من برجه العاجي والثاني يناقش القضايا واقعياً في الشارع ومع الناس. ويذكر مصطفى وعلي أمين والفرق بينهما أن مصطفى يعمل من الحبة قبة وعلي يعمل العكس. ويلفته حب وشغف مصطفى لعمله. ويرى في محمد حسنين هيكل المجدد في مقالته التي امتازت بكونها خليطاً من المقال والتحقيق والخبر، وقربه من عبد الناصر.
وماذا يقول عبد الوهاب عن مطربي ومطربات عصره الذين تفاعل معهم ولحن لهم وصادقهم، فمثلاً يقول عن عبد الحليم حافظ "ان وجه عبد الحليم جمل القبح وهو لا يصدق إلا عندما يغني. كان عبد الحليم ضعفاً وقوة ولم اجد في مسلسل العندليب إلا ضعفه". نجاة، تفكير في الأداء المفكر "تتركني في حزن لذيذ". وردة، صوت متوحش يغني على مزاجه. فايزة أحمد: نبرة جديدة حلوة لا صلة لها بأصوات الآخرين. وديع الصافي: قدرة صوت نادرة "وأطرب له كل الطرب إذا غنى في مكانه في الجبل". أما فيروز فيطلق عليها لقب سلطة الأغنية القصيرة. "تشبعني في ثلاث دقائق".. هي أقدر المطربات في تأدية الأغاني القصيرة. وبرأيه أن السبب يعود الى غناء فيروز من صغرها على آلات ثابتة. والبيانو عند الرحبانية يثري اللحن الأصلي دون أن تلمحه أو تتعرف عليه. والغريب أن عبد الوهاب وسط هذه الأسماء لا يذكر شيئاً عن اسمهان أو نور الهدى أو ليلى مراد أو صباح أو نجاح سلام أو سعاد محمد أو فايزة كامل أو شادية. كما لا يذكر شيئاً عن محمد قنديل أو محمد رشدي أو كارم محمود أو محرم فؤاد أو هاني شاكر أو صباح فخري. وهل يعني ذلك أن الأصوات التي ذكرها حفرت في ذائقته أكثر من غيرها. كما لا يذكر شيئاً عن الممثلين والممثلات الذين تعامل معهم أو أعجب بهم وكذلك لا يذكر مخرجي أفلامه بشيء. في حين أنه يتوقف عند راقصة واحدة فقط في تاريخ مصر وهي تحية كاريوكا ويعتبرها رمزاً للاستقلال الفني وظهورها ونجاحها ظاهرة وطنية، وهي صاحبة فضل في تكوين شخصية الراقصة المصرية. ويستوقفه من العازفين في مصر أنور منسى في إحساسه المرهف "ونريد في كل أفرع الموسيقى أنور منسى".
ولعبد الوهاب، رأي مهم في شعراء الأغنية في عصره، فهو يتوقف عند نزار قباني الذي ينظم الشعر بعينيه لا بقلبه، فهو "مصور ورسام بالكلام". وشعره وصل للناس بدون غناء قبل أن يزيده الغناء جمالاً. "شاعر يحس باحساس المرأة. ولكنه لا يلتاع ولا يهيم. إنه ملك"، وكامل الشناوي يراه آخر الظرفاء وآخر ندماء الجمال ولديه رادار في كشف الموهبة واحتضانها ومصادقتها. ويختصر الشاعر مأمون الشناوي بكلمة "احساس" ومرسي جميل عزيز بـ"حرفنة". وعبد الوهاب محمد بـ"أفكار". وعبد الفتاح مصطفى بـ"رهافة". وصلاح جاهين بـ"مصرية" وعبد الرحمن الابنودي بـ"الريف". وحسين السيد بـ"تطور" وأحمد شفيق كامل بـ"الشباب" وأحمد رامي بـ"كل هؤلاء". أما قصائد الأخطل الصغير بشارة الخوري فكانت تأتي اليه ملحنة.
وتستمر رحلة عبد الوهاب في هذا الكتاب الممتع والجريء الى المرأة والحب. ويرى أن السبب في حب المرأة للفنان هي أنه، أي الفنان، غالٍ وثمين وفيه عنصران متناقضاً من الروح والمادة. عاطفي يحلق بحبه الى السماء وفي الجنس يهبط بمتعة الى الأرض. والجنس برأيه متعة الروح قبل الجسد. المتعة التي هي ألفة روحين، ويعتبر الرجل مهموماً بمتعة المرأة، وهذا يبعده عن أن تكون متعته صافية. أما المرأة فلا هم عليها لأن متعتها صافية. وتحت عنوان "علمتني المرأة" يكتب: "تظل الحبيبة في قلب الرجل حتى يتزوجها فتصبح على قلبه"، وتحت عنوان "تعلمت من الناس" يقول: "قال لي الأمير بدر بن عبد العزيز مثلاً سعودياً يقول "قرب من الخوف تأمن". وإذا أردت أن تبقى شاباً تحمس لكل شيء تفعله يذهب الشباب بذهاب الحماسة. ويظل المرء شاباً مهما كبر الى أن تموت أمه فيشيخ فجأة. وتستمر الخاطرات والخلاصات يدبجها عبد الوهاب بحس الفنان "يمكن للإنسان أن يدعي الحزن ونصدقه، ولكن لا يمكن أن يدعي الفرح ونصدقه" أو "القضاة والأطباء والجنود يقتلون الناس بالقانون".
ويطلق كلمة حب لزوجته "لم أر سواداً كلله النور كسواد عيني زوجتي نهلة". ويؤمن بالفنان، فالجديد في الفن هو الفنان ليس إلا. ولا يخلو الأمر حين يذكر أنه عندما ينتهي من تلحين أغنية "أشعر بأنني خلقت بنت حلوة وأريد أن أزوجها لعريس حلو مثلها" أما ألحان اليوم فيسميها "ألحان أنابيب".
ويتابع محمد عبد الوهاب في أوراقه الخاصة ويصل الى "رحلتي مع السياسة" ونكتشف انحياز عبد الوهاب لجانب السادات محدداً الفارق بين ناصر والسادات بأن ناصر كان سيئاً ولكن من كانوا حوله آمنوا به، والسادات كان خيراً ولكن من كانوا حوله لم يؤمنوا به. ويرى الفرق بين الشيوعية والرأسمالية كالفرق بين المستشفى والمنزل. أما نقده للحالة العربية فطافح بالألم. إذ يعتبر أن الغضب الأكبر الذي حل بالعرب أن أحده أعطاهم المال ولم يعطهم الثقافة. وبرأيه إن أهم شيء خسرناه في الحرب الضارية المتوحشة في لبنان هي خسارتنا للإنسان اللبناني. أما ما يجري في مصر اليوم فهو "آخر بوظان". كل شيء "بايظ" والسبيل الوحيد للإصلاح هو الدعاء. ويلاحظ أن المصريين ينطبق عليهم المثل القائل "عايزين جنازة يشبعوا فيها لطم". ويفسر خروج الجماهير في جنازة أم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ بأنها خرجت لتبكي نفسها.
وينهي عبد الوهاب كتابه بما أسماه "رحلتي مع الحياة" وتحت عنوان كلمات ومواقف يكشف عن حوار جرى بين عبد العزيز فهمي ومكرم عبيد الذي استشهد فيه الأخير بآيات قرآنية فقال له فهمي، يا مكرم باشا هل تؤمن بما تقول. فأجاب مكرم: إنني أقول بما تؤمنون. ويكشف عن رأيه بالجمال الذي هو حركة والحركة التي هي الحياة. ولذلك ـ يقول ـ نحب في المرأة وجهها لأنه يتحرك وعينيها وشفتيها ويديها.
ويظهر عبد الوهاب حساسيته من برد مصر لأنني "آخذ مساوئه ولا استمتع بميزاته" وأنه يحب الفنادق لأنه يشعر فيها بالأمان والمفاجآت والتنوع. أما أسباب مخاوفه الاسطورية من الطائرة فيعزوها الى أن الله لم يخلق الإنسان ليطير. وتحت عنوان "علمتني الحياة" يكتب "اعط فنك كل شيء تأخذ منه كل شيء". وإن هناك فنان الفن كسب له وهناك فنان كسب للفن.
وعبد الوهاب الذواقة للأدب يميز بين الأديب الناثر والأديب الشاعر "كالفرق بين حسناء تمشي وحسناء ترقص". وتظل الموسيقى هاجسه في الحياة، فالموهبة في رأيه "تخلق الاستمرارية ولكن الاستمرارية لا تخلق الموهبة". وإن تطور موسيقانا ينبغي أن ينبع من نبضنا لا أن يكون مستورداً. ويقارب نظرية المقام من زاوية مختلفة فيقول "المطرب العظيم والمستمع العظيم يقومان بجهد متساو. وإن الفن ليس جديداً بل الجديد هو الفنان. ورغم ذلك فالفن مثل لعنة الفراعنة والنجاح في الفن لا بد له من موافقة السماء". ويلاحظ أنه في هذا الزمن "تغني الراقصات وترقص المغنيات". وأصبح الفن اليوم "اهمال من الحكومة وتسلية من الشعب وعدم هواية من الفنان".
أما كيف ننهض بالأغنية فبالحرص على أمانة الكلمة واللحن والأداء. وبالنهاية قيمة الإنسان في مشواره وليس في نجاحه. وأخيراً يرفض عبد الوهاب الفوضى مرتين: في ممارسة فنه، وفي حياته العادية.. فلذلك يحرص في حياته العادية على النظام والترتيب لأن الفن بحد ذاته فوضى، ولكن تبقى اللقطة المعبرة في آخر الكتاب والتي تشير الى واقع وحقيقة إذ يقول في ما يشبه النبؤة المكللة بالألم: "أصبحت عصبياً، حزيناً، لأنه لا يوجد الآن شيء يطربني".
وفي العبارة شيء من المأساة إذ أن الفنان الذي أفنى عمره في الموسيقي والطرب ما عاد يهزه الطرب. كأنه فقد قضيته أو ألقى سلاحه.
كتاب "رحلتي ـ الأوراق الخاصة جداً لمحمد عبد الوهاب" كشف جديد لزوايا مخبؤة، وآراء قيمة ومحكمة وصريحة وطريفة لفنان عاش عصره حتى الثمالة وترك بصمته حضوراً لا يمحى في ذاكرة الإنسان العربي ووجدانه، حضوراً يزيده الغياب عمقاً وريادة وتوهجاً وأصالة. ومع عبد الوهاب أنت في رحلة ممتعة وغنية وعميقة لفنان لا يمر الزمان أمامه بغفلة.