في ديوانه الأخبل جوزيف دعبول يكتب لزمن يقتات من ينابيع الخلود

 

ليندا عثمان
السياسة – بيروت – 14/02/2012

الموهبة هي الأساس… الشعر لا يلقَّن ولا يشرب كالماء وهو ليس علماً.. إنه تفتيت وتشرذم وسخرية

يكتب جوزيف دعبول لزمن آت, زمن يقتات من ينابيع الخلود وأروقة العشب الأخضر ودهاليز القمر النائم في عرض السماء, يكتب قصيدة وأغنية ومرثاة, قلمه يحفر على هواه وقلبه مواعيد الأيام, يذهب الى هواء الحرية, يعبر الأمكنة صوب أهواء المدن والريح والروح, يتسلق أعشاب اللغة ويحفر في مساماتها رؤية المطر, وفواصل الأشجار التي تهطل كلمات تفيض بالوجد والتهجد. هذا الشاعر الذي يبذر في الحقول حكاياه, ويملأ أيامه من غابات النبيذ وزبد البحار الهائمة على صفيح من رعب وخوف من مجهول نراه في جديده “الأخبل: الى سيلا تنظر الآن في المرآة” يسلك مسلك النساك في حاضرة الوديان السحيقة, والمروج الممتدة على مسافات العين. يلج البيوت العتيقة ويمسح عنها غبار السنين الغابرة التي تعانق عناكب الزوايا المنسية.
“يستريح على العشب
وبيده يرتب النجوم
يصنع القهوة بنفسه
يدخن علبة السجائر
لكنه لا يجد العشب
ولا يديه ولا النجوم”.
جوزيف دعبول ابن منطقة عكار شمالي لبنان, الذي قدم “البحر وردة الرؤيا” وديوانه الجديد: “الأخبل: الى سيلا تنظر الآن في المرآة”, شاعر ينظر في مرآة نفسه, فيرى عشقاً والتماع مسايا, معراجه طريق الى الكلمة, وحكايته صهيل القصيدة التي لا تشبه الا حالها وشاعرها, وأعراس الرغبة بالحياة والموت وبكل ما له علاقة بعدم أو وجود أو قدر كوني, أو ألوان طيف حطمت مراياه على شواطئ الورود الشتائية.
هنا لقاء مع الشاعر :
في ديوانك “البحر وردة الرؤيا” تمجد الأمكنة. الى أي حد يقطف المكان منا ذاك الألق والحضور?
المكان زمن سائل لا نستطيع أن نقبض عليه مهما ألفناه, المكان بحميميته وجماله وقبحه وكوابيسه, مكان الحبيبة العطرة الغائبة, الزوجة الحبيبة الحاضرة الأبناء, الأنا, مراتع الطفولة, البيت, الكوخ, النهر, النبع, الحديقة, المقهى, الطهي, الزقاق, الشارع, القبر المهيأ لنا, المكان في كل تجلياته قديماً وحديثاً هو الأنا مهما اضمحل وغاب أو تجسد. لذا من البديهي أن يظل حاضراً معي في ذاتيتي وحلمي وتشظيتي, نحاول أحياناً أن نكذب عليه, نخادعه, نلوذ به رغبة, لكننا لن نقبض عليه, فنعاود اختراعه في كتاباتنا علنا نخترع أنفسنا من جديد ونقبض على الألق الذي كان فيه.
جديدك, يتغلغل في الحواس يحرك الحرائق ويعطي الكلام نكهة, ماذا عنه? ما الذي تود أن توصله الى الآخر?
جديدي “ديوان الأخبل الى سيلا تنظر الآن في المرآة” الصادر عن دار الغاوون تكملة لرؤيتي الأولى حول كل شيء, الوجود,, المرأة بكل تسمياتها, الأمكنة, الأزمنة, الكوابيس, الأحلام, المعاناة في كل تجليات الحياة, لكن ما يختلف فيه عن الديوان الأول هو أنني تخليت عن الروي الذي ظهر في بعض شعره, محملاً الديوان الثاني بعض الأقاصيص التخييلية, وأترك للناقد والشاعر والقارئ العادي والمثقف أن يتكلم عنه سلباً أو ايجاباً.

رومانسية

كتاباتك تطلق فجر الرياح تهديها عطر الزمان وتنتهز فرصة القبض على الضوء, أية رومانسية يتكئ عليها الشاعر في زمن الانترنت والتكنولوجيا الفاقعة?
الرومانسية في زمن الانترنت والتكنولوجيا الفاقعة, وكما أجد لا تخضع لأي تأثير. انها روح من الداخل والخارج. تأخذها قليلاً العولمة المتوحشة, يضربها الهسيس والضجيج والصخب الذي ينخر هدوءنا وعظامنا, لكنها في النهاية نهر يعصى على الهندسة, على الرياضيات والمسابر, يشق طريقه نحو الأبد. الرومانسية روح طفل لا يكبر ولا يذوب في آلة, يظل في كوخ ذاته وغيمة ذاته حتى ولو تلاعبوا بجيناته, يبقى أن “فاوست” موجود من قبل والآن وبعد, وهنا الرابح يكون هذا الطفل الرومانسي.
اختير ديوانك “البحر” من ضمن أربعة دواوين لشعراء شباب ليصار الى نشرها كيف ترى هذا الاختيار هل تعنيك الجوائز ?
اختيار ديواني “البحر وردة الرؤيا” من قبل دار النهضة وبيت الشعر المغربي مع ثلاثة دواوين أخرى لشعراء شباب ضمن مشروع شاعر لأول مرة هو جائزة في حد ذاتها لأنه اختير من قبل لجنة من الأدباء والشعراء والنقاد, وهنا قيمة هذا الاختيار, وأستغل هذه المناسبة لأوجه تحية خاصة الى صاحبة الدار الروائية لينة كريدية التي لولاها لما أبصر ديواني الأول النور, أما بالنسبة الى الجوائز الأدبية والتنويهات في العالم العربي, فبعيداً من القال والقيل واللغط الذي يصاحب الجوائز كل سنة فانني أبني على ما جاء في مقال للشاعر عبده وازن وغيره من الشعراء والأدباء والنقاد بما معناه: “في كل الجوائز حتى العالمية هناك من يحوزها ويكون آخر أجدر بها”. الأمر هنا صعب لأن الأذواق مختلفة فكم من شاعر أو أديب لم يعط حقه الا بعد حين, ألم يغفل لوي برتران الذي شق في كتابه “غاسبار الليل” الطريق الى قصيدة النثر الفرنسية, والذي تأثر به بودلير فبنى عليه قصائده النثرية التي أخذت أصالتها عند لوتريامون ورامبو فأصبحت مدرسة جارفة الى اليوم.
هل الموهبة هي الحارس الأمين على المبدع تقوده الى حيث يريد?
الموهبة هي الأساس, الشعر لا يلقن ولا يشرب كالماء, بل هناك شبحية جميلة ربما مرض صحي ضوئي يستولي على الشاعر يتقمصه, فينبض الشعر فيه, مع العلم أن الدربة والتثقف والقراءة هي التي تفتح نوافذه وأبوابه وتشذبه شرط ألا تقتلعه من أرضه البكر المرصودة له, والتجريب في الشعر ومحاولة المغايرة أو خلق أنماط جديدة فكلها جيد, شرط ألا يتخلى الشاعر عن تشظيه الى ذوات أخرى ترمي شررها في كل اتجاه, مريضة بالجمال, متوحشة, متوحدة, لكنها بألف عين. الشعر ليس هندسة أو علماً, هو تفتيت وتشرذم وفوضى وسخرية وعبث بالوجود والكون, انه الطفل والشيخ في آن واحد, والشرط الأساس أن نهرب بعيداً من آبائنا لا أن نقتلهم, فالشعر لكل العصور الى أي مدرسة انتمى أو نظرية تقادمت أو تولدت, وهنا أضيف بأن الشعر الحقيقي هو الذي يخلق نظريته وليس العكس.

ثقافة مسيسة

ما رأيك بوزير ثقافة يمنع بطريقة ما, شاعراً رائداً تلقى دعوة الى حضور احتفاليات معرض دولي للكتاب في دولة عربية, لأنه ليس من خطه السياسي?
هذا وزير للثقافة مسيس, هكذا تمارس السلطة السياسية سطوتها على المبدعين, اضافة الى جهاز الرقابة على الأعمال الابداعية, الذي يحرم ويحلل كما يشاء له من سلطان, فيمنع عرض فيلم “بيروت في الليل” لأنه في رأيه يعرض الأمن الوطني للخطر, أو يمنع كتاباً رأوا فيه مساساً بالعزة الالهية. وكل ذلك وفق مفهومهم الذي يكون في أكثر الأحيان مفهوماً خطأ لما كتب أو لما أريد له في العمل الابداعي. هذا تعتيم مؤذ وخالق للروح الحرة من كل قيد أياً كان.
ماذا تقول في الصفحات الثقافية التي تشعل الحرائق في أمكنة وتطفئها في مطارح اخرى من دون الأخذ في الاعتبار المعايير الابداعية الموجودة والمطلوبة?
هناك تعتيم آخر يمارسه المثقفون الصنميون الذين يتولون الصفحات الثقافية في الصحف أو المجلات أو الفضائيات, فيحرمون ويحللون على مزاجهم ولا يقرأون الا في كتبهم. يجلسون في مكاتبهم وحولهم المرايا كيلا يروا الا صورهم. هكذا تتلاقى السلطة السياسية مع السلطة الثقافية? وأسميهما سلطتين ديكتاتوريتين, ولا أعني الجميع, فهناك مثقفون حقيقيون يفسحون في المجال أمام المغمور لكنهم قلة نادرة. يقول بعض المهمشين والمشردين والمنفيين من المبدعين الحقيقيين, اننا في حاجة الى ربيع ثقافي يحطم أنظمة الحكم الثقافي الشمولي على غرار الربيع العربي والذي أتوخاه ربيعاً حقاً ضد الأنظمة المستبدة وليس خريفاً. المبدع البائس اللا سلطة له يوضع في زاوية أو سلة المهملات, أما أصاحب الباع الطويلة فيحتلون المنابر والساحات وهنا لا أدعي أن كل من كتب كتاباً حق له أن يعتبر نفسه فوق المبدعين والرواد والمؤسسين ولكن على كثير من أصحاب السلطة الثقافية أن يعيروا اهتماماً لمبدع أهمل أو لمبدع في أولى درجات السلم يهمل. وما يزيد الطين بلة, أننا نشهد المناكفات والمعارك الأدبية على أنواعها بين المثقفين المكرسين أنفسهم, وهذا ما يعمي البصيرة فيأخذهم الشطط, ويعطون صورة بشعة عن الجمال الذي يكتبونه, في الشعر مثلاً, آباء قصيدة النثر لا يعترفون الا في ما ندر بقلة قليلة تكون من مريديهم, وأصحاب قصيدة العمود أو التفعيلة يرمون حممهم على قصيدة النثر أو على ما أصبح يسمى الكتابة الجديدة والعكس صحيح. فكيف يكون مثقفاً من ينصب نفسه حارساً على الابداع ولا يرى الا ذاته وحاشيته? في النهاية الابداع الحقيقي وكما قلت, نهر يهدر ويفيض ويشق طريقه في كل الاتجاهات عاصفاً حاقداً مدمراً قاتلاً محيياً مخصِباً الأراضي البعل في الشعر.



اترك تعليق